حسين العودات- التسوية التاريخية والمصالحة الوطنية

حسين العودات- البيان:
تردد اصطلاح التسوية التاريخية في سوريا بعد مضي عام ونيف على ثورتها، حيث لم تنتصر المعارضة عسكرياً على السلطة، ولم تستطع السلطة قمع الثورة والقضاء عليها، رغم ممارسة هذه الأخيرة العنف، وخرق القانون وإعطاء الحق للقوات العسكرية التابعة لها ولميليشياتها بالقتل والتدمير، واستخدام مختلف الأسلحة بما في ذلك قصف الطيران للقرى والمنشآت المدنية، من دون احترام القانون الدولي ولا الأخلاقي ولا حتى للقوانين السورية، وارتفعت أصوات تطالب بحل الأزمة السورية سياسياً بعد اقتناعها بتعذر الحل العسكري.
أمام هذا الواقع، وبعد تعقيدات الأزمة السورية، وطول مدتها، والدمار الذي حل بسوريا في مختلف مجالات الحياة، وغزو الجوع والتشرد والمرض، وغيرها للشعب السوري، وبعد أن وقعت السلطة في أزمة خانقة، ليس في المجال الاقتصادي ومختلف مجالات الدولة ومسؤولياتها. بدأ اصطلاح التسوية التاريخية يرفع رأسه ويصدر عن بعض السياسيين الأقل تطرفاً هنا وهناك، أعني في الموالاة والمعارضة، وفي الوقت نفسه، أخذت بعض الأطراف السورية (معظمها غير مسيّس)، تطرح اصطلاح المصالحة الوطنية بين التيارات المختلفة وبين أهل السلطة. ويبدو أن معظم أنصار التسوية التاريخية أو المصالحة الوطنية لايحيطون بالمعاني الحقيقية لهذين المصطلحين، ويرون في كل منهما وسيلة للقاء بين شرائح الشعب السوري، وتياراته السياسية والاجتماعية وبين السلطة أو بعض السلطة، وإلقاء الأحقاد جانباً، وتسوية الخلافات والتسامح بين الأطراف، وعفا الله عما مضى، ثم العودة إلى إعمار ما دمرته الحرب.
يختلف مفهوم التسوية التاريخية في التعريف وفي الواقع اختلافاً نوعياً عن مفهوم المصالحة الوطنية، ومع أن الدوافع لكل منهما هي دوافع واحدة إلا أنها لا تقود إلى النتائج نفسها، ذلك أن للتسوية التاريخية شروطاً ومعايير ومفاهيم علمية وسياسية، من شأنها مواجهة أي أزمة أو مرحلة تاريخية على أسس ثابتة، وإقامة بنيان راسخ من شأنه أن يعالج أسباب الأزمة، ويستوعب إشكالياتها، ويجنب شركاء التسوية مستقبلاً أي خلل، يتيح لها أو لأزمة أخرى أن تطل برأسها من جديد.
ففي الحال السوري مثلاً، تقتضي التسوية التاريخية مشاركة الأطراف ذوي العلاقة بها جميعهم، والاتفاق فيما بينهم على مفهوم الدولة التي يريدون (برلمانية، رئاسية، تعددية، تداولية..الخ)، ومعاييرها التي سوف تطبق (المواطنة، الحرية، الديمقراطية، العدالة، تكافؤ الفرص، احترام حقوق الإنسان)،وهيكلية هذه الدولة (فصل السلطات، المجتمع المدني، الأحزاب.. الخ)، ووظائفها (التعليم، الصحة، الضمان الاجتماعي، القطاع العام،القطاع الخاص..)، وعلاقة الحكومة بالدولة ( مجالات سلطة الجيش والأمن، حقوق المعارضة).
وقبل هذا وذاك الاتفاق على مفهوم الهوية الوطنية، ومرجعيات الدولة وأولوياتها، وغير ذلك، أي أن التسوية التاريخية المأمولة للأزمة السورية، تشكل اتفاقاً على ميثاق جديد، وعقد اجتماعي جديد ودستور جديد، وإن لم يتحقق ذلك، فلن تكون تسوية تاريخية، بل تسوية عابرة مهمتها وقف الاقتتال، وهكذا فإن الخشية قائمة من أن شعارات التسوية التاريخية التي طرحها بعض المسؤولين في النظام السوري، لم تكن تعني التسوية التاريخية، وإنما كانت رغبة في المصالحة العابرة بين أبناء المجتمع السوري وبين النظام السياسي القائم. وهذا يقودنا إلى مفهوم المصالحة الذي طرحه سوريون عديدون، معتقدين أنه السبيل الناجع لحل الأزمة.
إن الأمر الجوهري في المصالحة الوطنية، هو اتفاق طرفين أو أكثر من أبناء المجتمع على تنحية الخلافات القائمة، وقبول الأمر الواقع، وإبعاد الأحقاد والعمل بالتسامح، من دون الاتفاق على أسس جديدة ثابتة واضحة، تعالج أسباب الخلافات ومواقع الخلل في العلاقة القائمة، والاكتفاء بوقف التحارب وإيقاف العنف، وعودة كل شيء إلى ما كان عليه، وهو ما يسميه أصحاب هذا الرأي (عودة الأمور إلى نصابها)، من دون تغيير أو تبديل، وتجاهل عوامل الهشاشة وعدم التوازن والخلل التي كانت قائمة وكانت سبباً للأزمة.
إن الفرق بين رؤية السلطة السورية لمؤتمر جنيف، ورؤية المعارضة هو في الواقع كالفرق بين المصالحة الوطنية وبين التسوية التاريخية، فالنظام يريد من مؤتمر جنيف أن يكون وسيلة مصالحة وطنية مع المعارضة، تدخل المعارضة من خلالها في كنف السلطة (بشراكة واهية)، وإجراء بعض الإصلاحات الشكلية، والعودة إلى النظام الذي كان، وعدم محاكمة المرتكبين و(بوس اللحي).
بينما تريد المعارضة من مؤتمر جنيف، أن يصل إلى تسوية تاريخية حقيقية، يتم من خلالها الاتفاق على مفهوم الدولة السورية المقبلة، ومعاييرها وهيكلتها وتحديثها وعلى الميثاق الوطني والعقد الاجتماعي (الذي يقود إلى دستور جديد). وبهذا وحده تتحقق التسوية التاريخية المؤهلة، للوصول إلى الاستقرار والازدهار في سوريا، وترى المعارضة أن أي اتفاق غير هذا.
إنما يكون أمراً شكلياً، ومحاولات مبتسرة (للفلفة الأزمة)، التي لا تلبث أن تنفجر من جديد، بعد مدة قصيرة. فالصلح إجراء مؤقت، بينما التسوية التاريخية إجراء أكثر ثباتاً وديمومة، وينبغي ألا تغرنا تسمية المصالحة الوطنية، فهي اصطلاح لا علاقة له واقعياً، برسم طريق الإنقاذ الوطني، والوفاق الوطني المستقر، وطويل العمر.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً