هذا ليس أدب أطفال!

 مها حسن- بناة المستقبل ع7/4 -2014

88888888888888888888888لا أعرف حادثة مماثلة في الثقافة العربية المعاصرة، عن كاتب يقرأ للأطفال، مقتطفات من كتابه، غير المعدّ ولا المكتوب لهم. انتابتني مشاعر الاحترام والبهجة معاً، وأنا أتفرج على صور الأطفال، الذين جلسوا حول ياسين الحاج صالح في استنبول، يقرأ لهم مقتطفات من كتابه ذي الصبغة السياسية غالباً: بالخلاص يا شباب.

لم أنظر إلى ياسين، الذي أدار وجهه للكاميرا، بل رحت أتأمل وجوه الأطفال الجالسين أمامه، يصغون إليه، وهو يقرأ.

عن السجن السياسي، قرأ ياسين لأطفال تترواح أعمارهم بين السنوات الخمس أو الست، حتى العاشرة أو أكثر بقليل. أطفال، ببراءتهم، ودهشتهم، ونبلهم، جلسوا يُصغون، لا كأنهم في صف مدرسي تقليدي، يستمعون لدروس تلقينية في التاريخ والجغرافيا والعلوم، بل يستمعون لكاتب الكتاب، لا ليلقّنهم درساً، بل فقط، لينقل لهم تجربته، أو بعضاً مما تسنى له نقله.

بعد اختطاف سميرة الخليل، زوجة ياسين، من قبل ملثمين لم يكشفوا عن شخصيتهم، ورغم الغموض والحزن اللذين يلفان حادثة اختطاف سميرة ورفقائها في مركز توثيق الانتهاكات في دوما، فإن ياسين، الكاتب الملتصق بوصف المثقف العضوي، ورغم دراماتيكية حياته الشخصية، لم يتوقف عن ممارسة دوره ككاتب، وهذا امتحان عسير للكتابة في زمن القلق والرعب.

فلياسين عبارة سبق أن كررها في عدة لقاءات، أو كتبها على الفيسبوك: وربما قالها شفاهاً لأصحابه، كلما سئُل ياسين عن حاله : ليس لدي شكوى شخصية. إلا أن حياته الشخصية تخربت أيضاً، إذ تم اختطاف أخيه فراس في الرقة، من قبل ما يسمى بدولة الإسلام في العراق والشام، ثم اضطراره لمغادرة البلاد إلى تركيا، وحده أولاً، على أن تلحق به زوجته، التي تم اختطافها في اليوم العالمي لحقوق الإنسان، حتى تتداخل حياته الشخصية بالفكرية، إلا أنه يفلح في الحفاظ على نشاطه الكتابي، ويتماسك ككاتب، يتابع تواجده، مخفياً قهره الشخصي.

ياسين الذي لم يضعف، وهو المحب والعاشق، الشريك في قضية نضالية، والشريك في الحب والعيش المشترك، لسميرة التي اختطفوها في وضح النهار، لم ينقّ أو يتذمّر أو يضعف، بل كطبيب، رغم أنه لم يمارس المهنة، وضع الملح على الجرح، استأصل ببراعة الطبيب ـ الكاتب، الألم الشخصي، ووضعه على جنب.

أهمية ما يستحق أن نكتب عنه في حالة ياسين، ليس فقط استمرار نشاط الكاتب، رغم كوارثه الخاصة، بل مواظبته على ابتكار حالات التعبير عن دوره العضوي في المشهد السوري. هاهو ياسين يجالس الأطفال، انظروا في عيونهم المندهشة، إلى وجه الصغيرة المستغرقة في ياسين وهو يقرأ. هؤلاء الصغار لن يفهم أغلبهم ما يقوله ياسين، لكن ما يقوم به ياسين مهم كثيراً، برأينا الشخصي، وإن لم تجز المقارنة، يكاد يكون أكثر أهمية من أن يقرأ ياسين أمام الكبار، الذين يمكنهم قراءة الكتاب وحدهم، والذين سيفهمونه دون الحاجة إلى الكاتب. لأن الفعل هنا رمزي، يتلخص في نقطتين، علاقة المثقف بالأطفال اولاً، وأهمية ما تعنيه هذه القراءة للطفل ذاته.

فيما يتعلق بعلاقة المثقف بالطفل، المثقف غير المختص بالكتابة للأطفال، فأن يحتمل المثقف الخمسيني،عالم الأطفال، وهو يقيم بينهم علاقة جادة، لا علاقة لعب ولهو ومتعة، بل علاقة كتابة، يبني معهم جسراً ثقافياً، يحتمل أسئلتهم، هواجسهم، تفاصيلهم المختلفة تماما عن تفاصيل الكبار، حيث لا رقابة ولا تابو على مايخطر في بالهم، ولا قواعد وضوابط في كيفية استقبالهم للفكرة… هذا كرم من الكاتب، وتواضع، وقبول بمخاطرة أن يكون موضع تساؤل أو نقد، بطريقة ما، من قبل الطفل، غير المتقيد بقوانين آداب الكبار، التي تغلب عليها الديبلوماسية. أن يتقبل ياسين تثاؤب طفل أثناء القراءة، أو ربما خروج طفل من الصالة، أو حاجة الطفل إلى الذهاب إلى الحمام، أو مقاطعة الكاتب أثناء القراءة.. أو أي تفصيل إنساني طفولي، لا يحتاج الطفل إلى قمعه، أو تأجيل التعبير عنه، فهي مغامرة كاتب يثق بنفسه أولاً، ومنفتح على الآخر ثانياً، وكاتب مفعم بالحب، وهذه نقطة غير مألوفة، في بناء العلاقة بين الكاتب والجمهور، الجمهور هنا، هو هذا العالم البريء، المفاجئ، المليء باحتمالات مجهولة.
أما فيما يتعلق بما تعنيه هذه القراءة للطفل، فهي تعامل الطفل على أنه جدير بالاحترام، وتضعه في موقع المشاركة، وبالتالي في موضع تحمل المسؤولية، ناهيك عن ميزات عديدة تتأتى من عملية الإشراك هذه، منها مثلاً ما تنتجه لدى الطفل من حالة احترام ذاته، من خلال تقديره وإشراكه، واحترام عملية الكتابة بحد ذاتها، واحترام الكاتب.

مناسبة قراءة ياسين للأطفال، لم تأت في سياق احتفالية موسمية، كما في الغرب مثلاً، بمواسم أدبية تحمل عناوين شتى في السنة، للتشجيع على القراءة، فهي لم ترد في سياق احتفائي بفعل القراءة للجميع أو الكتاب للجميع. بل تمت القراءة باقتراح من أصدقاء له في اسطنبول، ليقرأ لأطفال سوريين مقطعين من كتابه “بالخلاص يا شباب”، حيث جرى التجمع في مقر مشتغلين أتراك بالسينما الوثائقية، وكما يقول ياسين، حيث يذكر عن بعض الصور التي تم التقاطها “بكاميرا الصديق المخرج عمر بيرقدار، اللي هو وزوجتو لورنس باردو والمخرجة التركية إليف إرغزن وآخرين… كانوا عم يشتغلوا مع الأطفال ويعملوا فيديوهات ويعرضولن أفلام… ومكملين. وهم أصحاب فكرة أنو أقرا شوي للأطفال… ألف شكر لهم”.
في هذه القراءة الاستثنائية، والتي يتمنى أحدنا، أن تتحول إلى نشاط مبرمج، يساهم فيه بقية الكتاب السوريين، حتى يقرأوا لأطفال سوريا بعضاً من نتاجاتهم، لتحقيق ما ذكرناه أعلاه، من أغراض تتعلق بتنمية عالم الطفل، وتعليمه احترام نفسه واحترام الكتابة، ونقل صور جديدة إلى عالمه التعليمي والثقافي لاحقاً، وتنشيط مخيلته، وكسر الإيقاع المدرسي الكلاسيكي، في قراءة مملة أحياناً، خشبية، غير مبدعة، لنصوص مفروضة من قبل الجهاز التعليمي. قراءة منفتحة من هذا النوع، تضع الطفل في قلب الحدث، وتجبره ربما على تجاوز مرحلة الطفولة الغضة البريئة، حيث العنف الحالي، يضع الأطفال في مواقع أكبر منهم، ويضعهم أمام تحديات جديدة، تختلف عن بساطة عالم الصغار، التي يحيونها في الأزمنة العادية.

القراءة في زمن الحرب، تقنية مُضافة كنشاط سلمي، يساعد الطفل على الفهم، ويحميه ربما من الانجراف خلف العنف، إذ كثيراً ما رأينا صور أطفال سوريين، يلعبون بالأسلحة، ويعتبرون لعبة العسكر، وتقليد ممارسات الجيشين الحر والنظامي، بمثابة تعويض عن المتعة المفقودة، في ألعاب بريئة. محاكاة الأطفال، في ألعابهم المُخترعة عن القتال واستعمال السلاح، هي نتاج معرفي تلقائي وممارسة دور الطفل في المشهد اليومي، لهذا فإن الأفعال التثقيفية، كالقراءة في هذا النص، هي توجيه غير مباشر، وغير مؤدلج، لممارسة الطفل لدوره في المشهد السوري، لا كمقاتل، بل كمحلل وفاهم ومفسّر. أي انتقال اللعب من ساحة الحرب، إلى ساحة الوعي.

في زمن الحرب الاستثنائي، يكبر الأطفال سريعاً، لهذا تصبح القراءة فعلاً تنموياً وتعريفياً ، وتصبح هذه الأنواع من الأنشطة بمثابة تبادل أدوار رمزي ، بين الكاتب والطفل، حيث يتحول الكاتب إلى طفل، يتماهى مع الصغار، يستغرق في نظراتهم المتساءلة، دهشتهم، بساطتهم، وبالمقابل، يكبر الأطفال أمام القراءة، والتساؤل والبحث المبكّر عن الإجابات، وعن المعرفة.

أطفال سوريا يعرفون الآن، مايعرفه الصغار دون مواربة، ودون احترام القوانين الإعلامية للشعوب المترفة : لا يجوز لتحت العاشرة، محرومين ربما من ترف الإعلانات الموجهة إلى الكبار، بعدم ترك الأطفال وحدهم أمام جهاز التحكم، ليختاروا مالا يناسب أعمارهم، تلك الإعلانات الحريصة على نوم الأطفال الهانئ دون كوابيس، ليست موجهة لأطفال سوريا، الذين كبروا سريعاً، ورغم الحرب والعنف والموت والبرد والنزوح، إلا أنهم، يصغون إلى القراءة. قراءة الكتب التي لم تكن موجهة لهم، وليست أدب أطفال.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً