المثقفون والثورة… يا حيف

السلطان يوسف- بناة المستقبل ع7/4 -2014

 tytyt999“كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي”، أبدأ بهذه المقولة التي تنسب لغوبلز وزير الدعاية الألماني إبان حقبة هتلر، والآن سأدخل في الموضوع، في الثالث عشر من تموز عام 2011 امتنعت عن تلبية دعوة من أحد الأصدقاء للمشاركة في تظاهرة وسط دمشق، استهجنت الفكرة من أساسها، لأن التظاهرة جعلت لنفسها اسماً جعلني أنفر منها “تظاهرة المثقفين”.

خرجت التظاهرة، وسارت وهتفت، وحدث ما يعلمه الجميع، لأن الحديث عنه شغل الناس لفترة، لكن الحدث الأهم برأيي كان اسم التظاهرة، بوصفه انعزالياً متكبراً، جعل المشاركين فيها من كوكب آخر غير كوكب الثورة السورية، لا أريد التجريح بالمشاركين فكثير منهم أصدقائي، لكن الاسم وقتها استفزني وما زال يستفزني، فلماذا اختار المثقفون المشاركون في تلك التظاهرة هذا الاسم الاستثنائي الذي لم يسبقهم إليه أحد؟.

والآن، ما الذي قدمته تظاهرة المثقفين في عمر الثورة، سوى أنها سجلت للمشاركين فيها تميزهم عن الآخر، الشريك الوطني الذي قام بفعل الثورة أول مرة، ولا يستطيع أحد أن يدعي غير ذلك، فالثورة انطلقت من الناس، الذين لم يضعوا لأنفسهم تعريفات مسبقة، ولا صفات تميزهم، كما أنهم لم يقرؤوا لا مقالات ولا كتب المثقفين الذين شاركوا في التظاهرة إياها، بل ربما لم يسمعوا بأسمائهم قبل ذلك اليوم.

بعد ذلك سيظهر بعض المثقفين والفنانين ملتحمين بالناس، وسيظهر واحد أو أكثر منهم مرفوعاً على الأكتاف يهتف في المظاهرات، ثم سيختفون جميعهم، تقريباً، من المشهد ويتحولون إلى صفحة “فيس بوك” وظهور خجول على بعض الفضائيات.

نظام الأسد قمعي، ومجرم، وقاتل، ولا يتورع عن ارتكاب المجازر هذه حقيقة تاريخية، وليست اكتشافاً حديثاً، والذين خرجوا لمواجهته بحناجرهم المجردة وراياتهم كانوا يدركون منذ البداية أن ثمة مصيراً أسود ينتظرهم، ومع هذا فقد خرجوا، لكن هل كان “المثقفون” يدركون ذلك؟؟

إذا كانت الإجابة “لا” فتلك طامة كبرى، أما إن كانت “نعم” فلماذا انسحبوا من المشهد سريعاً، ولم يقبلوا أن يخوضوا التجربة حتى آخرها؟، لماذا فرحوا بالجموع وهي تلتف حولهم، ثم تركوها تموت وحيدة؟.

ولماذا ينشغل الكثيرون منهم بالتهيئة للمستقبل بينما نيران الحاضر ما زالت مشتعلة وتكاد تحرق الماضي والمستقبل معاً؟.

حين تردت الحالة في الداخل، وبدأت الثورة تأخذ أشكالاً لم يرسمها المثقفون في مخيلاتهم، ولا في تنظيرهم، انزوى بعضهم، بل ولعن آخرون الثورة، وبدأوا بالتبرؤ منها شيئاً.

الغريب أنه وبعد أكثر من ثلاث سنوات على انطلاقة الثورة السورية، فإن أغنية سميح شقير  “يا حيف” ما زالت هي الأغنية الوجيدة التي قاربت الثورة، واستطاعت أن تحكي حكايتها، ما تبقى هو تنويعات لم تقدم شيئاً، وقد لا يكون هذا النقد بناءً لكنه محاولة لمعرفة أين تكمن أزمة الثقافة السورية؟

لن أنكر ولا يستطيع أحد أن ينكر أن نظام عائلة الأسد أفرغ سوريا بشكل أو بآخر من محتواها الإبداعي، وجعل “الإبداع” مدجناً في اتحاد الكتاب العرب، وفي مؤسسته السينمائية التي تنتج أفلاماً حسب الطلب، وطبعاً وبكل تأكيد سيظل مبنى وزارة الثقافة المتهالك الذي أعيد ترميمه خير تعبير عن حال الثقافة بأسرها، فهي ثقافة متهالكة متداعية الأركان، لكن تم ترميمها باتقان ووضع على واجهتها رخام كي تظهر بصورة لائقة.

دعوني أرجع إلى مقولة “غوبلز” التي افتتحت بها مقالتي هذه، فقد أسس الأسد الأب مؤسسته الأمنية على هذا الأساس تماماً، فالثقافة تعني بالضرورة انتشار الوعي، وانتشار الوعي يعني بالضرورة سماً ينتشر في أرجاء امبراطوريته الكتيمة المحصنة، وشيئاً فشيئاً، قد يخلق مساحة حوار لم يكن يريدها، وانتشار ذلك الحوار هو أكثر ما يخشاه الطغاة، لذلك أفرغ المسرح في سوريا من محتواه تماماً، مع إن سوريا من أوائل دول المنطقة العربية التي أنشأت مسرحاً، وعهد بقيادة الحركة المسرحية إلى بعض من انتدبهم النظام نفسه فنالوا شهادات في الإخراج والتلقين، وعادوا من دول الاتحاد السوفيتي ليستولوا بجدارة على كل حراك مسرحي، تم إطفاء جذوة المسرح، وانزوى سعد الله ونوس في بيته إلى أن فارق الحياة، وفرّ أكثر من مخرج وكاتب إلى دول أخرى بحثاً عن لقمة العيش، وبقي يصول ويجول بعثيو السلطة وشوعيوها، وهؤلاء استطاعوا أن يحرفوا مسار المسرح كلياً، فالإغراق في التغريب والتجريب كان وسيلة ناجعة لجعل المسرح غريباً تماماً عن كل ما يحدث حوله، فلا حوار يجري تحت سقف الوطن، سوى ما يأذن به سيد الوطن نفسه، فرعى الحزب القائد نشاطات المسرح والكتابة، وأطل مندوبوه ليتصدروا الصفوف الأولى، بين أعضاء قيادتيه القومية والقطرية، فلا نشاط يطلق إلى برعايتهم الكريمة، وبكلمات مطولة عن عظمة القائد، وقدرته على نقل سوريا نقلة حضارية، وكأن سوريا كانت قبل عهد سيادته بلداً صحراوياً، وجاء هو ليقودها إلى النور، وأي نور؟!

صحيح أننا الآن نشهد نوعاً من الجدل المتواصل حول ما يمكن أن تكون عليه الأمور غداً، وخاصة بعد هذه الانقسامات الطولية والأفقية التي ضربت بنية مجتمعنا السوري، والتي يتحمل النظام مسؤوليتها بالدرجة الأولى، لكن هل أنتجت ثقافة الثورة نصوصاً يمكن اعتبارها نصوصاً ثورية، وهل استطاع المثقفون أن يوصلوا حقاً معنى الثورة السورية العظيمة للعالم؟ قد تكون الإجابة ببساطة: لا، فمقطع فيديو تبثه إحدى الجماعات الظلامية المسلحة أقوى بكثير من جميع الأفكار التي نفكر بها ومن جميع الأحلام، الثقافة اليوم مطالبة بأن تكون سلاحاً، لا على المبدأ التعبوي إياه الذي تم تسويقه سنوات طويلة، ولكن على مبدأ البحث في بنية مجتمعنا، واكتشاف مكنوناته المدهشة، وإطلاقها من سجونها التي وضعت فيها لعقود، والهمس هنا لمن تجشموا عناء تشكيل مؤسسات ثقافية وتجمعات فنية وأدبية. لا لحالمي مواقع التواصل الاجتماعي الذين ينتهي نضالهم بمجرد إقفال حواسيبهم.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً