أسلمة الثورة… لا تيأسوا، ثمةَ لونٌ ثالث

ثائر الزعزوع- بناة المستقبل ع7 / 4-2014

ثائرربيع العام 2011 وتحديداً في بداية شهر أيار مايو بث تلفزيون الدنيا التابع للمنظومة الإعلامية للنظام مقاطع فيديو قال إنها من حي البياضة في حمص لمجموعة من المتظاهرين يحملون علمين اثنين الأول هو علم تنظيم القاعدة والثاني كان العلم الإسرائيلي، وعلى الرغم من رداءة الصورة في ذلك المقطع إلا أن الدنيا وأخواتها من إعلام النظام أعادوا مراراً وتكراراً عرض ذلك المقطع المفبرك، ولكن الذي يخدم سعيهم لشيطنة الثورة، فقد بحثوا منذ البداية عن تهمة يمكن إلصاقها بالثورة بعد أن أثارت مشاهد إطلاق النار التي تم بثها من درعا قرب المركز الإذاعي والتلفزيوني الضحك، فقد بدا واضحاً أنها مشاهد تم إخراجها بطريقة تلفزيونية رخيصة، ولا يمكن بناء حكايات عليها، لكن اللقطات إياها، وعلم القاعدة إياه، حققت المطلوب على ما يبدو وبات لزاماً التأسيس عليها، للانطلاق لمرحلة لاحقة من تحطيم صورة الثورة، ثم إن بروز علم القاعدة يضرب عصفورين بحجر واحد، فهو يرعب جمهور النظام ومعظم السوريين المعتدلين، وكذا فهو ينسجم مع لعبة الغرب في حربه على ما يسميه “الإرهاب” والذي تأتي القاعدة بطبيعة الحال في مقدمة دعاته والعاملين فيه.

ولعل الجميع يذكرون كيف قام وزير خارجية النظام بعد ذلك بفترة ليست طويلة، وخلال مؤتمر صحفي، بعرض مقاطع فيديو لملتحين مسلحين، قال وقتها إنهم نموذج لمن يدعون إلى الثورة في سوريا، ثم تبين أن أولئك الملتحين هم لبنانيون، عرضت لهم قناة المستقبل اللبنانية لقاءات يكذبون فيها المعلم ونظامه، لكن جمهور النظام على أي حال لا يتابع أي قنوات تلفزيونية غير القنوات التي تدور في فلك “المقاومة” التي يديرها بخبث شديد المرشد الإيراني، ويبرز حسن نصر الله كرأس حربة فيها.

لقد استطاع النظام ومن خلال الضخ الإعلامي المتواصل والاستعانة ببعض أبواقه أن يوصل تلك المعلومة قبل أن يبدأ التنفيذ فعلياً على الأرض، فالثورة ثورة ذات طابع إسلامي متشدد، وهي تسعى لسرقة الدولة العلمانية التي يقودها الأسد، وبناء دولة شبيهة بدولة طالبان، وقد أكثر محللوه من استخدام هذه المفردات، وبطريقة متواترة، لترسيخها ليس إلا، وقد ضحك الشارع الثائر أو المتعاطف مع الثورة في البداية من هذه السذاجة التي لن يصدقها أحد كما كان يقول نشطاء الثورة المندفعون إلى أقصى حدود الحلم، دون أن يكون ثمة استراتيجية واضحة للعمل عكس ماكان يفعل النظام تماماً، فهو قد حسم أمره كلياً، وقرر أن يخوض “الحرب الكونية” بمختلف الطرق، ولعل ما حدث في تونس وفي مصر من سرعة في سقوط رأسي السلطة أثر كثيراً على طريقة التفكير في إدارة الثورة، طبعاً لن نسقط بأي حال من الأحوال العنف الاستثنائي الذي ووجهت به الثورة في سوريا ومنذ يومها الأول، والذي جعل وضع استراتيجية لها أمراً صعباً في ظل تلك القبضة الأمنية الحديدية، وإطلاق النار المتواصل، والذي دفع الناس دفعاً للتسلح دفاعاً عن النفس التي باتت مهددة بالموت إن لم تملك وسيلة للدفاع، وعند هذه النقطة بالتحديد بدأ النظام يملك زمام المبادرة، فالسلاح يعني انشقاق الثورة بين مؤيد لحمله ومعارض له، وهنا بدأت قواعد اللعبة بالتغير، فصارت المظاهرات الحاشدة التي شهدتها العديد من المدن والساحات والتي كانت تحدياً وفعلاً ثورياً عظيماً صارت ترفاً في ظل حمم النيران المتواصلة، وطبعاً برزت البندقية الآلية كملاذ آمن لمن قرر المضي بالثورة إلى منتهاها، وهو حال عشرات آلاف السوريين، فلم يحدث في التاريخ قبلاً أن عدت ثورة إلى بيتها بعد أن تخرج منه، فطريق الثورة كما يقال ذو اتجاه واحد هو إلى الأمام، لكن بات لهذا الأمام أشكال واتجاهات مختلفة منذ أن تسلل بعض تجار السلاح إلى الصفوف الأمامية وتعهدوا بأن يمدوا الثائرين بالسلاح، فما غنموه من النظام لا يكفي للصمود في وجه ترسانته التي لا تنضب والتي تعهدت كل من إيران و روسيا بتمويلها.

لم يتخلّ التيار السلمي عن الثورة، كما أنه لم يعارض التسلح لأنه كان يدرك شكل هذا النظام وطبيعته، فهو نظام دموي قاتل، ولا يمكن للحناجر واللافتات الصمود أمام تلك النيران التي قرر أن يحرق بها أخضر سوريا ويابسها معاً حفاظاً على كرسيه، ومكتسبات أتباعه الذين كانوا يدركون تماماً أن الثورة ستجردهم من كل ما غنموه خلال سنوات عملهم في ظل “سيادته” والذي صار يعرف لاحقاً بسقف الوطن، وأي خروج عليه هو خيانة للوطن.

ومع تمدد العمليات العسكرية أفقياً وعمودياً، فتح الباب على مصراعيه لدعوات سرية وعلنية “لنصرة” السوريين، وقد تراخت حدود الدولة كثيراً، وخاصة حدودها الشمالية وبات الدخول سهلاً لمن رغب، مجاهداً أو مناصراً، وتعددت التسميات فيما بعد، ولعل اللافت للنظر أن الكثير من تلك التسميات هي نفسها التي استخدمها النظام في البداية خلال سعيه إعلامياً لتمرير تلك الأفكار.

لعله من المفيد هنا التذكير أن الكثير من قادة ما سيعرف بالكتائب الإسلامية المقاتلة على الأرض هم من المعتقلين السابقين في سجون النظام، وهناك الكثير من إشارات الاستفهام حول ارتباط بعضهم بالأجهزة الأمنية بشكل مباشر أو غير مباشر، وقد تم إطلاق سراحهم جميعاً ثم تم ملء المعتقلات بدعاة السلمية والناشطين الإعلاميين، وبالمقابل فقد فر إلى الخارج الكثيرون ممن لا يقدرون أصلاً على حمل السلاح أو يرفضون فكرة التسلح كلياً، وهكذا خلت الساحة تماماً سوى من لونين اثنين اللون الأول هو النظام الذي يلوح براية العلمانية ويعرض عبر وسائل إعلامه منوعات لحمته الوطنية المزعومة، والتي يبرز فيها أبناء الطوائف السورية متلاحمين تحت “سقف الوطن” وأما اللون الثاني فكان لوناً إسلامياً متشدداً يخلو من أي تنوّع، بل إن مقاطع الفيديو التي تم تسريبها بشكل منتظم جعلت داعمي الثورة يراجعون حساباتهم قليلاً، فأي مسار اتخذته الثورة التي كان شعارها الحرية؟.

اللون الثالث الذي لم ينل حظه من الترويج الإعلامي هو لون الثورة الحقيقية، الثورة المستمرة، وهو لون بتنا نراه فقط في مخيمات اللجوء التي فرّ إليها السوريون بعشرات الآلاف، أو عبر صفحات التواصل الاجتماعي، هو لون ثالث يرفض اللونين الآخرين ويثور عليهما في آن واحد، فالنظام الذي قتل وشرد الآلاف، واعتقل مئات الآلاف، ودمر الكنائس قبل المساجد، هو نظام ساقط لا محالة، وكذا فإن اللون الآخر الأسود كلياً والغريب كلياً عن طبيعة السوريين والذي اعتقل الناشطين الإعلاميين واختطف الأب باولو السوري جداً، هو لون يسعى السوريون لإسقاطه، فكلاهما وجهان لعملة واحدة، سوق أحدهما للآخر، حتى بات يشكل جدار حماية له، وفزاعة يستخدمها ليرهب بها الغرب المتطير من فكرة الإسلاميين المتشددين. ومع مرور الوقت وتحول الثورة إلى “صراع” أو “نزاع” وفق التسمية الأممية والإعلامية لها، فإن اللون الثالث يبدو محتجباً أو غير قادر على الظهور في الوقت الحالي، لكنه بلا شك سيكون قادراً على استعادة زمام الأمور في الوقت المناسب، وفرض لغته، التي يعرفها جميع السوريين.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً