ما الفرق بين ديكتاتورية “النظام” وديمقراطية الإئتلاف ..؟

جمال1جمال قارصلي-كلنا شركاء: إن أهم الأسباب التي إدت إلى إندلاع ثورات الربيع العربي تكمن في الحالة المزرية التي وصلت إليها أكثر الأنظمة العربية, حيث أن أغلبها أصبح مثقلا بالفساد والمحسوبية ومنها من سخر جُلّ عمله من أجل بقائه في السلطة. أشد هذه الأنظمة قسوة وبطشا كانت السلطة الحاكمة في سورية, حيث أن مؤسسات الدولة فقدت أغلب صلاحياتها ومهامها وتحولت إلى إدارات تخدم مصالح الحاكم الذي يتصرف ويدير أمور البلاد وكأنها مزرعة يملكها.

المواطن المسكين أصبح مجردا من كثير من حقوقه, ومغلوب على أمره, وهو لا يعلم متى سيتم إعتقاله وإهانته وإذلاله, وتحت أية ذريعة, لأن أكثر القوانين تحولت إلى وسيلة من أجل قمعه والتحكم به, وأفضل مثال على ذلك هو قانون الطواريء الذي كان مسلطا على رقبته. هذه الحالة وفي ظل هكذا ظروف جعلت المواطن السوري يفضل الموت على الحياة, فما كان عليه إلا أن ينطلق بثورته, ثورة الحرية والكرامة والتي كان أول شعار لها “الموت ولا المذلة”, بالرغم من أن الكثير من المتظاهرين كانوا على دراية كاملة بما يملكه “النظام” من طاقة إجرامية عالية, فكانوا يودعون أهاليهم وذويهم قبل أن يذهبوا إلى أية فعّالية تعارض “النظام” لأن إحتمال عدم رجوعهم إلى منازلهم كان كبيرا جدا.

لقد إنطلقت الثورة السورية لأن الشعب أدرك تماما بأن “النظام” كان كاذبا في وعوده بخصوص الإصلاح والتغيير, وتبين للمواطن العادي بأن هذا “النظام” والديمقراطية مثل خطان متوازيان لا يمكن أن يلتقيان, لأن “النظام” يعلم بأن الديمقراطية خطر عليه, وأنه سينهار أمامها كما ينهار بيت من ورق في وجه الإعصار. إضافة إلى ذلك وصل المواطن إلى قناعة بأن “النظام” لا يستطيع أن يجلب له الديمقراطية لأنه هو من يفتقدها, وفاقد الشيء لا يستطيع أن يعطيه.

أما بالنسبة للثورة السورية, فهي تمر في مرحلة حرجة وصعبة للغاية والتي تحتاج إلى حلم وصبر وحكمة كبيرة لإدارتها, لأن القوى والشخصيات المتنافسة على قيادتها كثيرة جدا ولكل منها أجندتها وأطماعها وأنانيتها وكل واحدة منها ترى نفسها بأنها هي الأحق في قيادة هذه المرحلة. هذه القوى والشخصيات أغلبها مرتبطة بأنظمة خارجية وهي التي تدعمها وتمولها, وهنالك بعض الشخصيات التي كانت مغمورة ولا أحد يعرفها والتي وجدت في الثورة السورية فرصتها الذهبية, فخرجت من هامش المجتمع إلى وسط الأحداث العالمية وأصبحت بين عشية وضحاها شخصية هامة ذات إمكانيات مالية كبيرة, تمكنها من شراء ذمم من هم حولها وحتى بعض من يعارضها, ولو كان ذلك حتى من أجل تحقيق أجندات خارجيه. إضافة إلى ذلك هنالك الكثير من المثقفين والمفكرين والسياسيين والإعلاميين السوريين يتم إبتزازهم وتهديدهم بلقمة عيشهم ويُطلب منهم أن ينصاعوا إلى إرادة مموليهم, وإلا سيصبح مصيرهم أكثر إذلالا وإهانة, أي يعني بأنه بواسطة المال السياسي يتم إنتهاك كرامة المواطن السوري الذي يعاني كل يوم بما فيه الكفاية من إذلال وإهانة في المعتقلات والمطارات وعلى المداخل الحدودية وفي المخيمات.

مثل ما بات للمواطن السوري واضحا بأن “النظام” لا يستطيع أن يقوم بالإصلاح والتغيير في سورية, كذلك أصبح واضحا بأن الإئتلاف وبطريقة عمله هذه لا يستطيع أن يجلب الديمقراطية إلى الشعب السوري, لأن أغلب أعضائه في الحقيقة لا يؤمنون بالديمقراطية وليسوا بديمقراطيين ومن الصعب عليهم أن يخرجوا من جلدهم ويغيروا طريقة تفكيرهم بين عشية وضحاها, حيث عاشوا وترعرعوا في ظل نظام ديكتاتوري وتربيتهم المنزلية والمدرسية كانت كذلك ديكتاتورية.

أما عندما قرر الإئتلاف أن يشكل الحكومة الإنتقالية, تفائل الكثيرون, ومنهم كاتب هذه الأسطر, وتم بعدها إنتخاب الأستاذ غسان هيتو لمنصب رئيس الوزراء وحصلت الإنتخابات في جو تسوده روح من الديمقراطية والمنافسة, حيث كان يتنافس على هذه المسؤولية ثمانية مرشحين. ولكن عندما لم يحصل التفاهم الدولي على شخص رئيس الوزراء المنتخب هيتو, تم وضع كل العثرات من أجل تعطيل تشكيل حكومتة المؤقتة فكان مصيرها بأنها أجهضت قبل أن ترى النور, ولكن وبعد أشهر قليلة تم “إختيار!” الدكتور أحمد الطعمة من بين أعضاء الإئتلاف وبدون فتح باب الترشح كما حصل فى “عهد” الأستاذ غسان هيتو ومن الواضح بأن الطريقة الديمقراطية لم تناسب الأغلبية التي كانت تهيمن على قرارات الإئتلاف وأن أصحاب القرار في الإئتلاف أرادوا أن يعودوا إلى الطريقة التي عودهم عليها “النظام” ولعقود طويلة, ألا وهي طريقة “الإستفتاء”, أي يعني الترشح لمنصب ما وبدون أن يكون هنالك أي مرشح آخر, وكأن الناخب سيصوت ب”نعم أو نعم” وفي مثل هكذا حالة تكون النتيجة معروفة قبل حصول الإستفتاء. هذه العملية والتي تمت على الطريقة “الأسدية” كانت مثالا صارخا على الفجوة الكبيرة التي حصلت بين الثوار في الداخل وبين من يمثلهم في الخارج, وأن الثورة صارت في وادي و”النخبة” السياسية, والتي يسمونها في بعض الأحيان “معارضة الفنادق الخمس نجوم”, في وادي آخر وأن الأخيرة لا يهمها العمل بالأساليب الديمقراطية, بل فقط كيف تستطيع كل كتلة أو مجموعة من مكونات الإئتلاف أن تحصل على أكبر قدر ممكن من المكاسب السياسية والفخرية والمالية.

إن الحكومة المؤقتة تعثرت كثيرا خلال تشكيلها, لأن المجموعة المتسلطة في الإئتلاف كانت لا تريد أن تتشكل مؤسسة جديدة إلى جانبها خوفا من أن تأخذ شيئا من الأضواء المسلطة عليها وهذا لا يتناسب ورأي المتحكمين بروح ومال ومصير الإئتلاف. على سبيل المثال منذ البداية قرر الإئتلاف إلغاء منصب وزير الخارجية من الحكومة المؤقتة, لأن رئاسة الإئتلاف تريد أن تقوم هي بهذه المهمة, وتم الإتفاق على أن تكون الحكومة المؤقتة حكومة “كفاءات”, أي يعني حكومة خبرات وإختصاصات, فمن أجل ذلك أصبح مثلا طبيب الأسنان رئيسا للوزراء وطبيب أسنان آخر مرشحا لوزارة الداخلية وصيدلاني وزيرا للإدارة المحلية بالإضافة إلى مرشحين ومرشحات لا علاقة لهم بإختصاصاتهم, أما وزارة الصحة فتم الإصرار على أن يكون مرشحها طبيبا لأن هذا من إختصاصه وكأن الوزارات التي ذكرناها آنفا لا تحتاج إلى إختصاصيين.

عندما نتحدث عن العصابة الحاكمة في سورية نقصد بذلك مجموعة إجرامية تتحكم بالقرارات الهامة في الوطن ولا يمكن أن يعلو أي قرار كان فوق قراراتها وهي تهيمن على ثروات وخيرات البلاد كلها. ولكن وللأسف فإن طريقة تصرف رئاسة الإئتلاف لا تختلف كثيرا عن ما تقوم به هذه العصابة, وهي تعمل بنفس الأسلوب والمنهجية, ومقياس التأثير والنفوذ في داخل الإئتلاف له علاقة بكمية الدعم الذي يستطيع كل شخص أو كتلة الحصول عليه من الخارج, ومن يجلب الدعم الأكثر يصبح له الدور الأكبر في التحكم بقرارات ومصير الثورة, فلهذا إزدادت الضبابية في كواليس الأئتلاف وإنعدمت الشفافية ومُنعت المحاسبة وخاصة في الأمور المالية وأصبحت الرقابة شبه مستحيلة وإستفحلت الإنفرادية بالقرارات وإنطلقت “آلة تفريخ الإشاعات” للعمل ليلا نهارا للبحث عن من هو الحرامي ومن هو النصّاب ومن هو الذي يتلاعب حتى بالمساعدات الإغاثية. هذه “الإشاعات” تركت أثرا سلبيا كبيرا على الشعب السوري وسببت لدى الثوار خيبة أمل كبيرة وكذلك لدى كل من يقف إلى جانبهم, والكثير منهم صار يسأل نفسه: هل هؤلاء هم الذين سيقودون سورية إلى مستقبل أفضل؟

من المعروف بأن الحكم بالطريقة الديكتاتورية هو أسهل بكثير من الحكم بالأساليب الديمقراطية وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت بشار أسد في بداية إستيلائه على السلطة أن يتراجع عن وعوده بالإصلاح والتغيير. ما تقوم به المجموعة المتحكمة بقرارات الإئتلاف الآن تذكرنا كثيرا بالأيام الأولى للحاكم الوريث والذي سرعان ما لاحظ بأن الحكم الديكتاتوري أسهل وأفضل له بكثير من الديمقراطية وأن أي تغيير أو تحديث في “النظام” الذي ورثه عن والده, سيؤدي إلى إنهياره. ولكن وللأسف الآن يسير الإئتلاف على نفس وتيرة “النظام” ويجد صعوبة كبيرة في العمل بالطرق الديمقراطية الشفافة, وإلا لماذا صار في الآونة الأخيرة يعقد بعض إجتماعاته في أماكن سرية, أو لماذا قام قبل أسابيع قليلة 44 عضوا من أعضاء الإئتلاف بتقديم إستقالة جماعية ولكن أغلبهم عاد ولحس إستقالاته من جديد.

نحن نعلم ما معنى الديمقراطية وأين تكمن محاسنها وأين تكمن مساؤها ونعلم كذلك بأنه لا يوجد في أي مكان في العالم ديمقراطية مطلقة وأن تطبيق الديمقراطية يتم بشكل نسبي ويتفاوت من دولة إلى أخرى وحتى نحن نجزم بأنه في بعض الأحيان ممكن أن تتحول الديمقراطية إلى ديكتاتورية, وهي ما نسميها بديكتاتورية ال 50% زائد شيئا ما بعد الفاصلة. وكذلك نعلم بأن ثورتنا تمر في مرحلة حرجة وإستثنائية, ولكن ما نطالب به هو الحد الأدنى من الديمقراطية والشفافية لكي لا يتساءال المواطن الذي قدم كثيرا من التضحيات لهذه الثورة: هل من أجل هذا إلتحقت بالثورة وهل هذا هو البديل الذي كنت أحلم به؟

نحن نريد هنا أن ندق ناقوس الخطر ونلفت الإنتباه إلى ما يتربص بوطننا من أخطار جسيمة والتي ستكون باهضة الثمن إن لم نعالجها الآن ومنذ البداية, ونحن لا نريد أن تتناحر القوى الثورية فيما بينها, بل نسعى إلى توحيدها, وأفضل طريقة لذلك هي الشفافية في العمل والديمقراطية في المنهجية والتنسيق مع الثوار والقوى الفاعلة في الداخل.

إن الثورة السورية تقف الآن على مفترق طرق كثيرة وعلينا أن نضع لها منذ البداية الأسس الصحيحة لبناء مجتمع ديمقراطي شفاف, حتى لو كلفنا ذلك التنازل عن أنانيتنا ونرجسيتنا. هذه المسؤولية نتحملها نحن جميعا كطبقة مثقفة سورية أمام الله وأمام الشعب وأمام التاريخ وسيأتي اليوم الذي سيسألنا فيه التاريخ عما فعلناه من أجل إنقاذ وطننا ومستقبل أجيالنا القادمة, ولماذا لم نتعلم من أخطاء العصابة الحاكمة التي أودت بالوطن إلى ما هو عليه الآن من دمار وخراب, وكذلك سيسألنا لماذا لم نكن أفضل من الطاغية الذي بسبب حبه للسلطة والتحكم بمصير البلاد دمر الحجر وأحرق الشجر.

مسؤوليتنا كبيرة وعلينا إن نعلم, فيما إذا رحمنا الله وغفر لنا الشعب فإن التاريخ لا يرحم.

جمال قارصلي / نائب ألماني سابق

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً