ازدهار الأسواق الدمشقية

 مسعود القاق- بناة المستقبل ع7/ 4 -2014

gbghمع انطلاقة الثورة السورية السلمية في 18/3/2011، شهدت العديد من الأسواق في سوريا تراجعاً واضحاً في أيام الجمع والعطل الرسمية، نتيجة انتهاج المتظاهرين السلميين لخط التظاهر. في هذه الأيام، وما رافق تلك الحالة السلمية من تطوير أساليب العمل السلمي من الاعتصامات العامة والجزئية في عموم البلاد السورية، وكان إبرازها في وسط سوريا مدينتي حمص وحماة، ودرعا في الجنوب، وجزئياً أحياء من العاصمة دمشق حيث كانت تخرج من تقديم الخدمة في أيام التظاهر خاصة نهار الجمعة أسواق العديد من مناطق العاصمة مثل “سوق الميدان، سوق الحجر الأسود، سوق جوبر وزملكا وعربين، سوق دوما، أسواق وسياحة مدينة الزبداني، سوق الأدوات المستعملة على خط المتحلق الجنوبي عند جسر المليحة والكباس، بالإضافة إلى سوق الطيور في هذه المنطقة. وهذا ما أفسح المجال أمام هذه الأسواق إلى تركيز نشاطها التجاري خارج أيام العطل الرسمية حيث نادراً ما كان سوق الميدان يغلق يوم الجمعة. لكن التظاهر في هذا اليوم، والضغط الأمني والتشبيحي على هذا السوق جعله خارج الخدمة يوم الجمعة، بينما بقيت أسواق مخيم اليرموك على ما هي عليه من نشاط حتى أيام الجمع لان المخيم كان خارج إطار التظاهر في تلك الفترة، ومن المعروف أن سوق اليرموك الذي يقدم الخدمات ذات الوجبات السريعة يبقى حتى الصباح من كل يوم.

ومع تقدم العمل العسكري في الريف الدمشقي وسيطرة الجيش الحر، والفصائل المسلحة كرد فعل على نهج النظام في استمرار الحل الأمني- العسكري أصبحت إمكانية ضبط عمل أسواق الريف الدمشقي في خبر كان حيث فرض النظام ولجانه الشعبية التشبيحية والأمنية الحصار الجزئي على هذه المناطق الريفية، ولنا فيما حدث من مدن وضواحي الريف “الزبداني، دوما، زملكا، عربين، عين ترما، وحرستا”، وتقدمت السيطرة العسكرية للفصائل المسلحة في مناطق الريف الدمشقي، ووصلت إلى بعض أحياء دمشق مثلما هي الحال في “جوبر، ومخيم اليرموك”، فما كان من رد فعل النظام بعض مرور زمن على هذه السيطرة إلا أن أغلق هذه المناطق بالمطلق، إغلاقا تاماً مما عطل أسواق هذه المناطق وجعلها جزءا من الماضي الدمشقي الجميل، وبدأت هجرة أهالي وسكان هذه المناطق الريفية وأجزاء من أحياء وضواحي المدينة المحاصرة إلى الأجزاء الأكثر أمنا من هذه المناطق، قام النظام بعملية تدمير ممنهجة لهذه المناطق وأسواقها سواء في الريف أو في الأجزاء المحاصرة من المدينة.

وهنا عادت العديد من الأسواق الدمشقية التقليدية للانتعاش المتنامي وفق حاجة الناس المهجرين والنازحين في الأحياء والضواحي الدمشقية المستقرة مثل ” جرمانا، قدسيا، ضاحية قدسيا، والشاغور “، حيث برزت في شوارع العاصمة أمام جامعة دمشق في منطقة البرامكة ظاهرة البسطات التي أصبحت جزء من الحالة الشعبية، وانتقلت عدواها إلى مناطق عدة في قلب المدينة مثل منطقة ” الحجاز، جسر فكتوريا، وجسر الثورة” والى جانبه سوق الأدوات والأثاث المستعمل في بداية سوق الهال القديم، وانتعش بقوة سوق الخضار والمواد الغذائية على الجانب الأيمن من الجسر عند طريق الحميدية الذاهب إلى مدينة الفيحاء الرياضية ومن المفيد ذكره أن أغلبية المواد المستعملة في هذه السوق من المسروقات عبر ظاهرة التعفيش، وعلى الخط الموازي لسوق العمارة التقليدي انتعش في هذه الأحياء سوق جديد للبسطات  خلف مقبرة الدحداح، واستعادت بوابير الكاز المصطنعة ملحياً رواجها، واحتلت قناديل الكاز والكيروسين مكانها من جديد في الأسواق الشعبية نتيجة الانقطاع والتقنين المبرمج للكهرباء حيث يتم قطع الكهرباء عن كافة أحياء مدينة دمشق، وفي سوريا عموماً على فترتين زمنيتين نهارية تبلغ من ساعة إلى ثلاث ساعات، وكذلك في ليل العاصمة وريفيها.

إما المناطق المحاصرة من العاصمة، فأصبح قطع الكهرباء طيلة النهار والليل جزء من عقاب النظام لهذه المناطق، وانتشرت ظاهرة المولدات الكهربائية الخاصة التي تعتمد على الكيروسين، وارتفعت أسعارها أكثر من ثلاثة أضعاف، وشهد سوق البرامكة لهذه المولدات توسعاً كبيراً، وعند انقطاع الكهرباء في المناطق الدمشقية يستحيل تقريباً سماع حديث صديق مع صديق في الشارع نتيجة أصوات المولدات. إما الأسواق التقليدية في قلب العاصمة داخل السور مثل”سوق الحميدية، وسوق مدحت باشا، سوق العرايس، سوق البرغل، سوق الصاغة، سوق المسكية، سوق العصرونية، سوق البالة في باب الجابية والقنوات وصولا إلى موقف الاطفائية” حدث ولا حرج، فالبسطات في هذه الشوارع أصبحت بمئات الألوف خصيصاً بعدما لعبت الحواجز دوراً كبيراً في تحويل الإنسان الدمشقي إلى محب لرياضة المشي.

فعلى سبيل المثال الدور أمام ” زعتر العرجاوي” يقطع شارع مدحت باشا بالعرض وأحيانا يأخذ شكلاً بيضاويا نصف قوس. أمام حاجز سوق البزورية. وكذلك في امتداد الشارع بعد المدرسة المحسنية نجد دوراً كبيراً على فرن الخبز المشروح. إما سوق الشعلان للتنابل، فزاد من حضور المستهلكين فيه من كافة إنحاء الأحياء الدمشقية، وحتى من الريف ورغم الازدحام الشديد في الشعلان إلا إن سوق الصالحية وشارع الحمراء زادا نسبة البضاعة فيهما حيث عادت إليهما مركزية العمل في قلب المدينة بعد إغلاق وحصار المخيم، إذ إن سوق الألبسة في شارع لوبية وصفد، وأسواق زملكا وعربين اصبحوا خارج الخدمة والفعل التجاري.

وعاد إلى الواجهة سوق الطيور والدجاج في المنطقة الصناعية جانب نادي النضال بعد إغلاق سوق الكباس للطيور على طريق المليحة، فيما حقق حضوراً واضحاً ويومياً سوق الخضار والمواد الغذائية عند كرجات المنطقة الصناعية الذاهب إلى الست زينب.

مصائب قوم عند قوم فوائد:

يتضح مما تقدم أن مفاعيل الثورة السورية انعكست على كثير من المناطق وبال وبؤس وحصار وجوع كما حدث في “داريا، جديدة عرطوظ، مخيم اليرموك، دوما، وحرستا”، بينما انتعشت الأسواق داخل العاصمة بشكل كبير، وأعادت إلى الواجهة نماذج من الصناعات التقليدية ” بوابير، وقناديل الكاز”، وهذا يؤكد أن أهداف الثورة سياسية بعيدة المنال، فان الأهداف الاقتصادية التي طمح إليها المواطن السوري المنتفض على النظام، لكي يحظى بحياة أفضل، رد عليه النظام بتدمير مقومات الحياة  في المناطق الريفية والأحياء التي تحركت من العاصمة. فهل نستطيع القول أن الموجة الجديدة من الانتعاش في الأسواق الدمشقية قللت من مساهمة شريحة التجار في العاصمة السورية في الثورة السورية، وهي حتى هذه اللحظة لم تنحاز إلى صفوف الثورة ومعارضة النظام، وما ظاهرة طلاء إغلاق المحال التجارية في أحياء العاصمة بألوان العلم السوري الرسمي سوى تعبير عن حالة استعادة الدكتاتورية جزء من عافيتها بعد الإنهاك الطويل الذي عانت منه خلال سنوات الثورة الثلاث.

أخيرا هل تعيد قوى الثورة دراسة تأثيرها الفعلي والواقعي على الشريحة الأساسية من التجار الدمشقيين الذين لم يغادروا مواقع النظام ومصالحهم الاقتصادية، بل انتعشت في ظل الواقع الجديد على حساب الفئات الشعبية والاقتصادية التي هجرت من مناطقها قسراً، ودفعت الغالي والنفيس نتيجة السياسات العسكرية الخاطئة للفصائل المسلحة ؟!

شاهد أيضاً

رزق العبي: مع بداية العام الدراسي.. من بين كل 3 أطفال سوريين هناك طفل بلا تعليم

  رزق العبي – مجلة رؤية سورية / ع 47 أيلول 2017م دخل طلاب سوريا، ومعظم …

اترك تعليقاً