الكوادر السورية بين واجب البقاء وحلم الحياة والعمل

بناة المستقبل ع8 / أيار 2014

Untitledيبدو أن المؤهلين جامعياً في مدينة حلب هم الأقل حظاً في الحصول على فرص للعمل، وخلافاً لمعظم دول العالم فإن المؤهل الجامعي ليس كافياً لكسب الرزق في إحدى مدن الحرب،  سجلت هذه المدينة خلال السنتين الماضيتين انهياراً لجميع مؤسساتها الاستثمارية ومنشآتها الصناعية ما جعل حياتها الاقتصادية تأخذ منحىً آخر يعتمد على توفير ما لوازم الحياة الباقية فيها، يعتمد معظم السكان هنا على ممارسة المهن والتجارة المحدودة وتقديم الخدمات الأساسية لكسب أرزاقهم فيما انحسرت بشكل كبير جميع الأعمال العقارية والتجارية الضخمة، ما جعل أصحاب المهن أوفر حظاً في الحصول على المال وتدبر أمور المعيشة.

داء البطالة يصيب الخريجين الجامعيين أولاً

فيما ارتفعت نسب البطالة الى مستويات عالية بين الشباب السوري بشكل عام، فإن فرصة الأكاديميين للحصول على فرصة عمل أصبحت شبه معدومة، يقول عدنان وهو مهندس معماري “كنت أحلم في الحصول على عمل في إحدى أكبر الشركات المعمارية في البلاد، وقد عملت بجد وحصلت على علامات عالية خلال دراستي، والآن وقد تخرجت منذ سنتين ذهبت أحلامي في مهب الريح ولازلت أتدبر أمور معيشتي على حساب والدي”، أما أحمد ومهندس ميكانيكي فقد قرر التخلي عن  ما تعلمه واتجه ليمارس مهنة أخرى “بقيت في حالة اكتئاب لعدة أشهر بعدما فقدت عملي في إحدى المؤسسات الخاصة، لم أرد ان أبتعد عن أهلي ومدينتي لذلك فأنا أدفع ضريبة اختياري وأعمل ببيع الألبسة الداخلية في على بسطة وسط المدينة حتى أستطيع العيش”، ممارسة هذه المهن لم تقتصر على بعض الخريجين، فقد توجه العديد من الطلاب الجامعيين أيضاً لها كملاذ لكسب بعض المال وتوفير مستلزماتهم ومصاريفهم الجامعية، عابد طالب طب بشري ويعمل سائقا لأحد السرافيس في المدينة “لا يملك والديّ المال لدعمي  في إكمال تعليمي، وجدت عملاً مسائياً كسائق سرفيس كنت خجلاً في البداية خاصةً عندما يصعد زملائي ويعرفون بأني السائق، بعد فترة تحول الأمر الى شيء ممتع فانا أحصل على الكثير من نظرات الإعجاب والدعوات عندما يعلم الركاب بأني طالب طب”.   

حلم الهجرة

السفر خارج البلاد بعيداً عن الموت والدمار والحصول على عملٍ جيد وحياة طبيعية أصبح أحد أكبر أحلام الشباب السوري اليوم، ينشغل الكثير من الشباب كل يوم في البحث عن البلد المناسب للعمل أو العيش أو اكمال تعليمهم، ويبدو أن الأمر لم يعد سهلاً كما كان، فقد فرضت الكثير من الدول العربية والأوربية شروطاً صارمة على دخول السوريين لأراضيها، يقول عيسى وهو شاب سوري “أقضي يومي كاملاً أمام شاشة الكومبيوتر أبحث عن منحة دراسية علها تنقذني من وضعي هذا، لا يهمني حقاً ما هو البلد الذي سأذهب اليه همي الوحيد الخروج من ذل العيش هنا، ولو أني أملك مالاً لسافرت منذ زمن، العديد من أصدقائي يفعلون مثلي، السفر أو البقاء  لم يعد السفر أمراً محيراً لأحد ، هو حلم الجميع حتى تنتهي الحرب”. بعيداً عن النازحين قسراً فقد بلغ عدد المهاجرين طوعاً مستويات غير مسبوقة،  وتعد الكوادر العلمية والطبية والفئة المتعلمة والمثقفة أكبر الفئات التي غادرت البلاد بحثاً عن حياة أخرى، يقول الدكتور سامر وهو طبيب مهاجر “قرار سفري لم يكن طوعاً لم يكن لدي أية صلة بالثورة أو بالنظام كنت انساناً أمارس مهنتي فحسب، لكن وصلتني العديد من التهديدات وخُطف ابني لابتزازي على دفع المال، بعد أن عاد ابني قررت فوراً السفر للحفاظ على سلامتي وسلامة عائلتي ، لا أعتقد بأن سفر الأطباء هو تهرب من واجب وطني، لكن الأطباء قادرون أكثر من غيرهم ربماً على تدبر حياة الخارج و أي شخص يستطيع اليوم أن يعيش خارج البلاد أعقد بأنه سيفعل، بأي حال فهو قرار شخصي” .

دعوة للعودة الى الوطن

خلافاً لرأي الدكتور سامر أُطلقت العديد من الحملات الأهلية والدعائية في سوريا تدعو الكوادر العلمية من أساتذة الجامعات والأطباء الى تحمل مسؤولياتهم والعودة الى الوطن، أما عن أسباب هذه الحملات فيقول لنا الدكتور ضاهر وهو مدرب في الهلال الاحمر السوري “ظهرت مؤخراً العديد من الانعكاسات السلبية لهجرة الكوادر السورية الى الخارج، فهناك نقص في الاخصائيين كأخصائيي الاورام والتجميل وجراحة الأعصاب والغدد وعددهم لم يعد يتجاوز أصابع اليد الواحدة في سوريا، ويعاني المرضى الكثير للوصول أليهم، وقد ألغيت الكثير من اختصاصات الدراسات العليا في الجامعات السورية وحُرم الكثير من الطلاب من متابعة دراستهم في هذه الاختصاصات، عدا عن الكوادر الادارية والجامعية في مؤسسات الدولة، يتسلم اليوم الكثيرون من الغير مؤهلين كبرى المناصب الحكومية بسبب نقص الكوادر، أعتقد بأن عودتهم للعمل في الوطن واجب عليهم وتوفير الأمان والمال لهم واجب الجميع  من جميع الأطراف”، يضيف الدكتور سامر عن توقعاته لنتائج هذه الحملات “لا أعتقد ان نتائجها ستكون سريعة، لكنها ضرورية لخلق الوعي لهذه المشكلة، بتقديري بأن هذه الحملات ستظل لعشرات السنوات من الآن كما يحدث في لبنان”.

المال نصيب تجار الأزمة

على الجانب الآخر يوجد الكثير من المستفيدين من هذا الواقع الاقتصادي والمعيشي السيء الذي يعيشه السوريون اليوم، يطلق السوريين عليهم تجار أو سماسرة الأزمة، تنعكس أعمالهم التي تسير بطريقة غير أخلاقية على حياة السوريين سلباً لتزيد من وقع المعاناة أكثر، يقوم هؤلاء التجار باحتكار البضائع والمواد الغذائية وموارد الطاقة وتقديمها في أوقات الحاجة بأسعار خيالية، أصبحت هذه التجارة تُمارس على نطاق واسع في سوريا، ويشكك السوريين بصلة هؤلاء المباشرة بقوات الأمن السورية التي تتيح لهم المجال والظروف المناسبة لممارسة أعمالهم، يقول أبو عامر وهو صاحب أحد المحلات التجارية “لولا انقطاع الكهرباء لعشرة  أيام لما بيعت آلاف المولدات الكهربائية التي دخلت المدينة حينها، ولولا الحصار لما وصل سعر ليتر البنزين ل 500 ليرة، لا يستطيع هؤلاء التجار أن يقضوا أعمالهم دون دعم من قوات الأمن”، يقول الدكتور سامر معقبا على الأمر “لا مكان لي في بلاد يعيش يكسب فيها معقد المعاملات والرشاوي اكثر من الاخصائي”.

 نتائج هذا الانقلاب الكبير في موازيين الثروة والمال التي أحدثها الحرب في سوريا ستعيش مع السوريين طويلاً، ويقدر الأخصائيون بأن سوريا ستحتاج لعشرات من السنين القادمة لتعود للحالة الاقتصادية التي كانت عليها، لكن يبقى السؤال هل يحصل السوريون حينها على العدالة الاجتماعية التي يستحقونها.

شاهد أيضاً

رزق العبي: مع بداية العام الدراسي.. من بين كل 3 أطفال سوريين هناك طفل بلا تعليم

  رزق العبي – مجلة رؤية سورية / ع 47 أيلول 2017م دخل طلاب سوريا، ومعظم …

اترك تعليقاً