د. خطار أبودياب: منعطف معركة حلب في الملحمة السورية الكبرى  

1خطار-أبو-دياب-1

 

 د. خطار أبودياب- مجلة رؤية سورية ع 34/ اب 2016م

قبل مغادرته منصبه على رأس الدبلوماسية الفرنسية ، في فبراير الماضي ، لم يفوت لوران فابيوس الفرصة وقالها بالفم الملآن : “لا أعتقد أن نهاية فترة ولاية السيد أوباما ستدفعه للتحرك بالقدر الذي يعلنه وزيره جون كيري” وقال : “هناك أقوال لكن الأفعال تختلف ومن الواضح أن الإيرانيين والروس يستشعرون ذلك، الغموض يساهم في تدهور الوضع”. واستنتج فابيوس: “عندما  نجمع وحشية الأسد وتواطؤ روسيا وإيران والغموض السياسي يكون الناتج المأساة التي تحدث في حلب”. لكن من قلب المأساة  من بلد  يعيش ما يشبه ” يوم الحشر” مع تفاقم التغريبة السورية والفرز السكاني الخبيث ، يستمر الصمود في الملحمة السورية الكبرى من داريا ” ستالينغراد سوريا ” الى الأمهات والأطفال في مخيمات النزوح والى الشباب المقاتل  على كل الجبهات . أمام حرب اقليمية – عالمية واستخدام فزاعة الاٍرهاب وكل انواع العنف، فاجأ الشعب السوري العالم وأربك حسابات كل اللاعبين   

منذ بدايات ٢٠١٦ ، شكلت  معركة حلب منعطفا في مسار النزاع السوري ومن الواضح   السعي المحموم لتكبيد المعارضة السورية هزيمة عسكرية نكراء من قبل الحلف الروسي –الإيراني الذي عمل بكل قواه لحصار حلب أو إسقاطها، وكذلك اغلاق الحدود مع تركيا . من الناحية النظرية تستنكر واشنطن هذا التأجيج الروسي للنزاع، لكن  التقاطع النسبي بين الموقفين الأمريكي والروسي في اكثر من محطة يدفعنا للشك بتوافقات على حساب القوى المعارضة  . في مطلق الأحوال لا يمكن للمراقب والمتتبع إلا استنتاج تسليم واشنطن بالدور الريادي لموسكو وذلك منذ حقبة الصفقة حول السلاح الكيميائي في سبتمبر 2013 ، والذي تأكد أيضا من ردة الفعل الخجولة جدا حيال التدخل العسكري الروسي الكثيف اعتبارا من صيف 2015 ، ومن أدلة ” التواطؤ” أو ” التخلي ” منع القوى الإقليمية من تزويدها بسلاح نوعي تحت طائلة التهويل بردة  فعل روسية جارفة، او التهديد بوضع أسماء هذه الدول على اللائحة السوداء لداعمي الإرهاب. 

على مدار السنوات الماضية أسقط النزاع السوري صدقية الولايات المتحدة الامريكية لناحية عدم احترام أوباما لخطوطه الحمر ، ولتضحيته بالشعب السوري على مذبح أولوياته في المصالحة مع إيران ومجاراة إسرائيل. من خلال تهميش تركيا والاستثمار في الضعف العربي برز أيضا احتقار أوباما لثورة الشعب السوري خاصة مع التركيز على فزاعة وتهديد ” داعش” ، وإهمال الجوانب الأخلاقية والإنسانية والسياسية لإرتكابات النظام لجهة حصاده في القتل والتعذيب والتجويع والحصار . على مر سنوات الصراع يتبين انه مقابل الحلف الحديدي لداعمي النظام او الاوصياء عليه، لم يكن الجناح الأجنبي لمجموعة ما سمي أصدقاء سوريا إلا الغطاء للسيطرة على القرار تحت حجة الدعم اليسير او النادر. ومما لا شك فيه ان اللاعب الأمريكي كان مايسترو الاحتواء والإدارة الماكيافيلية للملف السوري، أما اللاعبين الأوروبيين باستثناء اللاعبين  البريطاني الفرنسي ( ارتكبا أخطاء في التقييم والأداء، لكنهما  حافظا على موقف متماسك وقوي ضد رأس النظام) فتميزوا بارتهانهم للقرار الأمريكي بالرغم من ان أزمة اللاجئين حولت الازمة السورية إلى أزمة أوروبية، وبالرغم من ضرب الإرهاب للقارة القديمة و انتقال  شظايا  بركان الشرق الأوسط القريب إليها. 

لم تنجح الدبلوماسية الامريكية في لجم الاندفاعة الروسية نحو محاولة الحسم ، وتهاوت خيارات كيري وانكسرت  على صخرة عناد لافروف ورئيسه القيصر الجديد.

 تذكرنا  حلب 2016 بميونيخ عشية الحرب العالمية الثانية . حينها  كانت التوازنات دقيقة وهشة في اوروبا وتبلور  اتفاق ميونيخ في 29 سبتمبر 1938 ، بين  الفوهرر هتلر والانجليزي تشامبرلين والفرنسي  دالادييه والدوتشي  موسوليني على  نقل مقاطعة السوديت الى المانيا وبداية الاستسلام  امام النازية ، ولازم ذلك مباركة غير مباشرة من  ستالين الذي انبرى للعمل مع الالمان في بولندا. ازاء كل ذلك كانت صرخة ونستون تشرشل : ” لقد اخترتم تفادي الحرب مع تحمل وصمة العار، لكن سيتملككم  الخزي وستواجهون الحرب” ..وصحت النبوءة وكانت الحرب . اليوم تبدو الظروف مختلفة، لكن هذا التهاون امام الحلف  الروسي – الإيراني – الأسدي يعني ان هناك من لم يستفد من دروس ميونيخ القرن العشرين، وانه لا يوجد تشرشل غربي حاليا، وان معركة حلب كان مقدرا لها بهمة السيد كيري ورئيسه في البيت الأبيض ، ان تؤدي أما الى سحق حركة الشعب السوري، أو تكون مدخلا الى نزاع أوسع. الا ان الهجوم المضاد للمعارضة في الأسابيع الاخيرة عطل الرهانات العدوة .  

على هذه الأرض في شمال سوريا تزدحم مصالح وأطماع وحقوق ومصائر. يتمثل الفارق الكبير عن صراعات القرن العشرين بالوجودين الإضافيين  الروسي والإيراني، لكن عامل التشابه يكمن في الدور الكردي . في تلك المرحلة أطاح أتاتورك بحلم الكرد ، وهذه المرة يبرز الصراع مع اردوغان ويحمل زخما من التحدي وقسطا من المجهول على المدى المتوسط. أما بالنسبة لسوريا فكل السيناريوهات حول إعادة سيطرة النظام او تركيب سوريا المفيدة غرب طريق دمشق – حلب، أو التقسيم، او الشكل الاتحادي ، تبدو مرهونة بتطورات الصراع المفتوح .

 

حلب 2016 يمكن اذا ان تشبه   ساراييفو   1914   عشية الحرب العالمية الأولى . 

حلب 2016 يمكن  ان تشبه كذلك دمشق 1920 حينما انتهت الثورة العربية الكبرى. ألم يحذر الراحل محمود درويش من   السقوط العربي حينما  توقع أن ” ندعو لأندلسٍ إن حُوصرتْ حَلَبُ”

 

Unbe

م

 

شاهد أيضاً

عمر قدور: ما الذي نعرفه عن عسكرة الثورة السورية؟

  عمر قدور – الحياة لعل الجدل الوحيد الذي علا ضجيجه في ما خص الخيار …