سجون سرية “لمكافحة الارهاب” في سوريا!!

عبد محمد- بناة المستقبل ع4/7-2014

88

فروع المخابرات وأماكن الاعتقال السورية لا تختلف كثيرا عن ” مغارة علي بابا”

بخلاف ما هي عليه الحال في الأنظمة الديمقراطية ، بل وحتى الأنظمة الشمولية والفاشية كالنظام العراقي السابق ، تتميز أجهزة المخابرات في سورية بكونها ” دويلات أو ممالك متعددة” داخل الدولة الواحدة يقود كلا منها أو ” يملكه ” ، بقوة الأمر الواقع ، مملوك حاكم بأمره . ورغم وجود ” مكتب الأمن القومي ” كقيادة سياسية عليا لأجهزة المخابرات الأربعة (العسكرية ، والجوية ، والسياسية ، وأمن الدولة /المخابرات العامة) وأركان الجيش ، مهمته التنسيق بين عمل هذه الجهات ، فقد ظل ” الحكم الذاتي” الذي تتمتع به هذه الأجهزة واحدا من المعالم الرئيسية للنظام . وذلك بالضبط لأن منشئه وصانعه ، الرئيس الراحل حافظ الأسد ، أراد له أن يكون كذلك ، على اعتبار أن هذا الشكل هو الأفضل والأنسب بالنسبة لطاغية لا يمكن له أن يحكم ويستمر ويؤبد إلا إذا كان جميع أركانه نظامه على درجة كبيرة من الضعف ، بذاتهم ، وعلى درجة كبيرة من القوة بالنسبة لبعضهم البعض . وقد خلف هذا الوضع ، ولا يزال ، نتائج كارثية في مجال الاعتقال والملاحقة لأسباب سياسية يعرفها جميع السوريين . ويكفي تدليلا على ذلك أن المعتقل يمكن أن يكون مطلوبا من قبل الأجهزة الأربعة للسبب نفسه ، لكن أيا منها ليس معنيا بالآخر . إذ يمكن أن يعود أي جهاز لاعتقال السجين بعد إطلاق سراحه من قبل جهاز آخر وللسبب نفسه . وأبرز واقعة سافرة على ذلك هي واقعة اعتقال الشاعر السوري فرج بيرقدار (عضو المكتب السياسي السابق في حزب العمل الشيوعي) بعد عدة أيام من إطلاق سراحه ، إثر 14 عاما من الاعتقال وبضعة أعوام من الملاحقة ، من قبل جهاز أمن آخر كان قد أصدر بحقه مذكرة اعتقال منذ حوالي عشرين عاما للسبب نفسه! وكان لا بد أن يمكث مرة أخرى رهن الاعتقال ، في مدينة أخرى ، ولعدة أيام ، حتى تتصل ” الأجهزة / الدويلات ” فيما بين بعضها البعض وتزيل ” اللبس ” !؟؟ ومعظم المعتقلين ، إن لم يكن كلهم ، يعرفون أنه كثيرا ما فقد سجناء وضاع مكان اعتقالهم ، ليكتشف الجهاز المعني بعد فترة أنهم معتقلون في المكان الفلاني !

هذه المقدمة كانت أمرا لا بد منه للقارئ كي يستطيع الاقتناع بحقيقة أن فروع المخابرات وأماكن الاعتقال السورية لا تختلف كثيرا عن ” مغارة علي بابا” ؛ وكي يستطيع أن يتصور أن الكثير من هذه الأماكن والفروع لا يزال مجهولا بالنسبة للناس .. بل وحتى بالنسبة لبعض العاملين في أجهزة المخابرات السورية الأخرى نفسها. وإذا كانت جميع فروع المخابرات العسكرية وأمن الدولة ( المخابرات العامة) ، وجميع أماكن الاعتقال التابعة لهما تقريبا ، قد أصبحت معروفة بالنسبة للعاملين في الشأن العام ، بالنظر لأن هذين الجهازين أنيطت بهما العمليات الأساسية لقمع المعارضة على مدى ثلاثة أعوام من الثورة ، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للمخابرات الجوية . فهذا الجهاز الذي يعتبر ، وفق معايير عديدة ، أكثر رعبا ودموية حتى من المخابرات العسكرية ، لم يعرف عنه الضلوع السافر و اليومي والمنهجي بملاحقة المعارضين واعتقالهم والتنكيل بهم. إذا لم يكن نشاط هؤلاء داخل إطار سلاح ” القوى الجوية والدفاع الجوي ” نفسه. إلا أن هذا لم يمنع الرئيس حافظ الأسد ، في حالات معينة ( ولأسباب تتصل أحيانا بصراع الأجهزة فيما بينها وبسياسته في ضبط إيقاع هذا الصراع ) ، من أن يكلف هذا الجهاز بملف معين بين فترة وأخرى ، كملف حزب التحرير الإسلامي على سبيل المثال لا الحصر ، أو ملف بعض العمليات الخاصة خارج سورية ، كالاغتيلات السياسية ( اغتيال الصحفي الأردني ميشيل النمري في اليونان ، ومحاولة اغتيال أكرم الحوراني في باريس) وأعمال النسف والتفجير ( نسف مقر مجلة ” الوطن العربي” و تفجير شارع ماربوف في باريس . الأمر الذي كان يشرف عليه قائد هذاالجهاز ، اللواء محمد الخولي ، ورئيس مكتبه العقيد هيثم سعيد  كما ولعب فيه دورا هاما في مرحلة من المراحل العقيد مفيد حمّاد ، نسيب اللواء الخولي.
لكن السجون المكتشفة حديثا هي عبارة عن معتقلات أمنية لأنها غير مسجلة في قيود وزارة الداخلية ولا يستطيع القضاة والمحامون أو أي شخص المراجعة فيها، منها معتقل فرع الأمن 251 التابع للأمن العسكري والمخابرات الجوية والذي يقع تحت مطار دمشق القديم المعروف حاليا بمطار المزة، وسجن آخر يقع تحت الثكنة العسكرية القريبة من مطار دمشق الدولي، ومعتقل الضمير القريب من مطار الضمير العسكري في ريف دمشق، وكذلك شعبة حزب (البعث) في منطقة الحميدية في حمص. ,
وفي تقرير نشر شهر (مارس – 2010 )كشفت صحيفة “فرانكفورتر روندشاو” الألمانية عن انتشار السجون السرية الأمريكية في 66 دولة على الأقل حول العالم.
وذكرت الصحيفة أن دراسة دولية أعدها أربعة محققين دوليين تناولت استخدام هذه السجون التي أقامتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “سي آي ايه” في احتجاز أشخاص تحت دعاوى كاذبة، ومعارضين لدول موالية لواشنطن، والتحقيق معهم باستخدام وسائل تعذيب مروعة.
وأوضحت الصحيفة أن المحققين قدموا بعد تحريات مكثفة أدلة دامغة وموثقة على وجود السجون السرية التابعة للاستخبارات الأمريكية في مصر والأردن وسوريا والمغرب وباكستان وجيبوتي وإثيوبيا وتايلند ورومانيا وبولندا.

سجن صيدنايا العسكري أوما يعرف بالسجن الأحمر:
يتكون سجن صيدنايا من بناء ضخم يمتد على مساحة عشرين هكتارا محاط بالأسلاك الشائكة ,وحقول الالغام ,والرشاشات الألية والسواتر الترابية ,ومراكز الحراسة ,والإضاءة الليلية بحيث يعتبر حصنا حصينا لا مجال حتى لتخيل الهروب أو الاقتراب منه. مؤلف من ثلاثة طوابق, وكل طابق ينقسم إلى ثلاثة اقسام في كل قسم منه يوجد أربعة أجنحة وكل جناح يحتوي على 10 مهاجع يبلغ عددها الاجمالي 360مهجعا , ويضم كل واحد منها 20-25 سجينا ,ولكل مهجع باب حديدي كبير مع فتحات تهوية إضافة إلى فتحة في المنتصف تسمى (بالشراقة ).

يحتوي السجن, كذلك ,على ما يسمى بالمنفردات ,وهي أماكن مخصصة للسجناء المصنفين كخطيرين, أو الذين يعاقبون لأسباب مختلفة من قبل إدارة السجن وتقع المنفردات في الطابق الأرضي ,وفي طابق آخر تحت الارض ,ولا منافذ لها سوى فتحة صغيرة في الباب يدخل منها الطعام , وفي كل جناح ما يقارب الثلاثين نافذة محصنة بالحديد يتم فتحها وإغلاقها حسب مزاج السجان ,وفي نهاية كل جناح يوجد ما يقارب ال 10 حمامات يوجد فيها ماء ساخن للاستحمام .
ويشرف على كل جناح سجان واحد برتبة مساعد ثاني أو مساعد أول يعاونه 5-8 سجانين برتب مختلفة ,من مجند الى عريف مجند ,ويشرف عليهم مجموعة من الضباط وصف الضباط ,وضابط الامن عادة يكون برتبة مقدم .
يبلغ عدد السجناء داخل سجن صيدنايا ما يقارب الثمانية ألاف سجين موزعين على طوابق السجن الثلاثة وذلك وفق المعلومات التي وثقها المرصد السوري لحقوق الانسان من ضباط افرج عنهم مؤخرا انه من بين السجناء سجناء عسكريين يبلغ عددهم حوالي 2500 من رتب مختلفة ,أكبرهم برتبة عميد .
وتتراوح أعمار السجناء بين ال 13 وال 65 سنة .
يتم ادخال وجبات الطعام الثلاثة يوميا دفعة واحد عند الساعة الثامنة صباحا ,وبكميات قليلة جدا لا تتجاوز ال2-3 أرغفة خبز مع كميات قليلة جدا من الرز ,أو البرغل ,وبيضة واحدة عدا يوم الاربعاء , فتعطى قطعة لحم صغيرة ,وكل يوم ثلاثاء وخميس – 30-50 غرام من لحم الفروج ,و يوميا تعطى قطعة بطاطا , وحبة بندورة ,أو خيار مرتين في الاسبوع ,و 5-10 حبات زيتون 3 مرات في الاسبوع ,, ويقوم السجان بإدخال الطعام ولا يسمح بالاقتراب منه ,أو التحدث إليه ,ويمنع الأكل بشكل جماعي بل يقوم كل سجين بتناول طعامه بمفرده …
ينام السجناء عند الساعة التاسعة مساء ,وذلك عند إيعاز الكل إلى النوم ,ويحظر بعدها الحركة والكلام حتى الساعة السادسة صباحا ,بحيث يتم حينها تجميع البطانيات في منتصف المهجع ليتابع السجين يومه بعد ذلك دون نوم ,أو بطانية ,ويسمح للسجين خلال اليوم بان يقضي حاجته ,أو ان يستحم في مهجعه ,وأن يتحدث همسا الى زميله, وأن يجلس غير متكئ ,أو مستند إلى حائط طوال النهار ,ولا يسمح له بالنوم دون ايعاز, أو الكلام بصوت مرتفع ,أو الحركة والرياضة ,والاقتراب من باب المهجع والنظر الى السجان ,أو التحدث معه ,والتحرك أو الكلام عند دخول السجان ألى المهجع ,أوتغيير مكان جلوسه ,أو الجلوس إلى شخص أخر في المهجع …
عند دخول السجان إلى المهجع يجب على الجميع أن يديروا وجوههم الى الحائط ,رافعين أيديهم إلى الأعلى ,أو متخذين وضعية الجاثي ,أو المنبطح ,حسب رغبة السجان, وأن يحافظ على هذه الوضعية طوال مدة تواجد السجان ,أو مروره ,أو سماع صوته قريبا من مكان تواجده , كما يحظر على السجين الاقتراب أكثر من ثلاثة أمتار من باب المهجع .

معتقل خان أبو الشامات
معتقل ” خان أبو الشامات ” هو أشبه ببقع داكنة وسط مساحة صحراوية من الفراغ لا حدود لها. يقع هذا المعتقل بالقرب من قاعدة الضمير الجوية شمالي شرق دمشق ، وتحديدا من الجهة الشرقية . وقد أخذ اسمه من قرية ” خان أبو الشامات ” القريبة منه . ويمكن الوصول إليه عن طريق يتفرع من الطريق الدولي المؤدي إلى بغداد ، وكذلك من القاعدة الجوية المذكورة نفسها . ولا توحي الأبنية ” المتواضعة ” الظاهرة فوق الأرض ، وسط مساحة كبيرة محاطة بالأسلاك الشائكة العالية، بوجود شيء ذي أهمية هنا . ذلك لأن جميع أبنيته تقريبا تقع تحت الأرض ، ويمكن الوصول إليها بأحد شكلين بعد الدخول من الباب الرئيسي للموقع والمسير لحوالي 2 كم : بواسطة مصاعد كهربائية ، أو عن طريق منحدر يبدأ ببوابة كبيرة متحركة كهربائيا على سكة معدنية . وبالنظر لأن محيط السور الشائك يقدر بحوالي 11 إلى 13 كيلو مترا ، وعدم إمكانية الاقتراب من المكان بسبب الحراسات الأرضية والبرجية المشددة ، فإن الأبنية المشار إليها تبدو باهتة حتى وإن نظر إليها من أقرب نقطة مسموح الاقتراب منها.

معتقل ” فرع العمليات الخاصة ” و يقع هذا الفرع في أول الطريق الذي يشكل مدخل بلدة حرستا في ضواحي دمشق ، وبالتحديد بالقرب من مرآب تابع لشركة باصات النقل الداخلي بدمشق . ويكون على الجهة اليسرى بالنسبة لمن يكون متجها من دمشق إلى حرستا . يعتبر هذا الفرع من أكثر فروع المخابرات الجوية سرية . ونحن إذ نضع اسمه بين مزدوجين صغيرين فلأننا غير متأكدين تماما من هذه التسمية ، إذ لا تعرف بالضبط مهمته الرسمية .

سجن تدمر الصحراوي سيء الصيت سُرب خبر إغلاقه صيف عام 2011 عبر بعض نشطاء حقوق الإنسان السوريين ، بالترافق مع حديثهم عن أن ” آخر 137 معتقلا فيه ، وهم من المرضى العضال ، قد نقلوا إلى سجن صيدنايا آنذاك، يقع سجن (تدمر) العسكري في أقصى الناحية الشمالية من مدينة تدمر، وعلى مفرق قصير يصلها بالطريق القادم من حمص ودمشق إلى دير الزور عبر تدمر نفسها، وهو في الأصل جزء من ثكنة عسكرية يعود تاريخا إلى زمن الاحتلال الفرنسي.
ومن المعروف أن هذا السجن الصحراوي مخصص لتأديب المنحرفين من العسكرية، ولذلك أطلق على المجموعة العسكرية فيه (سرية التأديب)، ولعل أول مرة تفتح أبوابه فيها لاعتقال سياسيين كانت حين نُقلت إليه مجموعة من قادة الإخوان المسلمين في أواخر حزيران 1966، منهم الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، د. محمود بابللي، عادل كنعان، أحمد بنقسلي، مروان حديد، جودت سعيد، وغيرهم.  ويلاحظ أيضاً، أن نصف السجن أحدث بناءً من النصف الآخر، ولعل النصف الجديد بُني بعد جلاء الاستعمار الفرنسي، وفي الستينات على الأرجح.
موضوع السجون ومراكز الإعتقال السرية التي أقامتها النظام السوري،  فلا يوجد تقريباً مواطن في سوريا لم يسمع بما يمارس  فيه أبشع أنواع التعذيب التي عرفتها الإنسانية عبر التاريخ ,ويعامل السجناء والمعتقلين فيه باسوأ معاملة يمكن أن يتعرض لها سجين في العالم . انتهج النظام السوري  سياسة تعسفية بعد إنقلاب أذار 1963؛ فكانت السجون ومراكز التوقيف والتحقيق والاعتقال مكاناً للقتل الروحي والنفسي للسوريين .

شاهد أيضاً

بوتين يستدعي بشار الأسد إلى حميميم ليلتقيه هناك

  وصل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليوم الاثنين الى قاعدة حميميم في ريف اللاذقية، بعد …

اترك تعليقاً