يارا صبري نجمة التغريبة الفلسطينية تواصل تغريبتها السورية

_22951_yar4إبراهيم الجبين ـ العرب: ما الذي بقي من سوريا التي نعرفها؟ بشبابها وشاباتها ومناخها الإنساني الحار الذي شاع بقوة إرادة المجتمع ورغبته في الحياة رغم كل شيء، كان الناس يعيشون فيما بينهم، يتبادلون الأدوار، ليصبح الممثل مشاهداً والمشاهد ممثلاً في دوامة تلك البلاد.

وكانت بين السوريين معاهدة عبر الشاشة، على أن ينقل الواقع إلى الدراما، وأن تستنسخ الدراما الواقع، وقد تصوّره في غالب الأحيان كما يرغب ويقرأ الكتاب والمنتجون بينما يُترك أمر الإنسان للممثل فيختار أسلوبه في صنع العلاقة مع الملايين، منهم من تعالى على الناس، ومنهم من ابتذل وبذل كل شيء ليحقق النجومية، بالتهريج والإغراء والجهد الجهيد، ولكن من بين هؤلاء وكما فعلت في مكان ما من العالم ميريل ستريب وجوليا روبرتس وميغ رايان كانت يارا صبري تشق طريقها إلى الناس بأدوات الناس ذاتها، وبلغة الناس وحميمية الناس، فصارت منهم سريعاً وحفظوا لها مكانها في الصف الأول في مراحلها كافة.

ما بقي من سوريا كثير، جسّدها أهلها في يومياتهم، دون أن يشوّش عليهم غبارٌ كثير تصاعد من وقع المعارك التي يشنها الأسد وعصاباته، ويشنها الظلاميون وجنونهم، في حربين على الشعب المدني الرائق، الذي خرجت منه يارا صبري ذات يوم، ومعها آخرون، اختاروا الفن وسيلة مقاومة، وجسر تواصل، ونحتاً عظيماً في الفراغ لواقع حلموا به، وكاد يتحقق.

ولدت يارا صبري في دمشق في بيت أكثر الممثلين السوريين جدية في تعاطيهم مع المهنة، مستغرقة في العزف المنفرد وتعلّم الموسيقى وسلالمها الطويلة التي لم تكن تأخذها إلى حلمها، ولكنها كانت تصعد بها نحو اللحظة التي هي عليها الآن، ونحو كل لحظة استطاعت فيها أن تصدّق الدور الذي تؤديه على الشاشة، وكأنه ليس تمثيلاً ولا كذباً جميلاً متفقاً عليه.

شجرة النارنج

مبتعدة عن الموسيقى تلقت يارا صبري من والدتها الممثلة القديرة ثناء دبسي وعداً بالتمثيل لأول مرة كمكافأة لها على اجتياز امتحانات الثانوية، فسارعت إلى التمثيل على أنه هدية لطفلة لا على أنه احتراف، لتصبح صبية شجرة النارنج علامة فارقة في أذهان المشاهدين لم ينسوها بعدها، في مسلسل من إخراج والدها الفنان القدير سليم صبري في العام 1989. ثم بدأت يارا صبري تترك أثراً يبحث عنه المشاهدون والمخرجون معاً، في الأعمال الاجتماعية التي ناقشت حياة الناس ويومياتهم وهمومهم وكذلك أحلامهم، فصنعت لنفسها صورة الفتاة الطيبة المحبوبة المختلفة، والتي تتخذ مكانها في زاوية المشهد لتبثّ إشعاعها من مكان صغير يطغى على النجوم المكرّسين مستعملاً بطء الإشارة وهدوء الإحساس، لتتجاوز أعمالها الخمسين عملاً تلفزيونياً نجحت فيها كلّها في مغامرة العلاقة مع الإنسان.

المرأة في الدراما

في الوقت الذي بات من قواعد العمل الفني المعتمدة عالمياً، أن تتضمن شخصية الفنان جانباً من التأثيرات المستعارة، والمراد منها جلب المشاهد من ياقته بتحريك غرائزه، رفضت يارا صبري هذا المبدأ، مصرة على استعمال أصعب الطرق في كسب ودّ المشاهد، بالوصول إلى قلبه وعقله، وبأن تكون واحدة من الناس، بدلاً عن أن تعرض كالدمى في الواجهات، تقول: ” في حال كان دوري يحتاج للإثارة فيحل بالإيحاء ويمكن أن يصل للمشاهد ويقنعه”. كانت تعلم منذ البداية أن هذا الجهاز السحري الملون الذي يدخل بيوت الناس، عليه أن ينقل لهم ما يشبه حياتهم، دون أن يخدش حساسيتهم وثوابتهم وقيمهم، وتلك الخطوط الرفيعة الشفافة من أرواح الناس، فهو كما ترى يارا صبري “التلفزيون حساس ويدخل البيوت دون استئذان، وعلينا مراعاة مشاعر وعادات مجتمعاتنا وهو بعكس السينما التي يمكن للمشاهد معها اختيار الفيلم الذي يناسبه”.

هجرة الفنانين

أراد جيل يارا صبري أن يسرع الخطوات، معتمداً كثرة الإنتاج وقبول كل شيء، ولكن يارا صبري كانت قد قرّرت تغيير قواعد اللعبة، فلم يعد يروق لها تكرار الصورة النمطية التي وضعت فيها، فأرادت الخيارات الصعبة من جديد، مواصلة العمل على المجتمع والإنسان، وتحقيق التغيير في التحديات كل مرة بتعريض ذاتها لمختبرات جديدة، وشخصيات جديدة في الوقت ذاته، متمسكة بالبقاء في سوريا، أرض التجريب المالحة الخصبة في آن معاً، ولم تقبل الانتقال إلى بلاد أخرى لعرض موهبتها، بقناعة نادرة، قالت عن هجرة الفنانين السوريين إلى الدراما المصرية: ” ليس لديّ الطموح للعمل في الدراما المصرية”، واعتذرت عن العمل في مسلسل مصري ببطولة مشتركة مع الفنانة المصرية نبيلة عبيد معللة ذلك بالقول ” لم يغرني الدور لأنه لن يحقق لي أكثر مما حققته هنا في الدراما السورية”.

جائزة أفضل ممثلة سورية

حصلت يارا صبري على جائزة أفضل ممثلة سورية عن دورها في المسلسل الخالد للمخرج السوري الكبير حاتم علي “التغريبة الفلسطينية” والذي كان نشيداً طويلاً أليماً للرحلة الفلسطينية من الزيتون والأرض السلام، إلى الاغتراب والحروب والمنافي والمخيمات، فكان دورها “أم صالح” زوجة القائد “أبو صالح” دوراً خلاباً لا يمكن نسيانه، وسط براعة أداء عدد كبير من الممثلين الكبار، كانت هي القصة مختزلة في امرأة قليلة الكلام كثيفة التأثير.

وتتالت الأعمال التي واصلت فيها يارا صبري هدوءها، ودرسها لمن سيصبحون مادتها الكبرى بعد العام 2011، السوريين أنفسهم، فكانت في مسلسل “الانتظار” أقرب إلى المرأة السورية المنتهبة ما بين الحب والأسرة واحتياجات الحياة والحارة والأطفال ببساطة المشاعر ودقة تفاصيلها، ثم اتخذت شخصية “هنادي” في “تخت شرقي” صيغة الفتاة القوية الهشة معاً، الواضحة والمركّبة، التي وصلت إلى دمشق من الريف لتستقر فيها للدراسة في الجامعة، لتأخذها الحياة وتسرق منها العمر سريعاً، وهي شخصية كثيراً ما تصادفك في دمشق، قادمون من البعيد طحنتهم دوامة الشام بسحرها فنسوا أنفسهم فيها.

قبل ذلك كان حضور يارا صبري لافتاً في “الفصول الأربعة” و”ذكريات الزمن القادم” و”عصي الدمع″ ثم في “الحصرم الشامي” حين أدّت دور فهدية الندابة، وكذلك في “جلسات نسائية”، لتدخل كل مرة في طور جديد أخذها حيناً نحو الكتابة الدرامية في أعمال مختلفة مثل مسلسل “قيود عائلية”، الذي رأت أنه ينير حياة الناس الذين لديهم أطفال يعانون من الإعاقة الذهنية، مع طفل خلق هكذا في مجتمع معقد، ولوالد غير مبالٍ، وهي التي طالما قالت إن الدراما ليس من مهماتها معالجة مشكلات المجتمع بقدر ما تسلّط الضوء عليها وتضيء جوانب فيها تختفي التعقيدات.

أطفال درعا

لم تتردد يارا صبري في رجّ جدار الخوف السميك الذي أطبق على السوريين، فكانت أولى الموقعات والموقعين على بيان طالب بإدخال المساعدات الغذائية إلى درعا في ظل حصار جيش الأسد لها، مع بدء الثورة السورية، وتعرضت إثر ذلك للتهديد المباشر، وطلب منها أن تظهر على شاشة تلفزيون النظام السوري من دمشق للتراجع، ولكنها ظهرت متمسكة بموقفها، متعالية على الأسلوب الذي تم التعامل به مع المثقفين الذين طالبوا بأبسط ما يمكن من أجل الأطفال والنساء والمدنيين، وترحموا على الشهداء وأبنائهم، وأصرّت على أن تصورها الكاميرات من دون أية مساحيق تجميل في إعلان بصري صارخ عن الحداد على من قتلهم الأسد وشبّيحته في درعا والشوارع السورية حتى ذك الوقت، فكانت تلك بداية الطريق.

التزمت الصمت برهة، واستجمعت ذاتها من جديد، ” لن أقوم بأي حديث صحفي لأية وسيلة إعلامية كانت لأن التواصل الحقيقي هو عبر التواصل مع معاناة الناس وأهالي المعتقلين شخصيا ومساعدتهم واقعيا وليس عبر الإعلام وأنا لا أريد أن تستثمر هذه الحالة الإنسانية في الإعلام حرصا مني على معاناة الناس ومشاعرهم”، فبدأت ماكينات الاستبداد عملها في محاولة تهديم صورة تعبت يارا صبري في بنائها مع السوريين والعرب على امتداد العالم العربي، فلم تستدرج إلى دوامة الجنون التي ابتلعت كثيرين، وقاومت كل تلك التأثيرات، محتفظةً بموقفها الثابت الذي رسمته لنفسها، وسيظهر بعد قليل بالصورة التي جعلت مسارها الثوري منسجماً مع مسارها الفني والإنساني السابق، فلم تقطع خطّاً، بل ربطت ضفيرتين قويتين لتواصل شخصيتها ذاتها، من الباب ذاته… الإنسان.

باص المعتقلين

رحلت مع أسرتها وزوجها الفنان والمخرج ماهر صليبي عن مدينتها دمشق، إلى دولة الإمارات، مبتعدة عن مناخ الكراهية الوحشي السائد هناك، ولأنها عرفت أن الطريق طويلة، وتضاريسها صعبة، اخترعت لها يارا صبري حافلة للمسافات الطويلة، سمّتها “باص الحرية” وفي ذلك الباص، كما يسمى في سوريا، مرّ آلاف المعتقلين، في طريقهم إلى الحرية تارة وإلى المجهول تارة أخرى، حوّلت يارا صبري نفسها واسمها إلى مؤسسة لنجدة المعتقلين وتبادل أخبارهم ما بين أهاليهم في الخارج وبين العائدين منهم من السجون، وفي أحيان كثيرة كانت تنقل ما يحدث داخل تلك المعتقلات السادية، نساء وأطفال وشباب عبروا في حافلة يارا صبري، فحمل لها ناشطو الثورة والناس العاديون، أصل الحكاية، جهدها النبيل، الذي شاءت ألا تخلطه بالسياسة والعمل الثوري في المحافل والمؤتمرات، ولكن أليست عين السياسة في شغل الناس وهمومهم وأحلامهم بالحرية المباشرة خلف القضبان وعلى جانبي تلك القضبان، في السجون المعتمة وفي سوريا السجن الكبير.

بدنياهم.. بدنا الكل

أصبحت تلك الجملة شعاراً لصيقاً بيارا صبري، يختصر كل شيء، ويوحّد كل القلوب، كانت ولم تزل تريد الكل، كل من تم اختطافهم، على يد “العفاريت السود” وأولئك الذين سمّتهم “العفاريت الزرق” سواء من النظام أو من المتطرفين، فكان التعبير الإنساني ذاته الذي ألفته وألفه الناس في وجهها ولغتها في الدراما، هو ذاته اللغة السرية التي تتكشف بساطتها عن تعقيدات المشهد السوري كلّه، فيفهمها البسطاء من أبناء الأرياف والضواحي والقرى والمدن الصغيرة، ساكنو الخيام والملاجئ والمشردون.

حملة يارا صبري الإنسانية المفتوحة على وسائل التواصل الاجتماعي، تغني عن عمل كثير من المنظمات ذات الكوادر والميزانيات العملاقة، فهي وحدها، بفريقها المكوّن من ملايين السوريين، الضحايا أنفسهم تتمكن كل مرة من نقل خبر من سجين إلى أهله، أو من معتقلة إلى أولادها، أو من تحديد الزنزانة التي لا يعلم من في الخارج من تضم، ولا هل ذهب أبناؤهم إليها أم إلى سواها من المعتقلات العديدة في سوريا.

أخبار مفرحة يحملها باص يارا صبري ذو الهدير الخفيض، نقلت أن مؤسس الجيش الحر المقدّم حسين هرموش ما يزال حياً في سجن صيدنايا في المبنى الأحمر، ونقلت أخباراً ردّدها المعتقلون عن الأب باولو دالوليو المغيّب منذ أشهر، وعن آخرين كثر التقطوا أنفاسهم بوصول معلومات عن مفقوديهم من يارا صبري ابنة الشعب، واليوم يكفي أن يحمل البسطاء والمظلومون صورة أحد أبنائهم مع اسمه وعمره وتوقيت اختفائه، ويرسلوها إلى يارا صبري كي تخلق لهم أملاً بالعثور عليه.

تكمل يارا صبري بطولتها في التغريبة السورية أيضاً كما فعلت في تغريبة الفلسطينيين، ضماناً رائقاً رفيع الطراز لجيل من السوريين رأى التغيير ممكناً بالتأثير بكل صورة متحضرة ممكنة

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً