خارطة الديموغرافيا وتأثيرها على الأحداث التاريخية

المجتمع السوري والحساسيات الدينية

رانيا-مصطفى

ـ تهميش الأرياف  دفع أبناء الريف إلى الانتساب إلى الجيش بعد الاستقلال؛ حيث الدخل الجيد، والضمان الصحي؛ وهو كذلك ما دفعهم إلى الانتساب إلى حزب البعث، الذي رفع شعارات تتعلق بالتنمية.

ـ تختلف سورية عن مص والعراق بتنوع مجتمعها الديني والعشائري والقومي، ما مكن السلطة في سورية من تعميق الحساسيات الدينية، واستغلالها في تشكيل أجهزتها القمعية خصوصاً، وضمان ولائها.

 رانيا مصطفى- بناة المستقبل ـ العدد السادس ـ مارس آذار 2014

يسود بين أفراد المجتمع السوري علاقات مدنية، ولكنها مشوّهة؛ فهي نتاج سيطرة طبقة بورجوازية مدينية، منذ استلامها الحكم بعد الاحتلال الفرنسي، إلى تحالفها مع حزب البعث في انقلاب 1963، ثم مع حكم حافظ الأسد في 1970، هذه الطبقة كانت طيلة كل تلك العقود طبقة متخلفة وعاجزة؛ رسخت الانقسامات الدينية والعشائرية، بما يخدم هدفها وهو الربح واستغلال أبناء الريف الفقراء، والسيطرة على الاقتصاد السوري خلال مراحل انتقاله، من لبرلة جزئية بنكهة “اشتراكية” في 1963، إلى تحقيق اللبرلة الكاملة، واقتصاد السوق الحر في 2007، بعد اندماجها بالمترسملين الجدد من مسؤولي الدولة، بفعل نهب القطاع العام طيلة عقود. هذا ما جعلها بورجوازية تابعة وغير قادرة على ترسيخ ثقافة مدنية في مجتمع ساعده الانتقال إلى التصنيع والتمدن منذ 1963 في التحول بشكل كبير إلى مجتمع مدني، وإن كان مشوهاً؛ بعد أن كان يعاني من التهميش والجهل والأمية، خاصة في الأرياف الملحقة بالمدن.

هذا التهميش في الأرياف هو ما دفع أبناء الريف إلى الانتساب إلى الجيش بعد الاستقلال؛ حيث الدخل الجيد، والضمان الصحي؛ وهو كذلك ما دفعهم إلى الانتساب إلى حزب البعث، الذي رفع شعارات تتعلق بالتنمية من جهة، لتحسين أوضاعهم في الأرياف؛ حيث حقق مجانية التعليم والطبابة والانتقال إلى التصنيع عبر التأميم وعبر إنشاء شركات جديدة، ودعم الزراعة بإصدار قانون الإصلاح الزراعي… ومن جهة أخرى شعارات تتعلق بالتحرر من الاستعمار والقضية الفلسطينية؛ حيث كانت الرغبة والطموح في تحقيق التقدم والتحرر مضاعفة لدى أبناء الريفيين بسبب وضعهم المزري في الأرياف.

هذا السيناريو ذاتُه حصل في الجمهوريات العربية (العراق، مصر، سوريا، تونس، الجزائر، اليمن، السودان وليبيا…)، والتي معظمها صعدت إلى حكمها أحزاب قومية؛ حيث يسيطر الطابع الريفي على مجتمعاتها، وتتحكم بها بورجوازية مدينية، لم تستطع السيطرة بسبب ضعفها وتبعيتها، وبسبب الطبيعة الكولونيالية لتلك البلدان؛ مما جعل تلك الفئات البرجوازية تتحالف مع الأحزاب القومية التي وصلت إلى الحكم بانقلابات عسكرية، قام بها الجيش المشكل من أبناء الريف خصوصاً. فحسنت تلك الأحزاب واقع الأرياف، وانتهى الحكم أخيراً إلى الجيش الذي تحول إلى سلطة ديكتاتورية، معتمداً على قياداته الريفيين، خاصة المنتمين إلى المناطق الأكثر فقراً، وهمش الحزب والعمل السياسي، وتفرغ مسؤولو الدولة إلى النهب، وانتقلت تلك البلدان إلى تطبيق سياسات ليبرالية في الاقتصاد، وإن بدرجات متفاوتة؛ وانتهى الأمر ببعضها نتيجة تلك السياسات الاقتصادية، في نهاية 2010 وبداية 2011، إلى اندلاع ثورات شعبية.

تتشارك مصر وتونس مع سورية في هذا السيناريو؛ تختلف سورية عنهما بتنوع مجتمعها الديني والعشائري والقومي…، ما مكن السلطة في سورية من تعميق الحساسيات الدينية، واستغلالها في تشكيل أجهزتها القمعية خصوصاً، وضمان ولائها، وهو ما أكسب تلك الأجهزة طابعاً أكثر وحشية من مثيلاتها في مصر وتونس. لاحقاً بعد اندلاع الثورة استغل كل ذلك في قمع الثورة بكل وحشية، في المناطق ذات التنوع الديني، والحفاظ على ولاء الأقليات الدينية وولاء أبناء الطبقة الوسطى في دمشق وحلب، عبر تخويفهم من اقتتال أهلي سينتج عن الفوضى، وهو ما بدأ بافتعاله بنفسه في البداية، ثم بإدخال كتائب عراقية ولبنانية شيعية طائفية مدعومة من إيران، وهو ما قوّته المعارضة الطائفية والتحكم الإقليمي في بعض الكتائب الإسلامية لاحقاً، والتي بدأت بالفعل تمارس القتل الطائفي.

الإخوان المسلمون تعاطوا مع استيلاء حافظ الأسد على السلطة بمنطق طائفي، وقاموا بحركة مناوئة له في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، اتخذت طابعاً عسكرياً. الشعب يومها لم يكن في وارد ثورة مطلقاً؛ فقد كان في مرحلة استقرار، وبدأت أوضاعه بالتحسن، حيث وجد أبناء الغالبية الريفية فرص عمل في المدن، وتعليماً وطبابة مجانيين؛ وبالتالي لم تلق حركة الإخوان يومها تأييداً سوى من بعض النخب السياسية التي رأتها فرصة للانتفاض على النظام. الطبقة الوسطى في المدن، وكذلك الطبقة البرجوازية التي بدأت تشبك مع النظام في نهب البلاد، هذه الفئات دعمت النظام في حربه على الإخوان في الثمانينات، والتي حشد لها النظام كتائب شُكلت على أسس طائفية/ علوية، وبالتالي كان رده على الإخوان طائفياً. هذا الرد زاد من طائفية الإخوان، خاصة بعد طردهم من البلاد تحت الحكم بالإعدام؛ لكنهم نشطوا في الخارج، ولم يتخلصوا من منطقهم الطائفي المتوارث حتى الأجيال اللاحقة، التي تولت الحديث باسم الثورة على الإعلام؛ هذا المنطق الذي يقول بأن الحكم هو من حق الأكثرية الدينية، والتي بالطبع هم من يمثلها.

بالمثل تعمقت الحساسيات الدينية لدى العلويين وباقي الأقليات الدينية والقومية والعرقية، بعد الحرب على الإخوان المسلمين؛ هذه الحساسيات تمثلت بالخوف من الخطر السني الذي يهدد وجودهم في حال سقوط النظام. لذلك تلك المخاوف قللت من حجم مشاركتهم في الثورة، وأعطت النظام فرصة ووقتاً كافيين لافتعال أحداث وسرد روايات عبر إعلامه، زادت من تلك المخاوف. وهذه المخاوف المسبقة ساعدت النظام على تجنيد مقاتلين في صفه، استغل بعضهم في القيام بمجازر طائفية، افتعلها عن قصد لحرف الثورة إلى الطائفية.

لم يكن التجنيد للقتال مع النظام على أسس طائفية، بقدر ما كان يعتمد على البيئات الأكثر فقراً وعوزاً، فليس الدافع الطائفي هو وحده الدافع؛ فمنذ البداية قدم النظام لشبيحته رواتب، وأطلق أيديهم لسرقة ونهب المناطق التي يتم اقتحامها. اتخذ الانتساب إلى اللجان الشعبية طابعاً طائفياً في حمص وريفها، وفي وادي النصارى ذي الأغلبية المسيحية، إضافة إلى ريف الساحل السوري، وبعض المناطق في دمشق، المزة 86 وعش الورور والسومرية وباب توما… لكنه في حلب وإدلب لم يكن كذلك، حيث جند النظام بعض العشائر الكبيرة، والمناطق الفقيرة، بما فيها التي انتفضت على النظام، وقد أطلق أيديهم لممارسة النهب والخطف والتهريب دون محاسبة، وكذلك في دمشق قام باستخدام بعض الفصائل الفلسطينية للقتال معه، وجند الفقراء من الأحياء التي سبق أن انتفضت وتمكن من إخمادها، مثل ركن الدين والصالحية والميدان…

وفي جانب الثورة كان للفقر والاضطهاد أيضاً دور في إقحامها في الطائفية، فكثيراً ما كان العوز إلى الدخل والسلاح، وأحياناً الطعام، هو ما يحدد انتساب المقاتلين إلى كتائب إسلامية (طائفية)، ومنها الكتائب الأكثر تشدداً مثل جبهة النصرة، وأحرار الشام… بسبب الدعم المالي الذي تتلقاه تلك الكتائب من دول إقليمية، السعودية وقطر خصوصاً.

وبالتالي تخوض الثورة صراعاً رئيسياً، سياسياً اجتماعياً، ضد سلطة مافيات رجال الأعمال الجدد الناهبة والمفقرة للشعب، عبر لبرلة الاقتصاد وانفتاحه؛ هذه السلطة التي اتخذت من الشمولية طابعاً لها، ووسيلة لتغطية النهب، مستغلة حساسيات المجتمع، الدينية والقومية والعرقية والعشائرية…، لتجنيد مقاتليها ضد الشعب المنتفض. وبالمثل تخوض الثورة صراعاً ثانوياً، إيديولوجياً، ضد ثورة مضادة، إسلاموية طائفية، غذتها السلطة، خاصة مع إقحام كتائب شيعية من العراق وحزب الله، وكذلك غذاها الدعم المالي الخليجي. واتخذ هذا الصراع طابعاً متململاً من تلك الكتائب، وطابعاً عسكرياً ضد داعش في الشمال. وبالتالي الحالة الطائفية في سورية حالة طارئة، جاءت نتيجة للصراع الدموي الدائر، وللمعاناة التي لاقاها الشعب، وبالتالي هي حساسيات تتصاعد وتهبط تبعاً لحالة الحرب وحالة الانتهاكات والمجازر؛ ولكنها غير أصيلة، وستهبط مع وقف القتال إلى حدود دنيا، رغم أنه لا شيء يضمن حصول انتقامات مأجورة من ميليشيات مدعومة خارجية، من إيران أو من السعودية.

ويبقى إنهاء الحساسيات الدينية مرهوناً بتحسين الأوضاع العامة، وحل مشكلة الفقر جذرياً، بحيث تتراجع فرص التجنيد في قتال طائفي. هذا مرهون بالانتقال إلى التصنيع، ودعم الزراعة، وتقديم خدمات الرعاية الاجتماعية المجانية، وبالتالي خلق فرص عمل، وخلق بيئة مشجعة على الاستقرار، تشكل حاضنة اجتماعية كفيلة بضبط أي ميول متطرفة، ودون الحاجة إلى شرطة أو قوات حفظ سلام. الأمر هذا غير ممكن دون إنهاء السلطة الحالية والبدء بسلطة تمثل حاجات المواطنين في حياة أفضل وفي نظام ديمقراطي ضامن للحريات لكافة السوريين.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً