أصحاب الفؤوس

زكريا تامر- القدس العربي:

06qpt998 هوايتي القتل: بلغ الملك من العمر عتياً، ولم يكن لديه سوى ابن واحد، وقد راجت في البلاد شائعات مفادها أن الملك ينوي تعيين سيافه الشاب الشرس ولياً للعهد، فسارت مظاهرات غاضبة ترجو الملك أن يورث ابنه، وقال الملك للوفد الذي أتى لمقابلته ممثلاً للمتظاهرين : ابني محروم نعمة السمع.
فقال الوفد للملك إن من لا يسمع في هذا الزمان خير ممن يسمع.
قال الملك : وابني محروم نعمة البصر.
قال الوفد للملك إن نعمة البصر تحولت الآن نقمة.
قال الملك : وابني محروم نعمة التكلم.
قال الوفد للملك إن الكلام من فضة والسكوت من ذهب.
قال الملك : وابني يعاني نقصاناً في العقل.
فقال الوفد للملك إن الكمال هو لله وحده.
ومات الملك، وحل ابنه محله، وتألفت في ما حوله لجان ترافقه حيثما حل : تألفت لجنة لترجمة حركات يديه وقدميه وتحويلها قوانين وأوامر، وتألفت لجنة أخرى لترجمة حركات شفتيه إلى توجيهات ملكية كفيلة بنشر ما يشبه العدل.
وعاش المواطنون كما تعودوا أن يعيشوا من قبل، ولكنهم اكتشفوا أن الملك الراحل كان قد خدعهم ولم يكن صادقاً، ولم يخبرهم أن ابنه يهوى القتل ويستمتع به.

حين يسكر الفقراء

استولى الضجر على أحد الملوك، فتنكر في ثياب الفقراء، وانطلق يجوب في طرقات المدينة حتى بلغ الأزقة التي يحيا فيها الفقراء، وهناك استرعى انتباهه أناس يتحلقون حول رجل سكران يرتدي ملابس عتيقة مهترئة، ويترنح يمنة ويسرة وهو يصيح : أنا الملك، فمن له مطلب يرجو الفوز به فليتقدم ويتكلم.
فدنا من السكير كهل وضع يديه على بطنه، وقال بلهجة متباكية : سأموت جوعاً، ولا أملك ما أشتري به رغيف خبز.
فخلع السكير فردة حذائه، وقدمها للكهل وهو يقول : خذ.. ها أنذا أمنحك نصف مملكتي.
فضجّ الناس بالضحك، ورجع الملك إلى القصر وقد فارقه ضجره، وأصدر أمراً يحظر على الفقراء شرب الخمرة.

الملكة التي نظفت شعبها

كانت إحدى الملكات مطيعة لأبيها الذي ورثت عنه المُلْك، وعملت بنصائحه المحذرة بأن أي خصم لها لا تكتفي بقتله فحسب بل تقتل أيضاً أسرته وأقاربه وجيرانه وأصدقائه ومعارفه، فتكاثرت القبور، ولكنها ظلت أقل عدداً من جثث المطرودين من الحياة تنفيذاً لأمر ملكي صارم.
وكانت الملكة ذا قلب رقيق، تدمع عيناها لحظة تسمع صوتاً عذباً ينشد أغنية حزينة، ولا ينسى الناس يوم أجهشت بالبكاء تعاطفاً مع ولاويل طفل صغير السن ينادي أباه المحكوم بالإعدام، ولكنها لم توقف الإعدام، وأمرت رسامها الخاص بأن يرسم الطفل وهي تهديه وردة بيضاء.
وكانت الملكة تحبّ كلّ ما في مملكتها ما عدا الرجال والنساء والأطفال، وتفضل القطط وتخاطبها طوال ساعات بغير ضجر، ويطيب لها أن تتفرج عليها منقضة على عصافير صغيرة السن، وتضحك مغتبطة منتشية كأنها تشاهد مهرجين مهرة قادرين على انتزاع الضحكات من الموتى.
ولم تتزوج الملكة على الرغم من أنها كانت جميلة تمتلك فتنة تسحر الناظر إليها، ومطوقة بأمراء تشتهيهم أية إمرأة، ولكنها لم تكن تبالي بالرجال، ولا تحس بوجودهم كأنهم مجرد أصنام من خشب تزين حدائق قصورها.
وفجأة سيطر على الملكة حب غامض للنظافة، وتاقت إلى أن تكون بلادها أنظف بلاد في العالم، وفكرت في أساليب تتيح لها نيل ما تتوق إليه، وتنبهت إلى أن الطعام وطهوه هما السبب في تلك الجبال من القمامة المثيرة للإشمئزاز، فأمرت بمنع الطعام، وخيّرت شعبها بين أن يعيش بغير طعام نظيفاً وبين أن يرحل، ففضل شعبها الرحيل السريع تاركاً الملكة وطهاتها وحراسها يعيشون في بلاد لا مثيل لنظافتها.

فرحها المتأخر

مرض ملك عجوز مرضاً مميتاً لا يقهر، وتراءت له حياته قطاراً موشكاً على بلوغ محطته الأخيرة، فسارعت زوجته الشابة إلى شراء ثياب سود من تصميم أرقى دور الأزياء، وعاهدت زوجها على ارتدائها طوال ما تبقى لها من العمر.
واختار الملك قبراً تظلله الأشجار الغليظة الجذوع، وتولى بعض رجاله الاستيلاء عليه، وأعطوا مالكه الأصلي عظام أبيه وأجداده، ثم تولى أبرع المهندسين والعمال تجديد القبر حتى بات واسعاً مريحاً فخماً يليق بمن سيقيم به، فتنهد الملك بارتياح، وترقب الموت بغير خوف، ولكن الموت لم يأت، فاستغرب الملك تأخره غير المسوغ، وعجز عن تأويله، وهمّ بتكذيب نبؤات أطبائه، وتظاهرت زوجته بالفرح، ولكنها لم تستغرب ما حدث لاقتناع دمائها أن الحكام الشرسين الأجلاف القساة الصلفين يخيفون الموت أيضاً، ولم يتح لها أن تفرح بارتداء الثياب السود إلا بعد أن تجعد وجهها وترهل لحمها وانحنى ظهرها.

قمر الملك

نظر الملك ليلاً إلى أعلى، وسأل سيافه فجأة: ما هذا القرص الأبيض المستدير المثبت في قلب الظلمة وماذا يفعل؟
قال السياف: هذا اسمه القمر، ولا بد من أن مولانا رأى صوره في الكتب، ويحبه الشعراء والعشاق وسهار الليالي.
فامتعض الملك، وقال لسيافه : ولكن ما أعرفه هو أن الناس في بلادنا لا يحبون غير ملكهم.
فارتبك السياف واضطرب، فطلب الملك إليه أن يحدثه عن القمر، فقال السياف : هذا القمر غريب الأطوار، فهو مزيج من شجاع وجبان، ففي بعض الليالي يحس بالخوف من مولانا، فيصغر ويتحول هلالاً، ولكنه في ليال أخرى يصاب بالجنون ويفقد خوفه ويكبر ويعود قمراً وقح الضياء.
فتثاءب الملك وتمطى، وسأل سيافه: ماذا تقترح؟
فأجاب السياف: أقترح يا مولاي نسيانه، وإذا امتنع الناس عن رفع رؤوسهم والنظر إلى أعلى يصبح القمر غير موجود.
فأصدر الملك في اليوم التالي أمراً بأن يســــير المواطنون في الليل مطأطئي الرؤوس، فأطاع المواطنون أجمعون الأمر الملكي، وساروا مطأطئي الرؤوس في الليل، وساروا مطأطئي الرؤوس في النهار.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً