سورية والخيارات الصعبة

د. رياض نعسان أغا- الاتحاد:
لم تواجه سوريا عبر تاريخها الحديث أصعب مما تواجهه اليوم من خيارات صعبة، وأحسب أن بعض السوريين المعارضين سيلومونني إن قلت إن الثورة السورية كانت ورطة كبرى، لكنها ولدت عفوية دون خطة ودون برمجة، متأثرة بالعدوى من رياح وعواصف ما سمي «الربيع العربي»، ولم يعد مجدياً أن نقول «لو» أن الأسد استجاب لمطالب المتظاهرين بإصلاح النظام لما وصلنا إلى هذا الدمار، ولكن السؤال الصعب: هل يمكن أن يصل السوريون بعد كل هذا الدمار المريع والقتل الفظيع إلى حلول وسطى على الأقل وقد بات غير مؤكد أنهم سيحققون ما كانوا يحلمون به؟
والسوريون اليوم عامة يتطلعون إلى مؤتمر جنيف 2 بين يائس ومتفائل ومشكك، ولكن الغالبية ترجو أن يجيء بحل، ولن أنكر أنني من القابلين بالمؤتمر، ومن المتطلعين إلى حل سياسي وإلى وقف القتال بعد أن صار حرباً عبثية لا فائدة منها سوى المزيد من الدمار والقتل والتشريد؟
ولكن الخوف العام هو أن يكون مؤتمر جنيف مناسبة دولية لإعلان انتصار النظام على الشعب كما تريد إيران وروسيا اللتان تحكمان دمشق اليوم، وإعادته إلى حظيرة الطاعة وهذا أمر غير معقول، وإن حدث فإن سوريا ستشهد مذابح جماعية لكل من خرج في مظاهرة أو تفوه بكلمة «حرية أو كرامة» فما بالكم بمن انتظموا مع الجيش الحر الذي هو محكوم بالإعدام من قبل النظام، فضلاً عن السياسيين الذين انضموا إلى المعارضة وهم متهمون من قبل النظام بأنهم «إرهابيون»!
وقد يقول قائل: لا يعقل أن يحاكم النظام كل من خرج عليه بعد مصالحة في جنيف، فهم يعدون أكثر من عشرين مليون مواطن وقفوا ضد النظام وحلوله الدموية، وحتى من هم مؤيدون في الداخل يعرف النظام أنهم يؤيدونه خوفاً وتقية، وهم يخشون أن يصنفوا مع الثوار وبعضهم تورط بدم أو هدد به، وعدا عن الملتحمين بالنظام التحاماً عصبياً أو طائفياً يندر أن تجد أحداً يبارك تدمير حلب وحمص ودرعا وبقية المدن والبلدات التي هدمت وصارت ركاماً من الأنقاض، وتشريد تسعة ملايين مواطن من أهل سوريا وتعريضهم لذل النزوح وذل الهجرة، فضلاً عن مئات الآلاف من الشهداء، وفنون التعذيب المريعة التي يتعرض لها المعتقلون ولا أحد يعرف أعدادهم ومَن المفقودون منهم ومن الذين قضوا، والتقديرات تقول إنهم مئات الآلاف؟
هذه بعض أسباب الحذر من أن يكون مؤتمر جنيف فخاً ترسمه الدول الكبرى الداعمة للنظام، والمفجع أن المؤتمر خطة روسية أصلاً، وهي التي أعلن وزير خارجيتها أنها لن تسمح لأهل السنة بأن يصلوا إلى الحكم.
وقد كان مخيباً لآمال السوريين أن يظهر الروس والأميركان متحالفين متوافقين، وقد ارتاح البلدان حين بدأ تدمير الأسلحة الكيماوية، ولا ندري أية أسلحة سيتم تدميرها بعدها، فالمهم إرضاء حليفتهم المشتركة إسرائيل وتحقيق هدفها الذي جاءها نعمة لم تكن تحلم بمثلها، وهي أن تكون سوريا دولة فاشلة محطمة، تحتاج إلى عقود كي تلملم جراحها، تماماً كما هو العراق اليوم.
وأخطر الخيارات المطروحة على السوريين لكسب الدعم الدولي القوي هو الدخول في حرب داخلية لا يعلم إلا الله مداها ضد الحركات الإسلامية التي مكنها النظام وإيران وروسيا، أو قطع الإمدادات والطرق أمام كل الحلول، والدخول في حرب كهذه يعني تحول سوريا إلى أرض «جهاد» عالمي كما حدث في أفغانستان، ولن يعود لسوريا الأمن والاستقرار عقوداً قادمة. والعجيب أن هذه الحركات والتنظيمات المتطرفة تجد دعماً عسكرياً ومادياً لا يحصل الجيش الحر على عشر منه، وقد تدفق إليها المقاتلون من دول الكومنولث الروسي، ومن بعض الدول المجاورة كالعراق، وهي معنية بقتال الجيش الحر فقط، وبتقديم صورة كريهة عن الإسلام. والهدف الذي يدعو النظام إلى دعمها من يوم سلمها مفاتيح دخول الرقة، هو أن يقف السوريون أمام خيار «النظام أم داعش؟»، وكذلك كان هدف دعم النظام للحركات الكردية الانفصالية التي رفضها شرفاء الكرد، من أجل الخيار الصعب (تقسيم سوريا، أم سوريا موحدة تحت راية النظام) وبالطبع سبق ذلك خيار مرعب «الأسد أو تدمير البلد» وقد تم تدمير البلد.
ومن آخر الخيارات الصعبة التي وضعها الداعمون الكبار للنظام «تذهبون إلى مؤتمر جنيف أم نلغي الائتلاف ونهمش المعارضة ونطردكم ونوقف كل أنواع المساعدات للاجئين والنازحين والتائهين»، وأحسب أن المعارضة تمكنت من تحسين شروط قبول الخيار الأول، وجاء تشكيل الحكومة المؤقتة تتويجاً لما أنجزته المعارضة من توحيد الصف، وقد قبلت المشاركة في مؤتمر جنيف، في تصرف جيد تفادى خطورة الرفض، وقدر المعطيات الراهنة والممكنة، ولكن بقي السؤال الصعب: ما الذي سيقدمه النظام من تنازلات إن كان حقاً يريد أن يوقف شلال الدم وأن ينهي مأساة السوريين؟
صحيح أن المطلوب هو الدخول إلى المؤتمر دون شروط مسبقة لكن لابد من إعلان أهداف للمؤتمر؟ لابد من إعلان نوايا على الأقل، هل سيذهب النظام إلى التفاوض على عودة السوريين المهجرين واللاجئين والمطلوبين وهم بالملايين إلى بيت الطاعة راضخين مذعنين؟ وهل ستذهب المعارضة إلى المؤتمر لتقول للنظام سلمنا السلطة وارحل؟
ما الحل الوسط؟ أعتقد أن الحل الوسط هو الحفاظ على الدولة، والدعوة إلى انتخاب جمعية عامة تحضر لدستور جديد، تليه انتخابات برلمانية وظهور رئيس جديد لسوريا يسميه صندوق الاقتراع.
هل يمكن أن تكون مثل هذه الانتخابات نزيهة إذا تمت تحت سيطرة أجهزة الأمن و«الشبيحة» التابعة للنظام؟ طبعاً لا يمكن!
هل من الممكن أن يبادر النظام إلى ما يسمى حسن نوايا باتجاه حلول لصالح سوريا الدولة والوطن وليس سوريا رجل واحد؟
هل يمكن أن يعبر النظام عن جديته بإيجاد حلول سياسية فيطلق سراح المعتقلين وينهي حصاره للمدن الجائعة ويكف عن القيام بالغارات اليومية على المدن والأرياف السورية مطلقاً نداء وقف إطلاق النار، فتكون التهدئة بوابة للدخول بشيء من التفاؤل إلى المؤتمر؟ وهل يمكن أن يصدر عفواً عاماً عن المطلوبين الذين تجاوزت أسماؤهم في اللوائح المعلنة أربعة ملايين مواطن، أكثرهم معارضون على الفيسبوك وتويتر وجريمتهم أنهم يعبرون عن آرائهم وأحزانهم ورفضهم لدمار بلدهم وتحولهم إلى لاجئين؟
على أن الخيار الأشد صعوبة وهو ما أخشى أن يكون مخبأ «تقبلون بحلول نفرضها عليكم أم تذهبون إلى التقسيم الذي هو ما يخبئه النظام في آخر الاحتمالات المرعبة؟».

شاهد أيضاً

سلامة كيلة: الحل السوري في موسكو لا جنيف

  سلامة كيلة: العربي الجديد كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف …

اترك تعليقاً