قتل مجاني للثورة السورية

92 ميشيل كيلو ـ العربي الجديد: ليس مستغرباً أن يقصف النظام شعب سورية، ويدمر مقومات وجوده، ويقتل بناته وأبنائه، بعد أن ثار عليه، وأعلن رفضه له، ورفض هو أن يكون للشعب رأي، فكيف إذ كان يطالبه بالرحيل، ويعبر عن تصميمه على إسقاطه بأي ثمن.

وليس مقبولاً أن يقصف أي ثائر، ومطالب بالحرية، شعبه، أولاً: لأنه لم يثر عليه، وثانياً: لأنه لم يعلن رفضه له، وثالثاً: لأنه لا يمنعه من تحقيق أهدافه، بل شاركه ثورته منذ انطلاقتها، وواكب مسيرته بالتضحيات، وتقاسم معه الحلو والمر، والموت والحياة، فمن المستهجن والمدان أن يتبنى الثائر سلوك النظام، ويبادر إلى قصف مجتمعه، مثلما يحدث يومياً في مدينة دمشق، التي تقصف وينتزع الموت أطفالها من أحضان ذويهم، كما حدث عندما وقع قصف مدراس ابتدائية، استشهد فيه أربعون طفلة وطفلا، بينهم أخوان صغيران مزقتهما القذيفة تمزيقاً، وبترت ساق أخيهما الثالث .

ما الجدوى من قتل أطفال لا يقاتلون، وليس لهم أي موقف: سياسي أو غير سياسي، حتى إن كان آباؤهم من أنصار النظام؟ وما الجدوى من تدمير البيوت والمدارس على من فيها؟ من المفهوم أن يحرق النظام قلوب أهالي الأطفال بقتل أولادهم، لكنه ليس مفهوماً، أو مقبولاً، على الإطلاق أن تبادر قوى، تحسب نفسها على الثورة، إلى قصف مناطق مدنية، لأي اعتبار كان، خصوصاً إن كان طائفياً، وليس مقبولاً إطلاقا قتل أطفال، لم يؤذوا في حياتهم نملة، لن تنتصر ثورة تقصفهم وتقتلهم.
هل يريد القاصفون إجبار السوريين على رفض الثورة ودعم النظام؟ تحقق القنابل التي تتساقط على الأحياء المدنية والمدارس هذا الهدف، فالسكان في المناطق المقصوفة يشعرون أنهم يتعرضون للعقاب من دون أن يقترفوا أي ذنب، ويرون أن حياتهم مهددة من الجهة التي تعهدت بحمايتها، وحمتها بالفعل فترة غير قصيرة، قبل أن تقرر منافسة النظام في قتل الناس، وهم في بيوتهم التي تحرم جميع الأديان انتهاكها والاعتداء عليها، فمن دخل داره فهو آمن!

أخيرا: هل يجوز أن تنحدر الثورة إلى الدرك الذي بلغه النظام، من تصميم غير أخلاقي وغير وطني، على قتل الأبرياء؟ هل تبقى ثورة ومتفوقة أخلاقيا على النظام؟ وهل يجوز في أي عرف، أو قانون ثوري، أو إنساني، والثورة فعل إنساني، وإلا فإنها تكون هوجة مجرمين، قطع الماء والكهرباء عن شعب يحاصره النظام، ويقطع عنه الماء والكهرباء منذ نيف وعامين؟ إذا كان الثوار سينافسون النظام في إيذاء الشعب، فاللعنة عليهم وعلى ثورتهم، وبئس الثوار هم! كنا نعتقد أنهم سيحملون الماء بأكفهم إلى العطاش من الشعب، وسيقدمون حصتهم اليومية، القليلة جداً، من الخبز، إلى الجياع، فإذا بهم يقصفون مواطناتهم ومواطنيهم، ويدمرون بيوتهم على رؤوسهم، ويحرمونهم من الماء والكهرباء، في عملية قتل منظمةٍ، تتكامل مع موتهم تحت البراميل المتفجرة التي يلقيها عليهم النظام!

أوقفوا جريمة القتل المجاني للسوريات والسوريين، لأن قتلهم يعني موت الثورة. أوقفوا قصف المدارس والأحياء المدنية، وإلا أسهمتم في تحويل ثورة الحرية إلى جرائم، ضحيتها الوحيدة من يجب أن تضع الثورة نفسها في خدمته: الإنسان والمواطن السوري.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً