عبد الرزاق عبدالواحد صبر العراق وصبر الصائغ المندائي

_21218_irak450إبراهيم الجبين- العرب:

زار دمشق الصحفي العراقي الصديق منتظر الزيدي الذي اشتهر بعد رشقه جورج بوش ونوري المالكي بالحذاء في مؤتمر صحفي، قبل أن يكتشف الزيدي جماليات الطائفية الأسدية والمالكية فيما بعد فينهار معهما، وطلب أن أجمعه مع الشاعر العراقي الكبير عبدالرزاق عبدالواحد، فاتصلت بأبي خالد، وذهبنا منتظر وأنا لزيارته، فقابل منتظر بالبكاء والنشيج، وقال له :” انتظرتك طويلاً يا منتظر”.

وكان عبدالرزاق عبدالواحد يعيش في دمشق حزنا عميقا طويلا، في بيته في جديدة عرطوز، يزفر من بعيدٍ حين ينظر كل يومٍ إلى ما يحصل في العراق، بعد أن تم تهديده بالقتل، وإبعاده عن بيته على ضفاف دجلة، ولم يكن صحيحاً فرز الأدباء وصناع الحركة الثقافية العراقية والعربية عموماً وفقاً للاتجاه السياسي الذي انتهجوه، وإن كانت لحظات الحقيقة وعدم التحول إلى شاهد زور، غير قابلة للمساومة والمجاملة، ولكن الحكم على هؤلاء بشطبهم كلياً من تاريخ التأثير والفعل وصناعة الحاضر بأدوار قاموا بها في الماضي، ضرب من الظلم والعقل الثأري الانتقامي، الذي يرد الاستبداد باستبداد آخر مشابه.

دار المعلمين في بغداد

من دار المعلمين ومناخ كليات الآداب والعلوم في بغداد، خرج عبدالواحد، مستمعاً جيداً، وصائغاً بارعاً، خلقه المناخ كما خلق غيره، وحين أوقف عبدالكريم قاسم الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري وأطلق سراجه بدرهم، كتب عبدالرزاق عبدالواحد قصيدته التي طرد على إثرها من التعليم والثقافة، وبعد العام 1963 نقل إلى بغداد إلى وزارة الثقافة والإعلام، سكرتيراً لتحرير مجلة “أقلام” ثم رئيساً لتحريرها، لينتقل بعدها إلى المركز الفلكلوري بنصيحة من سعدي يوسف.

كتب في مذكراته :” كنت طالباً في الصف الأول من دار المعلمين العالية، يوم ألقى الجواهري قصيدته الهائلة (أتعلم أم أنت لا تعلم) في جامع الحيدرخانة، كان ذلك في العام 1947 ومنذ ذلك اليوم، ولمنطقة الحيدرخانة في نفسي جلال مبهم لم تخفف من هيمنته ألفة السنين الطويلة التي قضيتها بين مقاهيها بعد ذلك. الغريب أنّ هذه المنطقة انفردت من بين جميع أحياء بغداد ومحالّها بأن احتوت المقاهي الأربع أو الخمس، التي كان يرتادها الشعراء والأدباء في تلك الأيام وأهم هذه المقاهي مقهى حسن عجمي.

قال عبدالرزاق عبدالواحد إنه ترك الشعر من العام 1963 إلى العام 1968، بعد أن فقد إيمانه بكل شيء، ومع عودة الجواهري عاد إلى الشعر، في حفل استقبال الجواهري في صدر القناة، فكتب” شدوّ إليك نياط القلب والعصبا”:

“خَمسونَ عاماً صَواريهـِم يَجيشُ بها

خِضَمُّ شِعرِكَ ما لانـَتْ ، وَلا نـَضَبا

أولاءِ واللهِ، لو خـَيْـلُ الفـُراتِ كـَبـا

طـُوفانـُها عَذروا أنَّ الـفـُراتَ كـَبـا

إلاّكَ يا حـاديَ الطـُّوفـان لا عـُذرٌ

ولا شـَفـاعَة إنْ لم تـَفـرَع الـشـُّـهـُبا”.

فعاد من جديد إلى الشعر والتجريب، قال إنه رجع إلى القراءة بشكل محموم ليعوّض ما فاته من تطورات الشعر الحديث، حتى أصيب بنزف في المعدة، ليصدر مجموعته ” خيمة على مشارف الأربعين” ثم “الخيمة الثانية”، رحل إلى بلغاريا مع عبدالرحمن مجيد الربيعي ليعود ويجد نفسه مطروداً من الثقافة، رغم صداقته مع شفيق الكمالي الشاعر العراقي السوري الكبير وواضع النشيد الجمهوري العراقي.

ثم نقل ثانية إلى معهد الدراسات الفنية، ثم أعيد إلى الثقافة، وتم تعيينه مديراً عاماً للمكتبة الوطنية، ومديراً عاماً لثقافة الأطفال، وعميد معهد الوثائقيين العرب، ومستشاراً في الوزارة، ليحال إلى التقاعد في العام 1993.

كتب عبدالرزاق عبدالواحد عن بلده العمارة:

“أراهنُ أنَّ الذي أسمعُ الآنَ ليسَ الصَّدى

أراهنُ أنَّ الذي يتَسلَّلُ بين المفاصلِ

شيءٌ سِوى الصَّمت

هل قلتُ شيئاً عن الذاكرة؟

ربَّما كان لي قمرٌ

ربَّما أوَرقَتْ سِدرةٌ ذاتَ يومٍ

بزاويةٍ في العمارةِ أعرفُها

ولَجأتُ إليها صغيراً”.

مع أحداث العراق

تقلب عبدالرزاق عبدالواحد على الجمر الذي تقلب عليه العراق، وعاش تفاصيل العراق يوماً بيوم، مشتغلاً بجدية في توثيق كل شيء، جاعلاً من نفسه أحد الأركان التي يصعب تجاهلها، وإن رغب الكثيرون في طمسها وإلغائها، وفي يومياته تلك كل طبائع العراقيين، في المناطق التي درّس فيها، وتنقل من خلالها بين المكونات العراقية، يختلف عبدالرزاق عبدالواحد عن أدونيس وغيره من شعراء اقتربوا من السلطان في أكثر من بلد عربي، فهو لم يترحّل ببضاعته وبقي مرافقاً لتراب العراق حاضراً شاهداً على تطوراته، مما يجعل قيمته مركونة في رفّها الخاص غير قابلة للشد والجذب، كتب عبدالرزاق عبدالواحد:” أخذني السياب معه إلى مقهى الرشيد حيث التقيت، وللمرة الأولى، برشيد ياسين، ومحمود البريكان وبلند الحيدري، وأكرم الوتري.. إضافة إلى السياب، كنت أسكن في القسم الداخلي للطلاب، في نفس الردهة التي يسكنها بدر.. وإلى جواره، كان بدر شديد النحافة. يداه وساقاه مثل أعواد القصب. أذكر أننا في عام 1947 كنا في تظاهرة طلابية عارمة احتلت ساحة القشلة، فصعد بدر على سقف سيارة وبدأ ينشد قصيدته الرائعة (بسمةَ النور في ثغور الجراحِ) كان بدر يرتعش من قمّة رأسه إلى أخمص قدميه.. وكنت أمسك بساقيه خشية أن ينزلق من سقف السيارة. إلى الآن ما أزال أتذكر أن أصابع يدي الواحدة كانت أطرافها تلتقي حول كاحله مع الجورب والبنطلون”.

في الاعتقال مع النواب

كتب عبدالرزاق عبدالواحد: ” كنا معتقلين في السعدية تحت عنوان دورة الضباط الاحتياط، كان ذلك في العام 1955- 1956. هناك بدأ مظفر محاولته الأولى في الشعر الشعبي، أنا أعرف مظفر منذ كنا طلبة في الجامعة وحين التقينا فجأة في معسكر السعدية، كان شيء خفيّ يشدنا إلى بعضنا.. ربما كان هذا إحساس جميع المعتقلين تجاه مظفر، فقد كان من دفء الشخصية، وحميميتها، بحيث لا يملك من يختلط به إلا أن يحبه.. هذا الذي تملأ الشتائم المقذعة قصائده السياسية.. كان أرقّ من نسمة صبح بَليلة في صيف حار، ما سمعته يشتم.. ولا سمعته يرفع صوته إلا وهو يغني، يوماً ما رأيت بأُم عيني ديوان (الريل وحمد) لمظفر النواب، وهو يباع في شارع الرشيد بالطريقة التالية: كان الباعة أحداثاً.. ينقلون الكتاب بزنابيل كبيرة من مخزن في شارع الرشيد، كلما وصلت (جلّة) منها، تجمهر عليها الناس، فلا يدري البائع وهم يتـناهبونها.. من دفع ثمن الكتاب، ومن لم يدفع! وبعد دقائق تفرغ الجلة فيذهب صاحباها لملئها من جديد”.

هل في العراق شعراء

يروي عبدالرزاق عبدالواحد عن سفره إلى موسكو رئيساً للوفد العراقي: ” نحن في عام 1959 وكنتُ رئيس أول وفد عراقي يزور الاتحاد السوفياتي آنذاك بعد ثورة تموز 1958. بعد وصولنا إلى موسكو بثلاث ساعات، زارني في الفندق وفد من ثلاثة أشخاص: رئيس القسم العربي في إذاعة موسكو، والمترجمة المعروفة ” أللاّ كرادسكايا”، التي ترجمت الكثير من شعرالبياتي إلى الروسية.. وممثل عن اتحاد الكتاب السوفييت. قالوا: “أُعلن رسمياً أن ا سم رئيس الوفد عبدالرزاق عبدالواحد.. فهل هو نفس الشاعر الذي نذيع له أحياناً قصائد من إذاعة موسكو؟”، قلت مبتسماً: نعم، استقبلوني بحفاوة بالغة.. وفي أول جلسة لنا مع بعضنا قالت المترجمة كرادسكايا: ” كيف حال الشعر عندكم؟ قلت: أحسن ما عندنا الشعر!، ” قالت مندهشة: “عجيب! لدينا شاعر تقدمي منكم، اسمه عبدالوهاب البياتي ..”، قلت: أعرفه، فهو صديقي. قالت: “ولكنه يقول ” ليس في العراق شعراء. هناك شاعر قديم ينسج على منوال شعراء القرون الوسطى، اسمه الجواهري.. وهو شاعر لا يفهمه أحد!!، ولا يحبه أحد!! . وثمّة شاعر آخر شاب اسمه السياب.. هذا بعيد عن هموم الناس ومعاناتهم!.. إنه غريق في ذاتياته. أنا وحدي أتحمل عبء الدفاع عن الإنسان العراقي.. يحفظ شعري الرعاة، وصيادو الأسماك”!.

كان هذا المناخ سائداً في أواسط القرن العشرين، حين أراد الإلغاء أن يهيمن على عقلية النخبة العراقية، الإلغاء ذاته الذي يعود اليوم، بأشكال وصور مختلفة، لتحل الطائفية والمذهبية محلّ التقدير والهوية الوطنية، ليغيب العراق وتظهر العمائم والثارات من فكر الولي الفقيه إلى فكر القاعدة معاً.

المندائي

يمكن للملايين الاستماع إلى نصوص الكتاب المقدس للصابئة المندائيين بترجمة وصوت عبدالرزاق عبدالواحد وفيها يبدأ كتاب التوحيد بالقول:

“باسم الحي العظيم

مسبّحٌ ربي بقلب نقي

هو الحي العظيم

البصير القدير العليم

العزيز الحكيم

هو الأزلي القديم

الغريب عن أكوان النور

الغني عن أكوان النور

هو القول والسمع والبصر”.

وصف لي عبدالرزاق عبدالواحد اللحظات التي رافقت ترجمته وإعادة صياغته لكتاب الصابئة المندائيين “كنزا ربا” على ضفاف النهر، حين كان نداء ” مندا” يأتيه عبر أمواج النهر، وكان له دور كبير في تأسيس جمعية أهلية بضم الصابئة في نشاط مشترك واحد، حين قصده المندائيون ليساعدهم في ذلك بحكم قربه من السلطة، فقال حينها لصديقه طارق عزيز:” إن كان المندائيون يشكلون مشكلة لكم، فهم مبعثرون في كل مكان، وأنا أستطيع أن أجمعهم لكم في مكان واحد إن وافقتم على تأسيس جمعيتهم”، وهكذا حصل على موافقة لضم الصابئة في تشكيل جماعي للحفاظ على تراثهم الروحي والفكري، وأصبح أميناً لسر الهيئة الإدارية لذلك النادي” التعارف” في المنصور ثم في القصر الأبيض، قبل أن يهدي الرئيس صدام حسين أحد مسابح بغداد المهجورة ليكون مقراً دائماً للصابئة.

“صياغتي لشعري جزء من صنعتي كصائغ مندائي” لم يرد عندي وصف لمهنة الصياغة، المناخ العام للمندائية ورد في قصائد متعددة” من أين هدوؤك هذه السعة؟” يمكن أن تجد التصورات المندائية والحديث عن النجوم والكواكب، ” لأن الفلك صار جزءاً من حياتهم وتراثهم” في قصيدة “عام الفيل” وفي ” ألواح الدم”، اطلع على الكثير من طريقة تركيب الشعر المندائي، واقترح إعادة صياغة الثقافة المندائية من جديد، على الطريقة البابلية، ” وهذا يثبت أنهم عاشوا في الزمن نفسه” في ” خلق آدم” قال عبدالرزاق عبدالواحد: ” للمرة الرابعة حين أعدت صياغة الكنزربا، غسلت الأوراق بدموعي، خاصة حين وصلت للحظة رمي الروح إلى آدم، هذا كان حديثاً فوق طاقة البشر، وحين وصلت له تشاهدت، كنت أتمنى لو المندائية تتظافر جهودهم على ترجمة الكتاب المقدس هكذا، ويقولون للعالم هذا هو توحيدنا”.

تاريخ العراق شعرا

كتب عبدالرزاق عبدالواحد تاريخ بلاد الرافدين، كتب عن سمير أميس التي أنشأت معبراً تحت النهر، كتب عن حمورابي، وعن جلجامش، فوثّق العراق كما لم يفعل أحد، كتب عن معركة الطف للحسين، برؤيته الخاصة، كتب عن القادسية القديمة وتلك التي خاضها العراقيون فيما بعد، فيقول: ” ثقافة الرتاث هي التي شكلت شخصيتي الشعرية”.

قال جبرا ابراهيم جبرا: ” رأي عبدالرزاق عبدالواحد عن الشعر يطابق رأي وليم بلايك في تعليقه على “ت- س- إليوت”، حين قال إن الشاعر الكبير نظّام كبير قال إن الشاعر أوسطه كبير”، فكتب عمله الشعري “الصوت” خلال عشرين سنة، في أكثر من عشرة آلاف ورقة من المسودات، وفي بحثه الشعري التاريخي خلق حواراً ما بين شمر والحسين حين اقترب منه ليقطع رأسه في “الحر الرياحي” وقرأ القصيدة في النجف، فقيل له: “نحن نشرب كأس الماء ونقول لعن الله من حرمك منه يا أبا عبدالله، وأنت تأتي إلى النجف لتجعل أهل العمائم تبكي على شمر؟” يقول :” قمت بتحويل الشمر إلى بطل أسطوري المقادير كلفته بقتل الحسين”، يقول:” كتبت أغاني الحرب لأن الناس تقاتل وتريد أن تغني مع المعركة، كل معركة مشتعلة كانت تجبرني على كتابة قصيدة”.

شاعر العراق بعد احتلال العراق

خرج عبدالرزاق عبدالواحد بعد سقوط بغداد بيد الأميركيين، ورفض الابتعاد مسافات، كي لا يقال” مات ودفن في المنفى”. ذهب الطغيان عن كثيرين، وذهب معه زمن ولع عبدالرزاق بالعراق وقوته:

“سنوات وهو يدور مشدوداً في هذا الناعور

دميت منه الرقبة وتآكلت الخشيبة من كثرة ما دار

ذات نهار

سقط النير

وقف الثور مروعاً لا يعرف كيف يسير”.

سافر إلى فرنسا والولايات المتحدة، ثم عاد إلى دمشق، ثم انتقل إلى عمّان هرباً من انهيار جديد لبلد عربي أحبّه، صار عبدالرزاق عبدالواحد صوتاً عراقياً حزيناً يبكي الناس في الأمسيات، وهو يردّد قصيدته الشهيرة ” يا صبر أيوب” عن مخرز نسي تحت الحمولة على ظهر الجمل:

“صبرَ العراق صبورٌ أنت يا جملُ

صبر العراق وفي جنبيه مخرزه

يغوص حتى شغاف القلب ينسمل

ما هدّموا ما استباحوا من محارمه

ما خربوا ما أهانوا فيه ما قتلوا

وصوت حاديه يحدوه على مضض

يا صبر أيوب لا ثوبٌ فنخلعه

إن ضاق عنا ولا دارٌ فننتقلُ

لكنه وطنٌ أدنى مكارمه

يا صبر أيوب أنا فيه نكتملُ

وأنه غرّة الأوطان أجمعها

فأين عن غرة الأوطان نرتحلُ

بغداد أهلوك رغم الجرح صبرهمُ

صبر الكريم وإن جاعوا وإن ثكلوا

قد يأكلون لفرط الجوع أنفسهم لكنهم من قدور الغير ما أكلوا”.

شاهد أيضاً

لودريان: حوالي 500 “جهادي” فرنسي ما زالوا في سوريا والعراق

  أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان الجمعة أن عدد “الجهاديين” الفرنسيين الذين ما زالوا …

اترك تعليقاً