إنه الداخل السوري أيها الناس

118-MichelKiloميشيل كيلو ـ العربي الجديد: لم نجد بعد معادلة عملية تنظم علاقات داخلنا السوري مع الخارج، الدولي والإقليمي والعربي، مع أننا صرنا أداة بيد لعبة أمم مختلفة الأحجام والأدوار والمستويات، جعلت من الدم السوري وسيلتها لتصفية حساباتها، وتسوية خلافاتها وتناقضاتها.


في العلاقة بين الداخل والخارج، لا مفر من منح الأولوية للداخل، ورؤية الخارج والعلاقات معه بدلالته، وفي ضوء أحواله ورهاناته، فإن كانت أوضاعه جيدة، وخططه السياسية ضاربة ومتماسكة، وممارساته صحيحة، ترتكز على حقوق البشر، واحترام كرامتهم وتضحياتهم، وكان قادته يضعون أنفسهم في خدمة شعوبهم، وكان استقلاله عن الخارج جديا، وحريته في التعاطي معه واسعةً، ولو نسبياً، صار محط اهتمام عالمه الخارجي، وحظي بما يريده من دعمه، وتمكن من تسويق خياراته لديه، وتفادى، بدرجة مقبولة، ما قد تتصف به روابطه معه من شد وجذب. أما إذا كانت أحواله سيئة ومتردية، وكان الخارج قادراً على التعامل معه، بما تمليه عليه خياراته من اهتمام أو تجاهل، فإنه يعامله بطرقٍ، تجعله أداة في يده، تخدم خططاً وسياسات تجافي مصالح بلادنا وتطلعاتها، وتضر بخياراتها، فما بالك إن وضعنا مصيرنا في يده، وعولنا من موقع الضعف عليه، وربطنا أعمالنا بإرادته، وأتبعنا أنفسنا له، بمحض إرادتنا في كل كبيرة وصغيرة، ورأينا فيه جهة مقررة، لا مفر من التكيف معها، ورضخنا بسبب ظروفنا وأحوالنا لمطالبها.


منذ تشكل “تمثيل” سياسي للمعارضة السورية، ساد تنافس حقيقي بين النظام والمعارضة، في كل ما يتصل بحل داخلي لصراعهما. وتسابق الطرفان على حل يمليه الخارج، أو يكون جزءا من سياساته. من جانبه، رفض النظام مبدأ الحل الداخلي من أساسه، لاعتقاده أنه سيفضي إلى تغيير النظام، وإسقاطه في نهاية الأمر. لذلك، آثر إضفاء طابع خارجي على الصراع، بتحويله إلى حرب ضد أصولية مزعومة، لم يكن لها أي تمثيل أو دور في الثورة، ولم تكن هي التي تحرك أحداثها، وتوجه احتجاجاتها. وسارعت المعارضة إلى ربط نتائج الصراع الداخلي بأدوار القوى الخارجية، الدولية والإقليمية والعربية، لاعتقادها أن ما حدث في ليبيا سيتكرر في سورية، وأن تدخل الخارج سيغير موازين القوى الداخلية لصالح الثورة، على غرار ما وقع في ليبيا، فلا حاجة لإضاعة الوقت في التركيز على الداخل، لأنه ليس ساحة صراع حاسمة، ستتعين نتائجه بأوضاعها، ولا بد من وضع المسألة الداخلية تحت رعاية “أصدقاء الشعب السوري”، وترتيب أمورها بطريقة تشجع القوى الخارجية على التدخل فيها من دون إبطاء، لإسقاط النظام ونصرة الشعب المطالب برحيله. ولا عجب أن وقع يوم تأسيس “المجلس الوطني” حديث صريح عن دبابات وطائرات التدخل التي ستدمر جيش الأسد، وتسقط نظامه، مع التذكير الصريح بأمثولة ليبيا.

لا بد، هنا، من لفت الأنظار إلى فرق مهم بين رهاني النظام والمعارضة على الخارج، ففي حين سعى النظام إلى حل خارجي، يتعين بقواه الخاصة وقدراته  الذاتية والمستعارة، وصرف جل اهتمامه لتنظيم أتباعه حتى آخر فرد، وأقام تنظيمات جديدة مقاتلة وقمعية، واستمات لكسب كتل الشعب المحايدة، الكبيرة العدد، وأقام “حلف مذعورين”، ضم كل من استطاع إيهامه بأن خطر القتل والتصفية يحيق به، وأن نجاته مستحيلة من دون حماية أجهزته الأمنية وجيشه، ومشاركته الشخصية في مقاتلة الأصوليين، وقتل شعبه الذي يستحق الموت لأنه “طائفي” ومتخلف، ويخوض معركة مذهبية، لا علاقة لها بما يدعيه من رغبة في الحرية والعدالة والمساواة والكرامة. وفي هذا السياق، وحّد النظام داخله السلطوي وحقله السياسي، ومنع أي خروج مهما كان بسيطاً على الحل الأمني/ العسكري، والذي تبنته قيادته، وقتل بلا رحمة كل من حاد عنه، بمن في ذلك بعض كبار قادته.


في مواجهة هذا النهج السلطوي، أنزلت المعارضة خلافاتها وتناقضاتها وانقساماتها إلى الشعب والثورة، قبل أن تنقسم إلى معارضتين: واحدة هدفها الحرية وأخرى معادية لها. وأهملت بصورة تكاد تكون تامة تعبئة الداخل السوري، ولم تفعل شيئا لتعزيز الحراك المجتمعي وحمايته، ولتعبئة قواه في اتجاهاتٍ، تبقيه متمسكا بمطلبه الرئيس: “الحرية لشعب سورية الواحد”. وبدل أن تطور خطاً سياسياً يسير الشعب الثائر وراءه، ويتبنى ما يتمخض عنه من سياسات، وبرامج تقدم أجوبة واضحة على أسئلته، سارت هي وراءه، وتبنت انفعالاته، وأحجمت حتى عن التفكير باتخاذ موقف نقدي، أو تصحيحي من الوعي العامي والشعبوي، والذي ما لبث أن ترجم، في وقت قصير نسبيا إلى مواقف متضاربة، سقطت في جميع أنواع الفخاخ التي نصبها النظام لها. لم يغير شيئا من هذه السياسة افتضاح وهم التدخل الخارجي وسقوطه، ووقوف الخارج في واد والمعارضة في آخر، وتأكيد الوقائع أن حساباته لا تنطلق من مصالح شعب سورية وثورته في سبيل الحرية، بل تتابع مصالح تتعارض معها، تركز على حسم صراعات دولية وإقليميةٍ، طمست الثورة وحجبت أولويتها، ولعبت، بالتالي، دوراً مؤثراً في إطالة عمر النظام، بعد أن حولت سورية إلى ساحة استقدم النظام والخارج إليها أنواعاً مختلفة من المجرمين السياسيين والأصوليين، الذين بيّن سلوكهم اليومي أنهم ليسوا غير أدوات تستخدم بدورها لتصفية حسابات دولية وإقليمية وعربية، ولكن، بدماء السوريين، الذين لم يكونوا يوما طرفا فيها، لكنهم شرعوا يدفعون ثمنها الباهظ بعد أشهر قليلة من نشوب ثورتهم، بينما تجاهلت الجهات التي تمثلهم ما يجري، واندفعت أكثر فأكثر إلى التعويل على خيارات وهمية، ربطتها بقوى تقف وراء موت من يفترض أنها تمثلهم، بنتائج حولتهم إلى جزء من صراعاتهم، بدل أن تنفك عنهم، وتؤسس أوضاعها الذاتية، بطرق ترغمهم على أخذها بالحسبان في سياساتهم.


لم تراجع المعارضة حساباتها، بل فعلت العكس: كثفت سيرها في اتجاه ترجيح وزن الخارج ودوره على أي وزن ودور للداخل الذي تراجع، حتى غدا أي إجراء يتم فيه مهما كان بسيطاً وثانوياً مرتبطاً بإرادة خارجية ما، فلم يبق لأتباع هذا النهج غير الادعاء بأن علاقاتهم الخارجية تعكس نجاحات الثورة، مع أن هذه في أسوأ أحوالها اليوم، وتتراجع أمام تحديات النظام والغزاة الذين يجتاحون وطننا، ويقضون على استقلاله، حتى ليمكن القول من دون مبالغة: إن القوى والجهات التي تمثل الثورة،  وتحمل قيمها، وتعبر عن طموحاتها تتلاشى بسرعة، ولو أخذنا الجيش الحر مثالاً لأفزعنا ما يعيشه من تراجع في مكانته ودوره، وتحوله المضطرد إلى جهة هامشية تغرق في بحر أصولية، تستنزفها بالقتل والمال، بينما يعاني الائتلاف من هشاشة علاقاته مع الداخل، ويفقد دوره فيه، ويجد نفسه أمام مآزق، لا يجد علاجا لها غير المبالغة في توجهه الخارجي، كأنه يرفض رؤية حقيقته، وهي أنه صار ورقة بين أوراقه، لن تستطيع الابتعاد عنه، من دون الاستناد إلى أرضية داخلية صلبة: مستقلة ومنظمة.


سيكون من الصعب، وربما المستحيل، حسم الصراع السوري الراهن بالاعتماد على الخارج وحده. فهل نغير، أخيراً، أولوياتنا ونرى الخارج بدلالة داخلنا السوري، والذي يتوقف انتصارنا على إعطائه أولوية مطلقة في عملنا، باعتباره مكانا يفضي تنظيمه، وسد ثغراته إلى تحقيق هدفي الثورة: إسقاط النظام، وجعل قوى الخارج المتصارعة بدماء السوريين، تحترم إرادتهم وحقهم في تقرير مصيرهم بأنفسهم.


بعد أعوام ثلاثة مفعمة بالخيبة، وبعد ما بلغه الداخل من ضعف، تتجه أنظار المعارضة نحو تكثيف علاقاتها مع الخارج، نحو مزيد من الابتعاد عن موضوع يجب أن يحظى بجل اهتمامنا جعل الداخل أولويتنا كساحة صراع ومكان حسم. هل تأخرنا؟ نعم، تأخرنا كثيراً. ولكن، أليس خيرا لنا أن نصل متأخرين، وننقذ ما يمكن إنقاذه، من ألا نصل أبداً، ونخسر كل شيء، اليوم أو غدا

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً