الكيان السوري ..متماسكاً أو مبعثراً

 د. يحيى العريضي- بناة المستقبل ع8/أيار 2014

 Untitled

 لا يخفى على أحد أن دولة عربية متماسكة عفّية تستقطب مئتي أو ثلاثمائة مليون عربي حولها يشكل خطراً مصيرياً على الكيان الاسرائيلي الذي جنّد كتلاً عالمية جبّارة تقاطعت مصالحها استثماراً أو ابتزازاً مع الصهيونية العالمية. بعد انتقال راية حماية الكيان من بريطانيا العظمى إلى الولايات المتحدة الأمريكية، سعت الأخيرة أن تضع اسرائيل أولوية في سياستها الخارجية إلى درجة أنها كانت ولاتزال ترى مصالحها الأمريكية الخاصة عبر العين الاسرائيلية؛ فما قام كيان عربي قابل لتشكيل أي خطر على اسرائيل إلا وجرى العمل على تدميره وإبطال مفعوله ابتداءً من مصر عبد الناصر حتى الآن. جرى ذلك بوسائل نعرف وأخرى نجهل؛ ابتداء من زج العرب في حرب 67 عبر الفخ الروسي الذي حرّض عليه نظام المزايدة في دمشق والذي ورّط بدوره عبد الناصر، فكان أن سيطر الكيان الصهيوني على أضعاف حجمه احتلالاً…. مروراً بحرب التحريك السياسية عام 73 وعبر إخراج المقاومة من الأردن عام 70 وتجميعها في لبنان ثم تسليط النظام السوري عليها منتصف السبعينيات واحتلال عاصمة عربية عام 82 وتلزيم جنوب لبنان إلى متعهد معلّمه المباشر في دمشق والأكبر في طهران….. وصولاً إلى جرجرة العرب من مدريد إلى واي بلانتيشن بعد إخراج مصر مع معادلة الصراع…. إلى وادي عربه…. إلى أوسلو ……

كل ذلك والهاجس الأساس ألا يبقى محيطاً باسرائيل كيان يمكن أن يشكل خطراً بالتفاف الملايين حوله. ولاننسى في هذا السياق الظهير الأبعد عن الحدود الاسرائيلية المتمثل بالعراق الذي تكفلت أمريكا بالأجهاز عليه بناء على إلحاح منقطع النظير من قبل شارون أحد آخر آلهة اسرائيل.

     بقيت سورية عقدة المنشار في المعادلة الأمرو- صهيونية. ومع هبوب الجماهير أو الشعوب العربية في صرخة بدت مخيفة وخاصة للكيان الصهيوني، كان لابد من تدبر الأمور تجاه أن تكون الصرخة لا صرخة شعوب بل صرخة مكونات غريبة عن صوت الشعب الواحد.

أما الشعب المتضرر الأكبر من قياداته العفنة – التي كانت تعمل خادمة لاسرائيل مقابل استمرارها في الحكم –  فجرت شيطنته ووصمه بالأرهابي حيث تمّ تعميم الصفة عالمياً كمبرر للسلطات، وخاصة السورية، أن تبطش به.

    لم تطل الأمور في تونس أو مصر، وحتى اليمن وليبيا جرى تدبر أمرهما بتحويلهما إلى حالات معلولة متقاتلة لاتقوم لها قائمة لأعوام. لمصر قصة تحتاج بحث خاص؛ إلا أنها بالمختصر عادت وأنتجت نظاماً مريحاً مضافاً إليه نصف المكون المجتمعي المصري عبرخلق حالة من التناحر الشعبي قد تأتي على مصر يوماً.

 

 إن كانت اسرائيل هي اللاعب الأساس في المأساة السورية، فإن كل من له يد في الأزمة السورية يعمل خادماً لديها ابتداء من روسيا وايران إلى أمريكا مروراً بتركيا والعرب والسلطة ومن يقاومها في أنجاز هدفها الذي انسجم بالتمام والكمال مع شعار النظامأحكم أو أدمر” / لي أو لاتكون/.

لاعب أساسي في المسألة السورية كانت روسيا التي شلّت ولا زالت أي أمكانية لوضع حد للمأساة السورية عبر إغلاق باب مجلس الأمن أمام أي تدخل يوقف المأساة السورية. ولو أن حدث وجرى مجرد تلويح بالفصل السابع، لأوقف النظام جرائمه؛ ولكن ذلك لم يكن مطلوباً لا اسرائيلياً ولا أمريكياً. ولو لم تتوفر روسيا، لكانت أمريكا ذاتها أغلقت الباب؛ فكان أن حمل بوتين ذلك الوزر وقدّم للكيان الصهيوني أفضل خدمة تاريخية بإطلاق يد النظام في تدمير سورية وشعبها. زاد بوتين على ذلك مساهمته الفاعلة بمقايضة النظام بكرسيّه مقابل تسليم سلاحه الكيماوي، مما أرضى أمريكا واسرائيل وحملهما ديناً لبوتين صرف جزءاً منه في أوكرانيا.

        حرصت أمريكا على أن تكون المتحكّمة بأرجوحة الحالة السورية؛ فلاهي تسمح للنظام بسحق من ثار عليه عبر قطارة المساعدات العسكرية التي توعز لحلفائها واجرائها بفتحها أمام المعارضة؛ وعبر  أشاحة النظر عن تدخل ايران وحزب الله والعراق بعصاباتهم للحفاظ على كرسي السلطة. وكان الشعار المتفق عليه أن تأكل سورية ذاتها بكفتي الأرجوحة : النظام الذي رفع شعار ( هو أو التدمير)  والمقاومة التي رفعت شعار الخلاص من النظام وإبقاء سورية حيّة. الجزء الثاني من شعارها يعاكس تماماً الإرادة الصهيونية التي لا تريد سورية أن تبقى كياناً موحداً قد ينتفض شعبه يوماً ويطالب بالأرض السورية التي تحتلها اسرائيل. بالنسبة لها أمام سورية إما شعار النظام، أو في أحسن الأحوال التقسيم إلى كينونات لاتكاد تقوى على العيش.

    ايران من جانبها حرصت على المتاجرة بالمأساة السورية عبر حضور ملفت على الساحة الدولية مستخدمة ورقة المأساة السورية في ملفاتها كورقة مساومة. فاستثمرت عسكرياً ومادياً وبشرياً وإعلامياً وسياسياً للإبقاء على النظام ولو بالعناية المشددة لكسب أكبر مايمكن من الحضور عربياً بالوصول إلى أبواب صنعاء عبر الحوثيّن وفتح أبواب جهنم على أكبر دول الخليج؛ السعودية، عبر البحرين، وإقليمياً عبر مزاحمة تركيا وأسلامها الذي سعت إلى وضعه في خانة الإرهاب، وتقديم إسلامها كإسلام شريف. وهذا ماسعت أمريكا إلى تعميمه وترويجه متجاوزة تمثيلية التناقض الايراني – الأمريكي المديد؛ حتى ولو ظهر وقيّم اسرائيلياً كأمر غير مريح. نقول ظاهرياً ، لأن وقائع الأمور تختلف عن المعلن؛ فلو كانت اسرائيل منسجمة مع تصريحاتها وعدائها لحزب الله، لاستفادت من فرصة امتداده باتجاه سورية وجرى الحساب. ولكن استخدامه في ذبح السوريين وأنقاذ النظام الصديق بالنسبة لها أثمن من تحقيق المصداقية باستهدافه.

حضرت ايران بقوة، وملفها النووي يقتات على الدم السوري، وشرذمة العرب وهزيمتهم المضمرة أمام شعوبهم ودينهم للقوى الأكبر ببقائهم.

إذا كانت الخشية الأساسية الاسرائيلية والأمريكية من كيان عربي قوي متماسك تلتف حوله قوى آخرى يطالب بالحقوق التي اغتصبها الكيان الصهيوني ويشكل تهديداً لهذا الكيان، فهذا الأمر لم يعد ينطبق على الكيان السوري لفترة زمنية مستقبلية غير منظورة.

 إن كان الوضع هكذا إذن، فما الذي يؤخر الحل وينهي الهولوكوست السوري؟ النظام ذاته يدرك في قرارة نفسه استحالة أحياء السلطة المركزية لتكون كتلة واحدة قوامها 185 ألف  كم  تأتمر بقرار مركزي.

جانب آخر من اقتلاع الأنياب المركزية للكتلة تتمثل بسحب نابها السام الكيماوي المهدد للكيان الصهيوني.

 وإذا كان تلقين الشعوب العربية درساً من خلال ماجرى للشعب السوري، فهذا الدرس وصل وحُفظ عن ظهر قلب؛ ودليل ذلك أنه بعد الحراك الشعبي السوري لم تشهد المنطقة العربية عبارة عربية تنغص الاستبداد في أي بقعة عربية.

هل المسألة إذن بعثرة الكيان السوري الأكبر الميحط بالكيان الصهيوني بحيث يبقى هذا الأخير الكيان الأكبر في محيطه؟

مايسمى بالمناطق المحررة في سورية مؤشر وضعي وواقعي. بهذا الاتجاه تركيز النظام على الجسد الجغرافي بين الساحل السوري المستقر ومكان تمترسه في دمشق يشي أيضاً بنزعة واضحة تتمثل بوضع اليد على قطعة من سورية بغض النظر عن حملات النظام الدعائية بأنه يستعيد صحته في إعادة الكيان السوري قطعة واحدة؛ فلو لم يكن للفكرة مكان في خاطر ومخططات النظام لما ترك المنطقة الشمالية الشرقية السورية خارج سيطرته منذ الأيام الأولى لانتفاضة سورية.

الآن يقوم النظام بتدمير منهجي لما يمكن أن يكون موازياً للكيان الذي يريد صناعته والمتمثل بدمشق وحاضنته في الساحل. وشرط هذا الكيان أن يكون أصغر من الكيان الصهيوني وبلا أهمية استراتيجية تُذكر.

تدرك السياسة الصهيونية الاسرائيلية أنها عاشت لما ينوف عن ستة عقود زمنية على العنف والإرهاب وتسليط مجموعات دكتاتورية مستبدة على مصائر الشعوب العربية المحيطة بها. ومن هنا، عندما كانت تصنع مايُسمى باتفاقيات سلام, كانت محصورة بتلك القوى الحاكمة المتصرفة بمصير البلاد والعباد بالقهر والنار.

 تعتقد اسرائيل الآن أن مايحدث من بعثرة للكيان الأكبر المحيط بها مباشر هو خطوة متقدمة في استقرار مشروعها الاستيطاني الاحتلالي وحالة أمان تحملها مزيداً من العقود الزمنية.

   الأمر الذي لا تدركه السياسة الصهيونية هو أن الصلبيين أمضوا لا يقل عن قرنين ونصف في حالة احتلال لتلك المنطقة العربية؛ ثم زال احتلالهم. ولم يكن ذلك فعل كيانات عربية كبيرة تحيط بالاحتلال.

بل بالفعل الثقافي النفسي الاجتماعي الشعبي الذي لم ير في الصلبيين إلا حالة احتلال.

قد يرى البعض أن الأزمان والقوى تغيرت؛ وما كان وراء المد الصليبي قوى تريد للاحتلال أن يبقى وبدعم مالي وعسكري وتخطيط استراتيجيي كما الآن. اليوم الشيء ذاته سلباً وإيجاباً متوفر وينطبق في الأتجاهين عدداً وعدة ومالاً وعسكراً وتخطيطاً استراتيجياً. فكما زال الاحتلال عندها، فإنه قابل للزوال الآن. الضعف ينطبق على الجميع وكذلك القوة؛ مرئيةً كانت أم غير مرئيةً.

ذلك التبعثر القائم الآن وذاك الذي تتم مضاعفته وتكريسه الآن كان قائماً وقتها؛ وربما بشكل أفظع؛ ومع ذلك، حدث التجمع وحدثت إزالة الاحتلال.

مرة آخرى، يكمن سر ذلك برسوخ العوامل الثقافية الاجتماعية النفسية الرافضة للاحتلال الآخر، وعدم القبول بالتعايش معه.

 الآن، يرى البعض مخرجاً من كل ذلك، فالاعتماد على مجموعات مافيوية دكتاتورية مستبدة تتحكم بمصير البلاد والعباد يعتمد على الكيان الصهيوني في منع حصول أي مد جارف يولد فعلاً استراتيجياً يزيل الاحتلال، سيثبت ثانية أنه لا يجلب أمناً ولا استقراراً ولا سلاماً ولا ديمومة. قد يكون المخرج واضحاً إذا خرج التفكير من أطره الضيقة المتمثلة بالمكاسب الكبيرة المباشرة التي لا تكون إلا قصيرة الأمد حتى لو سكن السوري أو الفلسطيني أو اللبناني أو الأردني أو المصري في أبعد أصقاع الدنيا، ولو استمر من يتحكم بمسقط رأسه القريب من الكيان الصهيوني أكثر الناس دكتاتورية واستبداداَ، وخدمة للكيان، فإن صوته وفعله وثقافته وطموحه يبقى الفيتو الذي يحدد ويقر التعايش أو يلغيه.

إن تحول سورية إلى كيانات مبعثرة قد يفاقم على المدى البعيد أزمة الكيان الصهيوني في الأمان والاستقرار والسلام. فمن ثار على سلطة الاستبداد بعيشه ، مؤجلاً الثورة على من يستبد به بشكل غير مباشر من خلال احتلال أرضه، لا يمكن إلا أن يثور على من ساهم بنصرة قاتله المباشر والمتسبب ببعثرة كيانه الأكبر لغاياته الاحتلالية والاستعمارية الاستبدادية.

أضف الى ذلك الفلتان الأمني الذي سيكون سمة الكيانات الأصغر التي لن يتمكن من ظبط إيقاع بذور مشاعر عدائية للاحتلال تأخذ من مقاومتها للاحتلال شرعية لوجودها للتحكم بمن حولها. فان كان على الكيان أن يتدبر أمر العلاقة مع سلطة واحدة تمثل أنها تعاديه وتقنع الجحافل الشعبية بمقاومتها وممانعتها للاحتلال، عليه الآن أن يواجه أربعة أو خمسة كيانات لا تستطيع إلا أن تكون منسجمة وصادقة مع مقاومتها الفعلية للكيان الصهيوني المحتل للأرض والمغتصب للحقوق.

اسرائيل ذاتها تدرك ان من وفر لها الاستقرار والأمان لأربعة عقود ونيّف لم يعد قادراً على القيام بالمهمة, لأسباب عديدة أقلها ارتكابه جرائم حرب لا بحق عدو بل بحق شعبه الذي كان من المفترض أن يصونه ويسوسه بشرف. هي تدرك أيضاً أنه لن يتوفر لها من يمكن أن يقوم بالمهمة التاريخية.لا بد ان البعض يدرك ان ماكتبه بن غوريون في مذكراته: ”  الخطر على الكيان الاسرائيلي يأتي من الشمالوقد جرى
تدبر جزءاً منه عام 1967؛ والجزء الآخر تدبر أمره مَن حل مكان سعد حداد وانطوان لحد رغم كل تمثيليات الممانعة والمقاومة…. هذا الذي قاله بنغوريون يعود شبحاً بشكل آخر. …..
والان، ومع تشظي سورية بهذه الطريقة  والتفكير بحزب اللهسوريخصيصاً لجزء الـ 67 الذي ما عاد النظام قادراً على تدبر أمره لن يجدي ولن يحل ازمة الكيان الصهيوني الأبدية.   

يعتقد كثيرون أن شعار” الأسد أو نحرق البلد ” قد وصل حده النهائي؛ فأي مزيد من الحريق سيبقي في سورية فقط على من لا عمل له إلا القتال ؛ وعندما لايجد داخلياً من يقاتله فانه سيبحث عن أقرب جبهة ليفرغ جعبته فيها

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً