حرب وغربة

 رندلى- بناة المستقبل ع7 / 4 – 2014

Untitled13

حرب ليست كلمة عابرة، عندما نقول حرب أي قتل بشر وأحلام، حرمان من الحياة والطموح؛ في الحرب فقط من لديه المال يستطيع الهرب، في الحرب فقط من لديه حب يملك الأمل، في الحرب فقط من لديه قوة الإرادة يمكنه الاستمرار في الحياة….

دمشق مسرح الحمراء 2011:

على خشبة هذا المسرح أديت دور طفلة فلسطينية من غزة تستشهد صديقتها وهما عائدتان من المدرسة.

كان دور يتطلب جهد لأنه بحاجة لمشاعر حساسة وروح إنسانية وقراءة النص مع تخيل المشهد، وليس كأنه خبر عادي أو نص مسرحي عابر، في إحدى العروض بكيت وأنا على خشبة المسرح وكأن الحرب سرقت صديقتي مني، أخبرني أحد العاملين يومها في غرفة الكونترول أن هناك سيدتان انهارتا من البكاء وخرجتا بعد انتهاء المشهد، حتى أنا صعب علي يومها التوقف عن البكاء فقدان أحد الأحباء أو الأصدقاء ليس بالأمر السهل.

سوريا الثورة:

مع بدء الحراك الثوري في سوريا وتتابع الأحداث، أخذت وقتاً طويلاً لإدراك أنها حرب أو بدأت تأخذ شكل حرب أنا لا أحلل سياسياً يكفي وجود السلاح، والدمار، والقتل لإثبات أنها حرب.

لا يمكنك الشعور بكارثة الحرب إلا عندما تعيشها، بعد حادثة خلية الأزمة في دمشق بدء تصاعد العمل الأمني والعسكري فيها، عند قصف النظام منطقة التضامن وريف دمشق، بزغت حركة اللجوء من ريف دمشق إليها.
تطوعت للعمل بالإغاثة في إحدى المدارس في مخيم جرمانا، هنا تكتشف أن السوري أصبح غريباً في وطنه، خرج من بيته مجبوراً بسبب أخيه، فقد أحد أفراد عائلته بسبب أخيه، هو الآن مشرداً لا سكن ولاعمل ولا استقرار. في بادئ الأمر الجميع ظنها فترة قصيرة يوم أو اثنان ويعودون البعض انتظر جيشه الباسل ليعيده إلى بيته بأمان والآخر انتظر الجيش الحر لينصره.

إن من يجول في هذه المدرسة هو المضحك المبكي تسأل الأهالي إلى ما يحتاجون؟ بعضهم لم يدرك بعد أنه خرج من منزله فيرد: أن لا أحتاج شيئاً فهي عدة أيام وسوف نعود.
وتسأل الآخر إلى ما تحتاج؟ يقول : أريد قليل من الطعام، وبعض اللوازم لابني الرضيع والدواء لأمي العجوز.

أما المضحك المبكي هو ذلك الذي تسأله ويجاوب: تهجير وتهجرنا ولم يبقى لنا إلا القليل من الكرامة لنحافظ عليها ….هل يوجد أركيلة هنا؟؟.

لم أعمل فترة طويلة في الإغاثة بسبب كثرة تطوع الناشطين للعمل فيها، فور هذه الحادثة تغيرت طبيعة الحياة في الشام حواجز في كل شارع، ترى السلاح وكأنه شيء طبيعي كرؤية كيس من القمامة في الشارع.
بعد الضغط الكبير الذي أصبح في الشام ومن عدة نواحي أصبح العيش فيها كالاختناق الذي يفارق المرء عندما يتركه حبيبه، لا يمكن لأحد مداواته ولا رؤوياه، في صيف 2013 خرجت من سوريا طوعاً لكن مجبرا نفسياً.
صيف 2013 القاهرة:

هنا انطلقت رحلة الغربة وأخذت المعاناة في البدء، في الفترة الأولى كان الأمر عادياً لم أشعر بأن شيء تغير سوى مكان إقامتي لكن حينما تباشر لتستقر بهذا المكان تواجهك الصعوبات ليس لأن الحياة كذلك لا! فقط لأنك سوري، وتبدأ من الانتظار لحصولك على الكرت للأصفر “من أجل ضمان عدم الترحيل، وهذا الكرت تابع للمفوضية العليا للاجئين” إلى إنهاء تسجيلك في إحدى المدارس، وكما في اللهجة السورية (ما في هون غير خدني جيتك) لإنهاء أوراق التسجيل ومعادلة العلامات التي لا تنتهي.

ومحاولات التأقلم ضمن مجتمع جديد منهم الطيب والفظ وعادات تختلف عن المجتمع السوري كخروج إمراة لوحدها في الشارع لا ترتدي حجاباً قد تتعرض للتحرش، في كثير من الأحيان لم أكن أذهب إلى المدرسة لهذا السبب، كانت مدة دوامي في المدرسة 6 ساعات وعند إنتهاءه أذهب إلى أقرب مقهى سوري لكي أرى وجوه سوريّا، أتكلم مع أشخاص يفهمون لكنتي لا يستغريبون تصرفاتي، وكأني أستعيد روحي قبل العودة إلى المنزل.
ألمانيا 2014:

نعم! هنا الحياة أقل صخباً، هي تنظمك لست أنت من ينظمها، لا تظلمك تعطيك وتعطيها.

للسوري هنا كرامةٌ واستقرار أكثر من وطننا العربي، الذي تربينا في مدارسنا ورعرعونا على حبه والاعتزاز به وفي النهاية ظهر أنها مجرد كذبة أو قصة خيالية تختفي عند الانتهاء من قراءة الدرس.

مهما كانت الظروف مريحة والحياة ثابتة إلا أن الشوق لا ينتهي ولا يعرف حدود من الممكن أن تأخذك الذاكرة إلى مرحلة الروضة انتهاءً بلحظة الخروج من سوريا.

حظيت بفرصة تعلم اللغة الألمانية التي لم أكن أتخيل يوماً أنني سوف أفكر بتعلم أو ربما اضطر إلى ذلك، وتمكنت من متابعت نشاطي في رقص الباليه الذي حرمت منه في آخر سنة لي في سوريا، أنني أطمح وأعمل لكي أعود إلى بلدي ولدي ما أقدمه له مما حصلت في غربتي التي لا أعرف إلى متى ستمتد؟ ومتى تنتهي؟؟

شاهد أيضاً

رندة تقي الدين: الأسد لخدمة بوتين

  رندة تقي الدين – الحياة زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سورية يوم الإثنين، للاحتفال …

اترك تعليقاً