السباق على سورية … التاريخ والنتائج

الحياةجميل مطر ـ الحياة:

تعود سورية لتحتل مكانها التقليدي، والبارز دائماً، في قائمة العناصر الأساسية التي يتشكل منها هيكل النظام الإقليمي العربي. كنا، في بداية محاولاتنا فهم بنية النظام العربي وتحليل أنماط تفاعلاته وإمكاناته، نتوقف كثيراً أمام العنصر السوري. تولد اقتناع لدينا عن دور سورية أن تكون ساحة ليلعب فيها اللاعبون الآخرون، عرباً وأجانب، أو أن تكون مصدر قوة لدولة إقليمية أو عالمية ضد خصومها أو لمصلحة حلفائها. ثم رأينا سورية في مراحل متقدمة لاعباً أساسياً. لا أبالغ إن قلت إنه في كل مرة كانت سورية لاعباً أصيلاً وأساسياً في النظام الإقليمي كقائد تحالفات ومحرك سياسات، دخلت المنطقة بأسرها مرحلة اضطراب هائل، ودفعت أكثر من دولة من دول الجوار ثمناً باهظاً.

انشغلنا طويلاً بسورية قلب الأمة. ولم يكن الذي أطلقوا على سورية هذه الصفة مبالغين. كانت في عدد من مراحل تطور النظام العربي قلبه المريض ذا النبضات السريعة والانفعالات الحادة. وكانت القلب الجسور إلى حد التهور واللامسؤولية أحياناً. وكانت في مراحل أخرى القلب الدافئ والمتدفق رموزاً وتاريخاً وأحلاماً. كانت وما زالت، تمثل لبعض المصريين لغزاً توارثته الأجيال، منذ أن اختارها المصريون القدماء عمقاً لحماية بلادهم عن بعد بعيد، وانتقاها حكامهم في مطلع العصر، أيام محمد على وإبراهيم، مدخلاً لإصلاح الإمبراطورية العثمانية وإعادة توطيد دعائمها، ومنذ أن استجاب عبدالناصر لنداء من دمشق يدعوه إلى تولي قيادة الإقليم محمولاً على كتفي سورية وعواطفها.

عقد قبل أيام قليلة المؤتمر الرابع لمركز البحوث والدراسات الاستراتيجية في الجيش اللبناني. وكالعادة أحسن المنظمون إلى حد كبير اختيار المشاركين، أجانب وعرباً. وكالعادة أيضاً دارت مناقشات حرة وصريحة. حضرت المؤتمر تشجعني تجربة سابقة خرجت منها مستفيداً معلومات ورؤى جديدة. أحسنت صنعاً بالمشاركة فقد عدت حاملاً معي خلاصة فكر وتقديرات عدد لا بأس به من المختصين وعدت بمعلومات نقلها إلينا بعض من الذين عاشوا خلال العام المنصرم في دول كانت أحوالها وسياساتها محل نقاش وحوار. رحت متطلعاً إلى رؤى مختلفة بالنسبة إلى مستقبل مصر وسورية وجماعة الخليج. وعدت راضياً بما حملت.

استمعت إلى شروح مطولة عن تطورات الوضع في سورية. شرح عن الحرب الدائرة، وشرح عن عودة الروح إلى النظام القائم، وشرح عن دور «حزب الله»، وآخر عن الأدوار العربية وجماعات الإرهاب والقوى المتطرفة. استمعت إلى اجتهادات عدة في فهم المواقف الدولية، بخاصة مواقف روسيا وتركيا، وحول جنيف في مرحلتيها الأولى والثانية. كنت، في كل ما سمعت، أخلط رغماً عن إرادتي، بين ما أسمع وما ترسب عبر سنوات من قراءة سورية ومعايشة أهلها وحكامها وعبر جهود لفهم الدور السوري في تطور النظام العربي.

كتبت مراراً عن «السباق على سورية» كعنصر من أهم العناصر التي ساهمت في نشأة النظام العربي وتطور مراحله. لم أعتبره العنصر الوحيد، ولكن اعتبرته العنصر الجوهري منذ أن تسابقت الأسرتان الهاشمية والسعودية على النفوذ في سورية. يذكرني دائماً الصديق والخبير في شؤون الجامعة العربية والتكامل العربي رغيد الصلح بتجاهل معظم الأكاديميين والسياسيين العرب دورَ نوري السعيد في إنشاء الجامعة العربية. أرادها رئيس الوزراء العراقي خطوة نحو استعادة الهيمنة الهاشمية على سورية الكبرى وإقامة الهلال الخصيب. جاء هذا التجاهل لمصلحة سمعة السياسيين المصريين الذين حملوا لواء الدعوة لإنشاء الجامعة العربية، سواء عن اقتناع قومي، أو عن رغبة في دعم القيادة السعودية على حساب الهاشميين في الأردن والعراق. هل كانت الجامعة العربية لتقوم بالشكل الذي قامت عليه وبهذه السرعة وفي مرحلة دقيقة من مراحل نهاية الحرب العالمية ونذر حرب إقليمية بسبب فلسطين، لو لم يكن السباق على سورية ناشباً بالفعل. على كل حال انتهت هذه المرحلة من السباق، أو كادت تنتهي، بنكبة فلسطين وتولي العسكريين الحكم في سورية ومصر، ثم في العراق.

تجدد السباق على سورية في أواخر الخمسينات ومعظم سنوات عقد الستينات، هذه المرة بين السعودية ومصر. كانت هذه الدورة من السباق، في شكل من الأشكال، أخطر من السباق السعودي الهاشمي بسبب ما حواه من مضمون وضغوط أيديولوجية ثم بعد أن اكتسى بالصبغة الدينية. جاءت نهاية هذه المرحلة من السباق على أيدي حرب أهلية في اليمن، عندما نقل المتسابقان على سورية معظم أرصدتهما المالية والأيديولوجية والعسكرية إلى الساحة اليمنية، وكانت الضربة القاصمة لهذه المرحلة من السباق حين وقعت الهزيمة العسكرية لمصر وسورية معاً في عام 1967.

السباق على سورية، في مرحلته الأخيرة، لم يكن سباقاً بالمعنى التقليدي للكلمة، كسباق مرحلة الأربعينات أو سباق الستينيات. السباق الأخير كان سباقاً خططت له سورية واختارت أبطاله ووضعت شروطه. اختارت لاعباً من دول الجوار يضمن لها بمكانته الإقليمية وبحلفائه في لبنان وخارجه، دعماً في مواجهة «الخصوم» من الأشقاء العرب. تصور الحكام السوريون أنه في غياب مصر والعراق سيعود المتسابق السعودي، أهم المتسابقين القدامى، ليجرب التدخل المباشر في شؤون سورية على أمل الحصول عليها من دون سباق. دخل متخاصماً مع سورية إلى أن اكتشف أن السوريين قد اعتصموا بمتسابق من خارج منظمة السباق التقليدي. اعتصموا بإيران وعيونهم على تركيا الجديدة.

السباق في مرحلته الأخيرة، بدا في الشكل الخارجي، سباقاً بين السعودية وإيران على سورية ولبنان. الحقيقة قد تكون شيئاً آخر. هناك من يرى، وأشجعه على التدقيق في ما يرى، أن السباق هذه المرة سباق بين السعودية وسورية على الهلال الخصيب كاملاً. بدأ السباق ثنائياً. ولم يمض وقت طويل حتى صار متعدد الأطراف بفضل جهود سورية نحو استدعاء حلفاء لها من خارج الإقليم مثل إيران ثم تركيا. حدث هذا قبل أن تنفجر الخطة في وجه جميع الأطراف، وبينها سورية نفسها. نهاية السباق، إن صدق تصور وصوله إلى قرب نهايته، نهاية كارثية. كارثية بمقدار ما كانت نهاية سباق الأربعينات كارثية، وكذلك نهاية سباق الستينات. ومع ذلك يصعب إنكار أنه من تحت رماد الدمار وخراب الكارثة ظهرت مؤشرات التغيير.

لقد أفرزت السباقات على سورية تحولات في هياكل النظام العربي وسياسات الدول الأعضاء فيه وسياسات دول في الجوار، بل وكما نرى ونتابع، أفرز هذا السباق الأخير تحولات تستحق الانتباه، أذكر منها على سبيل المثل:

أولاً: خفت حدة أحاديث نهاية الدولة القطرية في العالم العربي، وانحسر الجدل حول خطط في الغرب لرسم خرائط جديدة للشرق الأوسط… فعلى رغم هول ما وقع وحجم الدمار النفسي والأخلاقي، وعلى رغم الإرهاب والعنف، لم تنفرط سورية ولا العراق ولا ليبيا ولا اليمن، بل تأكدت في كل منها الرغبة في استمرار الدولة «القومية» الحديثة التي قام عليها النظام الإقليمي العربي. ومع ذلك فقد تأكدت في الوقت نفسه، وبما لا يقبل الشك، أن كل الحدود السياسية العربية مثقوبة، وفي بلاد ومواقع عدة، مهترئة.

ثانياً: تغيرت نظرة لبنان إلى نفسه وإلى سورية، الشقيقة الكبرى التي كثيراً ما تدخلت في شأنه الداخلي أو هيمنت عليه. تغيرت المعادلة فصار لبنان في شكل ما طرفاً حامياً لوحدة سورية، ومحافظاً على نظامها ومتدخلاً وبالعمق والقوة في الشأن السوري.

ثالثا: أثمـــر السباق السعودي – السوري، وتداعياته التـــركية والإيرانية والعراقية، مساحة لتمارس فيها دولة قطر دوراً في النظام العربي أهم من الأدوار الثانوية التي حاولت من قبل ممارستها بدرجات متفـــاوتة من النجاح. انتهزت دولة قطر، قلة خبرة وسوء أداء مختلف الأطراف في التعامل مع أزمات الربيع العربي، فتدخلت في أكثر من موقع، بخاصة في سورية لتكسب نفوذاً في فراغ عربي يهدد بالتوسع.

رابعاً، على رغم كثافة الغيوم المحيطة بمصر وبهياكلها السياسية، استطاعت مؤسساتها المنهكة التفلت من ضغوط المتسابقين على سورية لتؤكد استمرار تعلقها في سياستها الخارجية بمبدأ اعتنقته في الأربعينات، وهو رفض المساس بوحدة الكيان السوري واستقلاله. التجارب السابقة، مثل الحلف المركزي وحلف بغداد وخطة النجم الأحمر التركية، كلها جعلت الديبلوماسية المصرية تدرك الخطورة التي يمكن أن تتسبب فيها حالة من فراغ السلطة في دمشق على أمن المنطقة وسلامة مصر.

خامساً: اعتدلت السياسة الخارجية الإيرانية وكشفت عن عمق الاستعداد للتفاهم مع الغرب. في الوقت نفسه بدأ تراجع نفوذ السياسة الخارجية التركية في المنطقة وخارجها. في الحالتين لا يمكن إنكار الدور الذي لعبته التطورات في سورية في تحقيق كل من الاعتدال الإيراني والتراجع التركي.

لم تنته بعد روايات السباق على سورية، على رغم الدمار الحادث فيها، فالإقليم يتجدد وسياسات أعضائه تتطور، والعالم من حول سورية لن يتوقف عن التدخل فيها وفينا. ومن جهتنا، شعوباً عربية ونخباً حاكمة، إصرارنا عنيد… نحن أيضاً لن نتوقف يوماً عن ممارسة عادة استدعاء هذا التدخل الخارجي في شؤوننا.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً