ما بين حملة «منحبك» و«منكبك» سيفوز الأسد بالإنتخابات

03qpt979إبراهيم درويش ـ القدس العربي: لا يناقش السوريون ممن يعيشون في مناطق الحكومة أن الفائز في الإنتخابات سيكون الرئيس الحالي بشار الأسد، ولكن ما يريده هؤلاء وغيرهم هو الإصلاح والقضاء على سلطة قوات الدفاع الشعبي التي تمارس سلطتها الخاصة.
وحتى مؤيدو النظام يرون أن هناك حاجة للإصلاح، فقد نقلت صحيفة «الغارديان» عن علي وهو رجل أعمال مرتبط بالنظام قوله «كل واحد يعرف أن الأسد سيظل في السلطة بانتخابات أو بدونها، والمهم هو أن يقوم بإحداث تغييرات»، وانتقد علي الفساد وتصرفات الميليشيات خاصة «كتائب البعث» التي يتهم أفرادها بفرض النظام لتحقيق مآربهم المالية ويقومون بعمليات اختطاف مقابل الفدية واشتكى علي قائلا «صار من الصعب العمل في سوريابدون إطعام الأفواه الجائعة لهذه الميليشيات» وأضاف «تحتاج لأن تدفع مالا حتى يسمحوا لك بالتنفس، ويجب وقف كل هذا حتى نستطيع العيش والعمل».
وحذر علي من اندلاع الغضب حتى بين الموالين للأسد في حالة فشل الأخير بتحقيق التغيير.

معارضة معترف بها
وأشارت الصحيفة إلى الجو الذي جرت فيه الإنتخابات والتي قاطعتها المعارضة باعتبارها «انتخابات دم»، في وقت لم تتوقف فيه البراميل المتفجرة على المدنيين. وحتى «المعارضة» المعترف بها غير راضية عن مسار الإنتخابات، وتنقل عن لؤي حسين من تيار بناء الدولة السورية قوله «اكتشفت أن أصواتنا لن يتم الإستماع لها ولن تحدث فرقا، ولكن على الأقل نحترم من تم تهميشهم» وقال في المستقبل سيكون لسوريا سباقي انتخابات «واحد سوري» وآخر «إرهابي».
وبشكل متشائم إن «السوريين هم الموالون للنظام والأقليات التي تلقى حماية من الدولة أما الإرهابيون فهم السنة، فالسنة الذين يعيشون في مناطق الحكومة يشعرون بالحاجة لإثبات أنهم ليسوا إرهابيين حتى يظلوا على قيد الحياة».
وتقول الصحيفة إن الناشطين في الإحتجاج السلمي يحاولون الحفاظ على الجهود الإنسانية وعمل مؤسسات المجتمع المدني التي يتناقص عددها بشكل متزايد، وتقول منى «الجميع يغادرون» مضيفة «لقد فقدنا الأمل». وتحاول منى الحصول على تأشيرة سفر للخارج وتشعر بالحزن على احتطاف المتشددين للثورة وقضيتها.
وتعلق على الإنتخابات بالقول «ندخل مرحلة جديدة من الابدية السورية، الديكتاتورية الدائمة، ومن يبقون عليهم الركوع حتى يستمروا في الحياة، ومن استطاعوا الهرب سيجدون وطنا جديدا لكن ليس سوريا».

هروب جماعي
ولاحظت كاثرين فيليب في تقرير لها نشرته صحيفة «التايمز» البريطانية ان ألافا من المدنيين هربوا من مناطق الحكومة بعد تهديد المعارضة باستخدام العنف ضد الإنتخابات وعرقلتها، واظهرت أشرطة فيديو على الإنترنت كيف تدفقت جموع الناس من المدن للأرياف، بعد تحذير من «المجلس الإسلامي» وهو تحالف من قوى المعارضة المسلحة التي تعهدت بعرقلة العملية الإنتخابية.
ونقلت الصحافية تعليقات ناشطين في المعارضة مثل أبو عبدو من حمص قوله «هل يعتقد أننا أغبياء؟»، مضيفا «من سيصوت له من السوريين بعد أن قتل النساء والأطفال، شبانا وكبارنا».
وتعلق فيليب «ينظر النظام السوري مع ذلك للتصويت كلحظة مهمة في الحرب التي مضى عليها أكثر من 3 أعوام، لحظة يحاول فيها الأسد الحصول على مظهر من الشرعية وكي يظهر لبقية العالم أن لا نية لديه للتنحي عن السلطة».
وفي الوقت الذي تعهدت جماعات باستهداف الإنتخابات حثت أخرى وطلبت منها عدم استهداف المدنيين، حيث شهدت الحملات الإنتخابية، وفي مدينة حلب كان المقاتلون منشغلين بحفر الأنفاق تحت مباني الحكومة كي يحرفوا الإنتباه عن الإنتخابات.
ومع أن التصويت ليس إجباريا إلا أن من يعيشون في مناطق الحكومة يشعرون بالضغط للمشاركة. وتنقل عن أحمد «من ناحية من الصعوبة عقد انتخابات في أوضاع كهذه، ولكن نشعر بالحاجة لأن نفعل شيئا تجاه الوضع من ناحية أخرى».

مستقبل مجهول
وترى صحيفة «لوس أنجليس تايمز» أن مستقبل سوريا مجهول مع أن فوز الأسد مضمون ورغم إنجازات الحكومة في عدد من مناطق البلاد. وأشار تقرير الصحيفة إلى الحملات الإنتخابية التي قادتها المعارضة حيث رد بعض الناشطين على حملة «سوا» وشعارات الموالين للنظام «منحبك» بشعارات رسموها على براميل القمامة «منكبك».
ولاحظت أيضا أن المدنيين في مناطق الحكومة تعاملوا أو بعضهم معها بحس من النكتة والسخرية «من لا يذهب للتصويت فسيخسر راتبه ووظيفته، من حماة الشعب السوري. ومن يذهب للإنتخابات سيتعرض للضرب بأنابيب الغاز، بترحيب من محرري الشعب السوري».
ونقلت صحيفة «كريستيان ساينس موننيتور» الموقف من مناطق المعارضة حيث نقلت عن أبو عمر الحموي، عضو المجلس المحلي في منطقة حماة «كان يجب منع هذه الإنتخابات، ففي ظل الظروف العادية، تعتبر الإنتخابات مهزلة، ولا أفهم معنى عقد الإنتخابات وهم يواصلون ضرب المدنيين».
وكان الحموي يعمل في دمشق قبل الإنتفاضة ولم يفته تصويت واحد «شاركت في الإنتخابات خمس مرات خوفا من الإعتقال أو خسارة وظيفتي» والآن يعيش في كفر زيتا التي تقول منظمات حقوق إنسان إن النظام استهدفها بغاز الكلور.
وأقرب مركز اقتراع هو مدينة حماة حيث أغلقت السلطات الطريق إليه. وفي مقابلة مع مقاتل اسمه أحمد من دير الزور الذي وصف الإنتخابات بالنكتة الباردة «فالمرشحون وهم والأسد سيفوز حتى لو لم يصوت له أحد، فقد اختار نفسه ليكون الرئيس». ولا تهم أحمد الإنتخابات بقدر ما يهمه النجاة حيث يقيم في منطقة محاطة بالجيش السوري والدولة الإسلامية في العراق والشام.

ايران المنتصرة
وحدها إيران هي الفرحة بعقد الإنتخابات السورية، ففي تحليل لصحيفة «فايننشال تايمز» جاء أن الحرس الثوري الإيراني يرى في الأنتخابات السورية وانتخاب الأسد المؤكد فيها بمثابة نجاح للجهود الإيرانية والدعم العسكري والمالي للنظام السوري في الحرب الأهلية التي شردت نصف سكان البلاد تقريبا وقتل فيها أكثر من 160.000 واختفى مئات الألوف، وتركت معظم أجزاء البلاد في حالة من الدمار الكامل.
وبحسب التفكير الإيراني فسيعزز فوز الأسد الجديد موقع إيران في المنطقة وسيعطيها القدرة على الدخول في محادثات مع الدول الغربية والإقليمية للتوصل لحل سياسي وإصلاح في سوريا. ونقلت عن حسين شيخ الإسلام، المستشار بارز لرئيس البرلمان الإيراني قوله «لقد أعطينا النظام السوري الإستشارة العسكرية حول الكيفية التي يكافح فيها الإرهاب والذين لا يهددون سوريا فقط بل وإيران» مضيفا «لذلك أصبح الأسد قويا والأرهابيون ضعاف».
وبخلاف هذه النظرة يخشى محللون في المعسكرالإصلاحي من تدهور الوضع في سوريا بعد الإنتخابات لشعور إيران بأنها انتصرت على حلفائها الغربيين والإقليميين خاصة السعودية وجهودها الدائبة للحفاظ على الأسد في السلطة.
وبحسب ناصر هاديان، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة طهران»قد تشعر إيران الآن أن وقت المفاوضات الجدية حول مستقبل سوريا قد حان، لكن إعادة انتخاب الأسد سيعقد أي محادثات لتحقيق الإستقرار»، وأضاف «في الوقت الذي يشعر فيه الأسد بالقوة، ستحاول المعارضة السورية والداعمين الرئيسيين لها خاصة السعودية بحرف ميزان القوة مما يعني موتا جديدا، ودمارا أكثر وتشريدا».
وتقول الصحيفة إن سوريا تحولت إلى ساحة حرب بالوكالة على السيادة الإقليمية بين إيران والسعودية وبالإعتماد على الجماعات السنية والشيعية المتطرفة. ويقول مسؤولون إن التدريب والدعم العسكري الذي قدمته إيران لحزب الله اللبناني قد ساعد على حرف ميزان الحرب لصالح الأسد.
ويعتقد أن إيران قامت بتحشيد وتدريب عصائب الحق الشيعية العراقية كي تقاتل إلى جانب حزب الله.
وعادة ما ينفي الإيرانيون إرسالهم مقاتلين لسوريا ولكنهم يعترفون بإرسال مستشارين عسكريين لمساعدة دمشق. ويؤكدون أن هناك عشرات الالوف من المتطوعين الجاهزين للقتال من أجل الأسد ونظامه إن احتاج.
ونقل عن الجنرال حسين سلامي نائب قائد الحرس الثوري في نهاية الإسبوع قوله إن إيران «وصلت مرحلة أنه لا يمكن حل مشكلة في المنطقة بدون أخذ مصلحتنا وإرادتنا بالإعتبار».

انتصارها الخاص
وبنفس السياق كتبت ليز سلاي في صحيفة «واشنطن بوست» عن الشعور الإيراني بالإنتصار وترى في «انتصاره انتصارها الخاص»، وأشارت إلى فيض من تصريحات المسؤولين الإيرانيين في الأيام التي سبقت عقد الإنتخابات والتي لم تحتفل فقط بتأكيد الأسد في السلطة ولكن هزيمة السياسة الأمريكية في سوريا والتي أكدت على خروج الأسد من معادلة السلطة. واستبعدت واشنطن الإنتخابات باعتبارها مسرحية هزلية لا مرشحين حقيقيين فيها وتعقد في وقت خرجت معظم مناطق البلاد عن سيطرة الحكومة السورية. ومع كل هذا ترى إيران في الإنتخابات فرصة لإظهار انتصارها وقامت بإرسال فريق لمراقبة التصويت، في محاولة منها لإظهار فشل السياسة الأمريكية في سوريا وتأكيد سيطرتها على الأزمة.
ومن هنا دعا وزير الخارجية محمد جواد ظريف الدول الأجنبية التخلي عن وهم الأطاحة بالنظام السوري بالقوى. وقال في لقاء عقد في طهران لأصدقاء إيران حضرته 30 دولة»عليهم الإعتراف أن لا حل للأزمة السورية إلا عبر إرادة الشعب السوري والتي ستظهر عبر صناديق الإقتراع».
وعبر المستشار العسكري للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية الجنرال يحيى رحيم «فشلت إستراتيجية الولايات المتحدة والسعودية وتركيا وقطر في الإطاحة ببشار الأسد».
وقال «يعتبر هذا فشل استراتيجي لجبهة الغرب والدول العربية والصهيونية وانتصار للجمهورية الإسلامية في إيران». وكانت إيران قد تعهدت بعدم السماح بسقوط الأسد وحتى الآن وفت بتعهداتها حيث قامت بضخ بمليارات الدولارات للإقتصاد السوري، وقدمت له السلاح والمتطوعين، ودربت ميليشيات شيعية. ودعمت أيضا حزب الله. ومع أن إيران أنكرت أكثر من مرة إرسال عسكريين إلى سوريا إلا أن الإعلامي الإيراني الجنرال عبدالله الاسكندراني أحد كبار قيادات الحرس الثوري الإيراني والذي قتله الثوار في حماة مما يدل على أن إيران متورطة في الحرب أكثر مما هي مستعدة للإعتراف بها.
وكون الأسد ينظم انتخابات بعد ثلاث سنوات من الثورة ضده يعتبر شاهدا على التأييد القليل الذي قدمه الغرب للمعارضة السورية وعلى تصميم حلفاء النظام بما في ذلك ايران وروسيا بحسب المحللين.
وكان الرئيس أوباما قد أعلن الأسبوع الماضي عن زيادة غير محددة للمساعدات التي تقدم للثوار ولكنه اعترف أيضا خلال مقابلة مع إذاعة (إن بي آر) أن المشروع في بداياته وأنه قد يأخذ وقتا في التطبيق. وسخر مسؤول إيراني عالي المستوى من المساعدات التي يعرضها أوباما، فقال رئيس الأركان الإيراني الجنرال فيروز أبادي في تصريح نشرته وكالة أنباء «فارس» شبه الرسمية: «أمريكا تبني قلاعا في الهواء في سوريا.. لقد هزمت المعارضة السورية».

ورطة لها ثمنها
ومع ذلك يقول الدبلوماسيون الغربيون إنه سيكون من الصعب على إيران الإستمرار في سوريا وستجد أن ثمن دعم الأسد في وجه ثورة مستمرة سيكون باهظا.
ومن هنا ستحاول فرض صيغتها للحل في سوريا مقابل المقترحات الأمريكية التي فشلت في جنيف هذا العام بحسب ابراهيم حميدي مراسل الحياة اللندنية، وتتضمن الخطة إعادة انتخاب الأسد واتخاذ بعض الإجراءات المحدودة والتي تتضمن وجود عناصر معارضة مقبولة رسميا والتوصل إلى اتفافات وقف نار محلية.
وقال حميدي إن الإنتخابات «تشكل نصرا من وجهة النظر الإيرانية فقد نجحوا في منع النظام من السقوط ومنع سوريا من التحول من محور إلى محور آخر».
وفي الوقت نفسه تستثمر ايران المكاسب العسكرية للأسد في علاقاتها مع الدول العربية السنية التي تدعم المعارضة السورية فقد التقى أمير دولة الكويت أمس الأول مع المرشد الروحي خامنئي في اليوم الثاني من زيارة تاريخية تهدف إلى تخفيف التوتر خاصة أن علاقة الكويت قوية بالسعودية والتي أيضا أبدت هي الأخرى استعدادا للدخول في محادثات مع إيران.

 

شاهد أيضاً

سلامة كيلة: الحل السوري في موسكو لا جنيف

  سلامة كيلة: العربي الجديد كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف …

اترك تعليقاً