الرئيس في ثياب القيصر

ـ الرئيس بوتين الذي استلم الرئاسة في بداية الألفية الجديدة اجتهد كي يعيد المجد السوفييتي ولكن على الحصان الروسي وحده هذه المرة. وقد اتضح له أن الغرب الذي يعاني من أزمات اقتصادية مستجدة يصعب عليه خلالها الولوج عمقاً في مواجهة مع روسيا خشية استنزاف المزيد من موارده في لحظة غير مواتية.

ـ يتفاخر الروس حتى فيما بينهم بالمقولة التي تصفهم بأنهم “شعب عصي عن التنبؤ في تصرفاته”، وهذه مقولة روسية قديمة  وقد أيدها  تشرشل لاحقاً حين قال عن روسيا بأنها “ذلك اللغز المحيّر داخل علبة من الألغاز”.

ممتاز

د. ممتاز الشيخ- بناة المستقبل ـ العدد السادس ـ مارس آذار 2014

في خضم التجاذب الروسي بعد انهيار الدولة السوفييتية غرق الساسة والمثقفون في جدل عميق لتحديد الاتجاه الجديد للهوية الروسية ما بين الغرب والشرق، واستهوت رجال السياسة الروس فكرة الخصوصية الروسية العصية على الذوبان في المحيط الغربي ووجدوا أن الوقت موات كذلك لتعديل عقيدة السياسة الخارجية الجديدة، فالفشل في عملية الاندماج مع الغرب خلال العقد الأول الذي تلا الانهيار 1991 خيبت الآمال ولم تحصد موسكو منه سوى الخيبات المتتالية سياسياً واقتصادياً.

وأعجبت الفكرة الرئيس بوتين الذي استلم الرئاسة في بداية الألفية الجديدة واجتهد كي يعيد المجد السوفييتي ولكن على الحصان الروسي وحده هذه المرة. وقد اتضح له أن الغرب الذي يعاني من أزمات اقتصادية مستجدة يصعب عليه خلالها الولوج عمقاً في مواجهة مع روسيا خشية استنزاف المزيد من موارده في لحظة غير مواتية، وأخذ يمارس هوايته في مشاكسة الغرب وجسّ حدود صبره في الساحات الأخرى، حدث ذلك في البرنامج النووي الإيراني وفي الأزمة السورية بشكل مثير للاستغراب. مع ان مصالح روسيا في كلا الدولتين هي اقل بكثير من مصالحها في يوغسلافيا السابقة أو العراق الذي لم تبد روسيا تحركاً جدياً للحد من تدخل الغرب فيهما.

يتفاخر الروس حتى فيما بينهم بالمقولة التي تصفهم بأنهم “شعب عصي عن التنبؤ في تصرفاته”، وهذه مقولة روسية قديمة  وقد أيدها  تشرشل لاحقاً حين قال عن روسيا بأنها “ذلك اللغز المحيّر داخل علبة من الألغاز”. ومثلما ورثت روسيا معظم إنجازات الامبراطورية السوفييتية وخيباتها كذلك ورثت  السمعة التي اكتسبها السوفييت من انهم أنصار الشعوب المستضعفة، لكن الموقف الروسي من الأزمة السورية المثير للاستغراب بدد الفضيلة الكبرى لسلفه السوفييتي.

وفي وقت مناسب لموسكو  فتحت الأزمة السورية شهية القيادة الروسية لتجاهر في مشاكسة الغرب من خلال الجرح السوري المفتوح. وفي صيغة أخرى لم يكن موقفها المتعنّت في تأجيج الصراع عبر دعم النظام إلا من باب معاندة الدول الغربية التي وقفت إلى جانب المعارضة، وهذا ما أفقد موسكو القدرة بشكل فعلي على اجتراح حل معيّن مع انها اعطيت مثل هذا التفويض لفترات طويلة.

وبغض النظر عن المصالح الروسية في سوريا التي يروج لها الكثيرون مع أن بوتين نفسه أنكر اهميتها حين ذكر في الموضوع نفسه ان التبادل التجاري مع اي دولة غربية أكثر بكثير من المنافع الاقتصادية في سورية. وحاول الرئيس الروسي  ووزير خارجيته سيرغي لافروف تبرير الموقف المستهجن بأنهم لا يحمون الأسد لكنهم ضد تغيير انظمة الحكم من الخارج. لعلهم يقصدون ما يصرحون به بسبب خشيتهم من رياح التغيير التي عمّت أنظمة بعينها وهي إذاً لا بد وان تصل إلى عمق روسيا عاجلا ام آجلا باعتبار أن صفات تلك الأنظمة تتقاطع مع النموذج الروسي الراهن في إدارة الحكم.  واشارت الكاتبة فيرونيكا كراشينينكوفا  ان سقوط النظام السوري يعني اقتراب خط المواجهة بين الغرب وروسيا.

وتدرك موسكو اكثر من غيرها طبيعة النظام السوري وتركيبته الداخلية بدقة تامّة، بالمقابل لا يستطيع الرئيس بوتين أن يتجاهل طريقة وصوله إلى سدة الحكم في روسيا  بما يشبه حالة التوريث السورية، حين تبناه سلفه يلتسين وعمل على الترويج له كمنقذ للبلاد معتمدا على خبرته المخابراتية حتى تحقق ذلك له، تماما كما فعل الرئيس السوري السابق حافظ الاسد حين مهّد الطريق امام ابنه بشار باعتباره ينتمي إلى جيل الشباب السوري وباعتباره لم يغرق في ملفات الفساد قبل استلامه منصب الرئاسة وانه “حداثي” وطبيب وقد اكتسب خبرات المجتمعات الديموقراطية من خلال دراسته في البلاد الغربية.

ويرى بوتين وفريقه في إدارة الأزمة السورية بهذه الطريقة أنها تصب في تقوية المناعة الروسية الداخلية ضد رياح التغيير التي تعاني روسيا من الأعراض نفسها ولهذا لا بدّ من تبديد شدتها قبل أن تمتحن هذه الرياح  قدرته على الاستمرار بالحكم مبا يشبه طريقة الحكام العرب. ومنذ سنواته الأولى في حكم روسيا وضع نصب عينيه الاستمرارية الطويلة  بالحكم من خلال الترويج بأن الاقتصاد الروسي لا يمكنه ان يتعافى من تبعات التركة السوفييتية إلا من خلال استقرار البنية الفوقية التي تتجسد فيه وفريقه في الحكم.

وتواصل موسكو دعمها للنظام السوري مع انها تدرك  تماما ان الأزمة بتوازناتها القلقة عصية عن الحل العسكري لأي من الأطراف وخاصة طرف النظام كما تدرك ان الاستمرار فيه لا يعني إلا المزيد من الدمار والكوارث والقتل الجماعي لكن هذه الصورة مفيدة من زاوية ترويع المجتمع الروسي قبل غيره الذي عليه ان يعي كلفة التغيير الذي قد يفكر فيه. على المدى القصير أو وفق المنظور التكتيكي قد تكون الإدارة الروسية حققت بعض المكاسب  من خلال دعمها للنظام وتثبيته على الساحة حين جعلته يشعر بأنه قادر على كسب الصراع داخلياً. اما على المستوى  الاستراتيجي فقد تجازف موسكو في خسارة خيارها بالوقوف إلى جانب نظام لا يهتم  إلا في كيفية بقائه دون النظر عن  اية كلفة كانت. وواصلت موسكو دعمها على المستوى الدولي حيث عملت على تعطيل وشلّ جميع القرارات الدولية التي كان يمكن أن تلعب دورها في مرحلة ما للوصول إلى حل مقبول وفي ذروة تدهور معنويات النظام في صيف 2013  حين كاد أن يكون  التدخل الدولي وشيكاً لمحاسبته على القتل الجماعي الذي وصل إلى حد استخدام الأسلحة الكيمياوية ضد مناطق مأهولة، تمكنت موسكو من إبرام صفقة وافَقَ بموجبها النظام السوري على تدمير الترسانة الكيمياوية ، مما منحه  مزيداً من الثقة والشرعية تجاه المجتمع الدولي.

يحاول بوتين توظيف أمجاده الشخصية على حساب المجد الروسي  لكن العبرة التي أراد تعميمها من الأزمة السورية لم تعمل مفاعيلها في كبح جماح إرادة التغيير على تخوم روسيا، في أوكراينا مثلاً، ولن تكون ذات جدوى داخل روسيا نفسها عندما تحين اللحظة ولن ينفع الرئيس آنذاك مظهره بلباس القيصر.

قد يكون لدى روسيا الكثير للنظر بعين الريبة إلى سياسة الغرب التي اسهمت بشكل مباشر في تثبيت الأنظمة العربية وهي تدّعي اليوم أنها تقف في مواجهتها، لكن شهية الانتقام في هذا الظرف ثمنها دم سوري وكارثة إنسانية لم يعرف التاريخ المعاصر لها مثيلاً بسبب الدعم الروسي اللامحدود للنظام السوري، و ثمنها جحيم قد لا تقف ألسنة لهيبه عند حدود جغرافيا معينة.

شاهد أيضاً

سلامة كيلة: الحل السوري في موسكو لا جنيف

  سلامة كيلة: العربي الجديد كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف …

اترك تعليقاً