عن القبائل والسلفية الجهادية شرق سوريا

_192عبد الناصر العايد ـ العرب:

يدور منذ أشهر صراع دام شرق سوريا، يوصف حيناً بأنه بين سكان المنطقة وتنظيم “داعش” على غرار ما حدث في مناطق حلب وريفها، وحيناً يوصف بأنه صراع بين هذا الفصيل وعشائر المنطقة على نحو ما حدث في العراق قبل سنوات، لكن معاينة متأنية ودقيقة للحالة تنفي كلا التوصيفين السابقين.

فالنزاع قبلي تقليدي على آبـار النفط، على نحو ما كان يحصل قديمـاً من أجل الكـلأ والماء، لكنه مغلّف هنـا بالعناوين الدارجة اليوم في سوريا، أي أسماء التنظيمات المتشددة، لكن ما يلفت الانتباه هنا هو استخدام القبائل للتنظيمات الدينيـة وشعاراتها في صراعها، وهو أمر سيترك أثره على الطرفين في المرحلة القادمة.

لقد كثر الحديث مؤخراً عن تغلغل التنظيمات المنتمية أيديـولوجيـاً إلى القـاعدة بين قبائل دير الزور والرقة والحسكـة، وتكلـم الأميركيون عن منطقة “بنجاب” سورية على ضفاف الفرات.

والحقيقة أن تنظيمات النصرة و»الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) وأحرار الشام، لاقت رواجاً بين شبان القبائل ذوي النزعة القتالية، لكن ما إن خرج النظام من مناطقهم، حتى شرعت تلك التنظيمات في محاولة فرض نظام اجتماعي يناسب رؤيتها الأيديولوجية، ويتعارض مع الانتماء والقيم القبلية المتأصلة، وكان من الطبيعي أن ينشأ نوع من الممانعة الاجتماعية المعلنة والخفية، وجرّب المتشـددون أن يقمعـوا أشكـال المقاومـة الفردية والجماعيـة لنظامهـم، لكـن ظروف الحـرب أجبرتهم علـى إظهـار بعـض التساهل والتكيـف مـع الوضع القائـم مؤقتاً، خاصة من طرف الفصائل التي تخوض حرباً ضد النظام بالفعل، وتحتاج إلى دعم ومساندة السكـان المحليـين، كـ”جبهـة النصـرة” و”حركـة أحرار الشام”، بينما انصرفت “داعش” كلياً لمحـاولة إعادة تشكيـل المجتمع في المناطق المحررة بما ينسجم مع رؤيتها، وهو ما جعلها صاحبة الحظ الأوفر من الرفض والعداء.

لكن مع بروز الصدام بين “داعش” وبقية الفصائل الجهادية على منابع النفط، خاصـة في دير الزور أغنى المحافظات بهـذه الثـروة، فقد تغيرت قواعد تعامـل التنظيمـات مع القبائل، ولم تعـد مجـرد غض النظر عن بعض المخالفـات أو تأجيل تطبيق بعض الأحكام القاسيـة لتجنـب استفـزازها، وصار مطلوباً التحالف معهـا علـى قاعدة النديّة، للحصول على مساعدتهـا الحاسمة في الصراع. لذلك شرعت كافـة التنظيمات بتعيين قادة عسكريين ودينيين من أبناء القبائل الكبيرة، وقدّمت مزايا ومكاسب ماديـة من عائدات النفط على سبيل المكافأة للقبـائل التي أظهرت تعاطفاً أكثر مع هذا التنظيـم أو ذاك، وعند هذه النقطة بدأت الماكينة القبلية بالعمل لتسم معظم تلك التنظيمات بميسمها، وتُقَبْلن- من قبليّة- مضمون تلك التشكيلات، وسحب القادة الجدد مراكز تنظيماتهم إلى مناطقهم، وجندوا لها أبناء عمومتهم، ووضعوا أيديهم على آبار النفط التي تقع في حمى قبائلهم، وبدؤوا القتـال ضد الفصائل الأخـرى على هـذا الأسـاس، ونبذ ذلك تلقائيـاً أبناء القبائل الأخرى المنضوين فـي التنظيـم، قبل نبذهـم إجبـاريـاً عنـدمـا دخلـت التنظيمـات / العشائر في حـرب مفتـوحة فيما بينها وقع فيهـا قتلى مـن كافـة الأطــراف، وترتـب عليها مطـالب انتقـام تستخـدم طريقـة التمييز المتعارف عليها منذ القدم وهي النسب، وتعتمد القانون التقليدي، وهو الثأر المباشر للاقتصاص من الجناة، وترفع فيها شعارات عشائرية تقليدية كهدر الدم.

لقد حدّ تموضع التنظيمات الدينية في أطر عشائرية من انتشارها، وجعلها الصراع على الموارد والنفوذ أكثر دنيوية، وأفقدهـا جـزءاً هامـاً من تكوينها هـو التشدد الأخـلاقي، وهو الأثر ذاته الذي خلفتـه القبليـَّة تاريخياً على الإسـلام، منذ أن تنـازعت قريش بوصفها قبيلة النبي، مع الأوس والخزرج على خلافته فور وفاته، ثم الخلاف بين آل هاشم وبني أمية، الذي لم يحسم إلا بعد تحالف معاوية مع القبائل اليمنيـة.

وفي كل مرحلـة مـن هـذه المراحل كان يبرز أكثر فأكثر التعارض الأصلي بين القبلية والتشدد الديني، حيث تعلي القبلية من شأن رابطة الدم، وتجعل القربى بهذا المعنى أولويـة مطلقة، بينمـا تلغي الأيديولوجيا المتشددة كل رابطـة ما عداها، وهو تعارض ينتهي غالباً إلى هزيمـة الأيديولوجيا المجردة أمام الرابطة المادية الملموسة المتمثلة في الدم الواحد، وتضطر العقيدة المتشددة إلى التواري والاقتصار على حالات فردية لا تؤثر على السياق التاريخي العـام، أو تتكيف لتصبح أكثر واقعية واعتدالاً.

وإذا كان ما يحدث يشكّل في جانب منه أحد الكوابح الاجتماعية للتطرف، إلا أنه خطر في جوانب أخرى.

فالغرب ودول عديدة في الإقليم تعلن استعدادها التام لدعم كل من يرفع شعار محاربة الإرهاب، بينما يغذي تيار السلفية الجهادية العالمي من يرفع شعار محاربة الردة والكفر بقطع النظر عن دوافعه الحقيقية.

ويلتقي والحالة هذه سيلانان متضادان من السلاح والمال السياسي في تلك المنطقة، ليدمرا ما تبقي من بنية اقتصاديـة وموارد طبيعيـة وبشريـة، وبما يخلف ثارات عشائرية لن يمكن السيطرة عليها، دون وجود دولة قوية تحتكر العنف وتضبط الصراعات الاجتماعية، والتي يبدو أن ظهورها غير محتمل في المدى المنظور

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً