استنزاف الموارد السورية

 عبدالرزاق كنجو- بناة المستقبل ع7/ 4- 2014

Untitledبعد حرب الأيام الستّـة التي جرت بين بعض الدول العربية  وإسرائيل ,  والتي توقّفت بدون عناء يذكر ,بقيت أسباب العداء الذي قد يقود المتحاربين إلى تجديد الصدام في أيّة لحظة,  وكانت قد توقفت المعارك العسكرية  تلك نتيجة للتداخلات الدولية من جهة ,ولأن كلّ طرف عرف وإقتنع بأنّ عدم الإستمرار بالحرب هو الأجدى له من جهة أخرى .

لكن دوافع التوقف لم تكن لتحسم العداء طالما أنّـه لم يوصلهم إلى هدنـة حقيقيـّة تضمنها القوى العالمية الفاعلة ،ونتيجة للموقف الذي أحرج القيادة العسكرية والسياسية المصريّة أمـام شعبها من جهة, واهتزاز صورتها أمام الشعوب العربية من جهة اخرى,  فقد عَـظُـمَ عليها أن تستكين لهذا الخنوع , بل عمدت إلى سلوك طريق حرب خجول تم  تعريفه فيما بعد بحرب / الاستنزاف /.

 فالحروب الإستنزافيّة  تهدف أكثر ما تهدف , إلى القضاء على قدرات العدوّ وإمكاناته بالتدريج  حتى يتم إضعافها  , ويتطلّب من الدوله التي ستخوضها , أن تكون قويّـة ومتسلّحة بشكل متكامل ,  ومعتمدة على مقدرة البلاد على الصّمود السّياسي والإقتصادي والعسكري ,والثـّبات لأطول فترة من الزمن, وأن تستطيع التحكّم بالوضـع وتحويله مع العدوّ إلى حالـةٍ متأرجحةٍ بين السّلم المؤقت وبين الحرب الشّاملة , وأن تجبـد إدارة المراحل المختلفة في التصعيد العسكري تارة , وبين التهدئـة تـارة أخـرى .

ولا يخفى على أحـد , بأنّ مكاسب الإستنزاف تتناسب مع تكاليف وردود فعل الخصم ,وتهدف قبل كلّ شيء إلى  تشتيت إنتباهـه  لأكثر من إتجـاه , ولإربـاكـه بشكل دائم, ومن أجل السعي المستمرّ لتدميـر تحصيناته وتكبيده أكبر قدر من الخسائر في الأفراد والمعدات وإلحاق الأضرار بالبنية التحتية, خلال فترات زمنيّة متقطّعة.

وما كان  للمواطن السوري أن يتصوّر ــ في أي وقت مضى ــ أنـّه سيكون في حرب / إستنزاف داخلي / لا يعرف كيف فرض عليه ,خاصّـة بعد أن خرج في البداية بمظاهرات سلميّة يـهتـف فيها بصوتـه للحرية والكرامة والمساواة وتطبيق القانون قبل أكثر من ثلات سنوات .

وبعد المواجهات والمشاحنات التي جوبهت بالعنف الأمني ثم بالسّلاح , وجـد المواطن نفسه يـغـرق في الدماء ,  ولايعرف في معظم الأحيان من يقاتله, ومن يدفعه لحمل السلاح في وجه أخيه, وبدون أسباب مقنعة أوصلته ــ فيما بعد ــ الى حـدّ القتل والتشريد وهدم البيوت بالقصف والطيران أو النزوح .

لقد تـحوّل المجتمع السّوري الذي كنـّا نتغنّى بتآلفه وتماسك أهله إلى شيَـعٍ متناحرةٍ , وطوائف تـفـوح  منها رائحة الكراهية والإزدراء , معتمدة على الأنانيـّة  وسياسة إقصاء الآخرين , مالبثت أن وجدت من يردفـها ويغـذّي حقدها وينبش في تاريخ صراعاتها التي تجاوزها شعبنا منذ مئآت السنين .

منذ الأيام الأولى , تسابقت ” جـهات خارجيـّة  ” لإذكـاء الحالة الكرديـّة ودفعها للمطالبة بحكم ذاتي أو مايشبه الإقليم المنفصل عن الدولة السورية الأم  , وكذلك فإنّ الأقليات الأخرى وبعض الإثنيات التي تعايشت مع أطياف الشعب طيلة حياتها ,والتي لم تكن في يوم من الايام على  خلاف فيما بينها وجدت من يثيرها ويحرّكها ويدفعها للتـّململ .

وهنا وجدنا كثيرا من الجهات الخارجيّة ــ المتربـّصة والداعمة ــ تتقدّم لتغذية النعرات الطائفية والعرقية والدينية ، ولا ننكر أنها نجحت ــ إلى حدّ بعيد ــ في التأثير وشرخ وهلهلة أطراف عديدة من مكونات المجتمع السوري .

لن يغيب عن بال أحد , أن الجهات الخارجية الماكرة كانت تتربـّص وتراقـب الوضع الجديد , وانتظرت حتى وافتها الفرصة المؤاتية , فإستغلت الحراك الشّعبي السّلمي وأوقعـتـه في مصايدها ودفعت به الى زواريب وإتجاهات مختلفة لتصفية حساباتها  القديمة القذرة ، لقد أرادت  وأد الثورة الشعبية  بحجّـة دعمها وتمويلها ,بينما كانت تعمل ــ بالخفاء ــ  على تغذية خلافاتها المتشعبة .

كما وأن دولاً بعينها ــ بالمقابل ــ إستحوذت على قرار الدّولة السّورية وراحت توجّه النـّظام وتغـذّيه وتدفعـه نحو مقاومة الحراك الشّعبي بالسلاح المتنوّع إضافـةً لمساندتـه بالمواقف الدّولية المتمثـّلة بالفيـتـو الروسيّ في وجـه أي قـرار أمميّ أو  أدانـة دوليـة متجاوزة المواقف الأخلاقـيّـة .

لقد وجدت بعـض الدّول العربيـّة والأجـنبـيـّة منفذاً بسيطاً  وخاصّـة بعد الإنشقاقات الكثيرة عن النظام من قبل كبار الموظفين والمسؤولين المدنيين أو العسكريين , فحاولت إحتواءهم  أو مصادرة وتوجيـه قرارهم الوطني المستـقـل , لقاء تقديم دعمٍ محدودٍ هم بأشـدّ الحاجة اليه  حيـث لا يوجـد لديهم أيّ مـورد ماديّ آخـر يساعدهم في وقفتهم ، وهذا ماجعل تلك الجّهات تتسابق لفرض  أجنداتـها وتوجهاتـها المختلفة والتي غالبـاً ماتتناقض مع أهداف الثـّورة .

كذلك بالمقابل وجدت روسيا وايران وحزب الله وقوى مستترة أخرى , أن فرصتها قد لاحت لتحقيق مقايضات ومساومات إقليميـّة وعالميـّة لحـلّ مشاكلها المؤجّلـة , فما كان لها الاّ  أن تستخدم السّـاحة السّورية كملعب ,دفـع فيـه المواطن السّوري دمـه  ودمـار وطـنـه .

عندما تصل أعداد الشّهداء إلى أكثر من 150 ألف ضحيّة  من كـافـّة شرائح المجتمع , وإلى أكثر من 200 ألـف بين معتقل أو مفقود , يتبادر عندها السؤال الكبير .. لمـاذا ؟ ومِـن أجـلِ مَـن ؟

لم تكن الكارثة الكبرى بتقديم الأرواح فقط ,لكننا أصبحنا نخشى أن تتحول إلى حرب ــ أهليـّة طويـلة ــ لامبرر لها ,ولم نكن لنتوقعها في أي يوم من الأيام .

لقد مرّت ثلاث سنوات والأطفال والطلبة خارج مدارسهم بعـد أن تهـدّم منها أكثـر من ثلاثـة آلاف مدرسة , ممـّا جعل أكثـر من مليوني طفل دون سنّ الخامسة عشرة في الشّوارع بـدون تـعليـمٍ  , أو  في المخيّمات وبلدان النزوح والتشرّد ,ناهيك عن تحوبل 900 مدرسة إلى أمـاكن لإيـواء المتضرّرين ممّن لم يعد لديهم بيت يجمعهم , بعد أن تـمّ هدمـه أو حرقـه .

هذه الحـالـة , لاتختلف كثيراً عن الطلبة الجّامعيين ,بعد أن إنقطعت الطـرق بين المدن وإنتشرت حواجـز النظام المسلّحة التي تلاحق المطلوبين والمتخلفين عن الإلتحاق بالخدمة العسكريـّة .. وكذلك للإبتعاد عن المرور على حواجز الألوية والفصائـل المعارضة أو ” الغريـبـة  ذات المرجعيات الغامضة ” ممّـا جعل الإنتظام بالدوام وتقديم الإمتحانات من المستحيلات  .

وهذا مايجعل التعليم مستنزفاً ومتوقفاً بينما عمر التـّلميذ والجـّامعيّ يكبـر ولا يتـوقف .. فهل تصوّرنا كيف يكبر الإنسان سـنّـاً .. ويتـوقـّف معرفـةً ؟؟

في المجال الإقتصادي والصّـناعي نـجـد أنّ الكـارثة أكبر من التـّعليميّة , خاصّة بعد أن توقّفت أو تهدّمت معظـم المصانع والمشاغل في القـطاع العـام والخاص معـاً , بينما تـمّ نـقـل  كميـّات  كبيـرة منها الى دول الجـوار , أو نُـهبت معـدّاتـها .

بذلك نكون قد تحولنا من منتـج لمعظم المتطلبات المعيشية والغذائية والدوائية, إلى مستـورد . وهذا الإستيراد غالبا ما يكون دون تحقيق المواصفات الأصولية  من حيث الصـّلاحيّة والسّلامة الغذائية لأنـّه يـدخل بدون المـرور على الرقـابة والتحاليل الأصوليـة المعتمدة في الدول المصدّرة , خاصّة بعد ان تعطـّلت الحدود البـرية والبـحريـّة أو الجـويـّة , وقد يمضي المواطن معظم ساعات يـومـه يبـحث عن حاجيـّاته الضّـرورية ويشتريها بأسعار عاليـة يفرضها تجّـار الحروب من ضعـاف النـّفوس , ويكون ضحيتها ــ في الأغلب ــ الفقـراء وذوي الـدخول المنخفضة, كما وزاد من أعبـاء الحـالـة المعيشية  إنخفاض  اللّـيرة السّـورية الى ربـع قيمتـها الشّـرائـية خلال الفتـرة الماضيـة . بينما الـدّخول والرواتب والأجـور على حالـها .

لقد بلغت خسائر الإقتصاد السّوري مايزيد عن خسائر (( الحرب العالمية الثّـانيـة ))، وإرتفعت الأسعار الى  250%كما زادت البطالة عن 50% وارتفع معدل الفقر الى 40% , وبدراسة إقتصادية أخيرة تبين (( أنّـه يلزمنا  ثـمانـي سنوات كتعـويض عن كلّ  سنـة واحـدة  تـمـرّ بـها الأزمـة السوريّة )) .

لاتزال الـذّاكرة تـعـجّ بالمنـاسبـات الثـّقافيّـة التي كانت تـمـيّـز الـقطر السّوري وتستقطب إليـه الوافدين العرب والأجانب لمشاهدة  المهرجانات السّـياحيـة والثـّقافيّـة في تـدمـر وبصرى الشام أو ليـالي قـلعة حـلب … , أو فـي السّاحل السوري وغيرها من الانشطة السّياحية والثـقـافيـّة , كما تكـن لم تتوقف النّـدوات والمهرجانـات الفـكريّـة ومعارض الكتب ودور النشر المتنـوّعـة . بـينـما يتـحوّل المواطن ــ الآن ــ  إلى حبيسٍ في بيـتـه وسـط ظلـمـةٍ حرمتـه نـوّر الإضـاءة والتـلفاز  أو وسائل التواصل الاجتماعي وغيره من الخـدمـات ,حتى أنـّه محروم من الهـاتف الأرضيّ والجـوّال في معـطم المنـاطـق .

في القطاع الصّـحيّ لم يكـن الأمـر بأفضل, بل على العكس , فلقد خسرنا أكثر من عشرة آلاف طبيب , كما وقد خرجت معظم المشافي والمستوصفات عن الخـدمة نتـيـجـة لتـخريبـها أو لنـزوح وهـرب معظم كوادرها أو إستشهادهم فيها , إضافة إلى ندرة الـمـواد الطبـيـّة والدوائـيّة والإسعـافيّـة .

القصف , لم يتوقف يوما على الأحياء السّكنية وعلى دور العبادة والمدارس وغيرها من المنشئـآت العـامـة أو الخـاصّة ,وكذلك الطيران الحربي ,لـم يـغـب أبـداً عن الأجـواء ليـل نهـار  ,ممّا سـاهم في تـخريـب البـنـيـة التّـحتـيّـة وتـعطـيـل الخدمات في معظم المناطق مـا أدّى إلى إنـتـشار الأوبئـة والأمـراض مقابل النـّقص الشّديد في تـقديـم الخدمات الصّـحية والبلدية .. فـكم من السّنوات ستـلزمنا لإعـادة البـنـاء بـعـد أن تـتـوقّـف هـذه الحـرب الطّـاحنـة ؟

لقد فقدنا من مهندسينا  ما يزيد عن 5200 مهندساً وهـم كمـا نعرف الـرّكيـزة الأولـى في إعـادة الإعـمار والبـنـاء .

إنّ السّلاح الذي نتحارب بـه ــ الآن فيـما بيـنـنـا ــ إنّـما هو السّلاح ذاتـه الذي أعـدّ للـدّفـاع بـه عن الوطن السّوري وقد تـمّ شـراؤه من جيـوب وتـعـب المواطـن السوري ومن الضرائب التي كان يدفعها على مـرّ السّنين وعلى حساب تـقشّفـه وجفـاف لقـمـتـه …  لكنّـنـا استـعملنـاه بـكلّ أسفٍ في الاتـجـاه الخـطأ .

لقد تـمّ تسليـم السّلاح الكيـماوي من قبـل النّـظام ــ  مجّـانـاً ــ لـقـاء تنـازلات وإتّـفاقيّـات بيـن ( القوى الخارجيّة )،لقد إستنزفنا  ــ وبأيدينا ــ جميع قـوانـا الإقتصادية والعسكريـّة والبشريـّة دون إرادة مسبـقـة منـّا أو قرار وطنـي .

ولابـد مـن الاعـتـراف الآن :

بـأنـّنـا وقـعنـا في مصيـدةٍ وضيـعـةٍ جرّتـنـا جميـعاً  ــ بِـعِلـمٍ  أو  بِـغَـبـاءٍ ــ الى الحـالة الكـارثـيّـة التي وصلـنـا إليـها ونـذوق الآن ويـلاتـها , وعلى الـرّغـم من صـحوتـنـا المـتأخـرة الاّ أنـنـا لانـزال نـكابـر .

قـد يـصعب عليـنـا الاعتـراف الآن بـأنّ الصّـراع  قـد / استنزف / جـميـع قـوانـا ومـواردنا البـشريّة والاقتصاديّة، وأنّ لـحمـتـنـا الـوطنـيـة قـد إنتـخـرت وتـآكلت , ودمـاء شبـابـنـا قد أريـقـت ونـزفـت .

بـيـنـما الـعقول الـوطنـيّـة الـواعيـة .. والمـعـوّل عليـها الأمـل وتـقديم الحـلول … لاتـزال مقـفـلـة .

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً