من فلسطين الجريحة إلى سوريا المدمّرة

Tayeb_tzenuuuforد. طيب تيزيني ـ الاتحاد: أية مقارنة هي هذه التي نأتي عليها الآن، وأية مفارقة هي هذه التي نذكرها الآن بين مناسبتين اثنتين ونعيشها: ستة وستون عاماً عشناها بعد أن كانت سوريا قد حققت استقلالها الوطني من الاستعمار الفرنسي بمثابتها أول بلد في العالم حقق استقلاله ودخل في عصر العالم المستقل وطنياً. لقد جاء الاستقلال هذا ليقدم أدلة قطعية ناصعة على أمرين اثنين: أولهما أن شعوب العالم كله قادرة على تحقيق حقوقها وإرادتها.

أما الأمر الثاني، فيتمثل في أن الشعب السوري مثله مثل الشعوب الأخرى العربية والأخرى في العالم كله، بما فيها الأوروبية والأميركية، يملك حقوقه كاملة مما يعني أن التحفظات التي أطلقها بعض هؤلاء على العرب والأفريقيين والهنود وغيرهم والقائلة بأن هؤلاء جميعاً يملكون حقوقاً من حيث الأساس الطبيعي ينبغي إعادة النظر فيها وفي تواريخهم الاجتماعية والاقتصادية وغيرها لأن في ذلك افتئاتاً لتغيير «ما هو طبيعي ثابت». ذلك الخطاب القائم على فكرة الثابت في السابق واللاحق هو خطاب استشرافي نشأ في مرحلة الاستعمار الرأسمالي، وظل قائماً بزعم أنه أبدى أبدية الأعراق والإثنيات المطلقة. على هذا النحو، نجد أنفسنا أمام سؤال عريق عراقة من أسس له في العصور الحديثة، وهو من ثم زائف ملفّق، ويتطلب منا أن نضع مكانة سؤال التاريخ ها هنا سيبرز السؤال التاريخي، ويظهر هنا بالصيغة التالية: لماذا، إذن، يصر البعض أو الكثير في العالم الثالث، والوطن العربي منه بما في ذلك سوريا التي نتحدث عنها الآن، لماذا العودة إلى سؤال الطوائف والأعراق الثابتة مجدداً في المرحلة التي نعيشها؟ سوى نغامر ونطلق الجواب التالي على ذلك السؤال فنقول: إن التطور التاريخي المجتمعي ليس ذا بعد واحد ولا ذا أفق واحد، مستقيماً غير مُموّج: إنه يمثل بنية مركّبة معقدة قد تسلك مسارات متعددة يصبح أضعفها في التطور التاريخي أكثرها بلادة وتخلفاً وقابلية للاضطراب والتعليق والانكفاء إلى الوراء تحت قبضة الماسكين بمصائر السلطة والثروة والإعلام والمرجعية المجتمعية.

لقد حققت سوريا استقلالها عن فرنسا وعكفت منذئذ على تأسيس مشروعها السياسي الثقافي عام 1946، وبدأت فلسطين تعيش أحد أشكال إنتاج الاستعمار الرأسمالي الأكثر إجراماً وظلماء ممثلاً بالوافد الصهيوني الجديد إليها. وبدأ العد التنازلي بظهور الكيان الصهيوني في فلسطين، وبدأ مع هذا التحول البشري العرقي الصهيوني ظهور مَنْ راح يزعم بأن فلسطين هي موطن من لا وطن له (اليهود)، وبأن الشعب الفلسطيني هو عبارة عن «لُمامة تاريخية» استحوذت على فلسطين، وحدث التحول الكبير الضعيف، نشوء الصراع التاريخي بين الفلسطينيين والصهيونيين، وراحت تترسخ في الحياة العربية والضمير العربي ما اعتُبر – وهو كذلك – قضية العرب الأولى المركزية: تحرير فلسطين من الدخلاء فيها، الإسرائيليين اليهود الوافدين من بقاع شتى في العالم.

وإذ كان التناقض الكبير قد نشأ عربياً بين المشروع الصهيوني والمشروع العربي في أوائل القرن العشرين، فإننا نضع يدنا على ما يعتبره أو ما سيعتبره البعض بديلاً عن ذلك، وهو الصراع في البلدان العربية بهدف تفتيتها وتقسيمها، بالنهاية بين الطوائف بروح طائفية تحمل شعار تقسيم العالم العربي إلى بؤر طائفية تضعها المحاور العالمية الكبرى موضع التأسيس لكانتونات تستجيب لجوهر النظام العالمي الجديد القائم أساساً على تحويل الشركات العملاقة إلى «أوطان»، وهذه يقف على رأسها أرباب المال والسلطة الطائفية.

كان أجيال السوريين في مشروعهم ما بعد الاستقلال يسعون إلى تأسيس وتنمية وطن يختزن الحياة الجديدة المتدفقة تنمية وتطويراً وتنويعاً في إطار ما يقترب من ثنائية الوحدة والتأخر. لقد سقط المشروع العربي مجدداً ومجدداً، وتحول الإصلاح والنهوض والتقدم كوابيس تهاجم النزوع الشمولي والاستفرادي والتقسيمي، وإلا ما الذي يعمله الاتجاه إلى الكانتونات الطائفية المتفردة.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً