الثورات العربية ابتكارٌ أم قياس وتقليد؟

  إبراهيم الجبين- بناة المستقبل ع8/ أيار 2014

Untitled

لم يكن التحرّك الكبير الذي شهدته أعوام 2010 ـ2011، على الساحة العربية من تونس إلى مصر وليبيا واليمن وبلاد الشام حدثا عادياً، ولا ينبغي له أن يكون كذلك، فهو ظاهرة تستحق التوقف طويلاً على يد الباحثين والمفكرين، الذين غاب دورهم مع صعود القبضة الحديدية التي أحكمتها السلطات الاستبدادية من جهة، ومع اندفاع الجماهير من العوام وأهل الشارع عبر الثورات، فضاع المفكرون في زمنٍ جديد عليهم، ولم يكن لديهم من خيار سوى أن يؤيدوا تلك الثورات أو يقفوا ضدّها.

هل كانت تلك الثورات ثورات رأي؟

هل كانت تلك الثورات ثورات تحمل رؤية؟

لا يحتاج الأمر إلى الكثير من التأكيدات وضرب الأمثلة على خلط العقل العربي في كثير من المواضع ما بين الرأي والرؤية في أدبياتهم، فتصبح القناعات والاستخلاصات العقلية هي ذاتها الأهداف والتصورات للقادم من الأيام مندمجة مع الأحلام والخيالات واليوتوبيا، فتضيع الدلالات تماماً ولا يبقى مطرحٌ للتفكير العاقل المستيقظ، واليوم كثرت الوقائع الكبيرة التي واجهت التفكير العربي، بعد انتفاضة العرب الكبرى التي شهدتها الأعوام الثلاثة الماضية، والتي لم يُعرف لها منتهى بعد، وفي القضايا الكبرى لا يصلح الرأي وحده، فهو كما قيل «معرفة ذاتية ناقصة» وليس «المعرفة الموضوعية» أو «الحقيقة»، وإن ذهبنا إلى الماضي لرأينا كيف أن السفسطائيين وحدهم كانوا هم الذين دمجوا ما بين الرأي والحقيقة «كلّ شيء هو كما يعتقده أيّ فرد»، والفاروق في هذا كان أرسطو حين قرّر أن الرأي هو «المنهج التجريبي للمعرفة، الذي يمكن أن يتغير موضوعه ويصبح زائفاً».

قضايا الخمسين سنة الماضية

في حين عالج العرب في الخمسين سنة الماضية كل قضاياهم بناء على «الرأي»، وحين توسعوا قليلاً أضافوا إليه «الرأي الآخر» كي يبدو الأمر وكأنهم ديمقراطيون حقاً، أما الرؤية فهي الطموحات والآمال المستقبلية التي لا يمكن تحقيقها حالياً، وهي أهداف الفرد أو المؤسسات لفتره زمنية محددة، وهي النتيجة النهائية التي تسعى لصنعها، وقيل إنها «شيء محدّدٌ يجب أن يتحقّق وينتهي» وهي «وسيلة وليست غاية»، وهي «كمية» وليست «نوعية»، وإن كان الأمر كما قدّمتُ أعلاه، فإن للواقع ما يفسّره دون كبير جهد وعناء، لتصبح المشكلة ليست في الواقع بل في العقل العربي ذاته الذي ينتمي إلى عصور قديمة، ويستخدم أدوات قديمة في التحليل والمناقشة، ومن مشاكل العقل العربي التي فككها وحللها وناقشها عدد قليل من المفكرين كالجابري الذي وجد أن العقل العربي إنما تكوّن مع بداية تفسير القرآن الكريم، وتقعيد اللغة، وتأسيس قواعد أصول الفقه، فخرج العقل العربي عقلاً يعتمد القياس ولابدّ له من نموذج ليقيس عليه ليصل إلى الفكرة، ومن هذه الميزة/ العلة، كانت ظاهرة الربيع العربي قياساً واسعاً وكبيراً على شرارة انطلقت في تونس ثم امتدت إلى جوارها وصولاً إلى ليبيا واليمن ومصر وسوريا، بينما كان القياس الأخطر هو ما بعد الحصول على حرية التعبير عن الرأي التي حاربت من أجلها ملايين المتظاهرين في الشوارع، وقد أنجزتها حقاً ولكن لتفعل بها ماذا؟

كان يفترض بالثورات المنتصرة أن تستغل حرية الرأي بوضع الرؤية، على ما بينهما من فارق، ولكن الإشكال العقلي العربي عاد للظهور من جديد في أزمة القياس، فلم تجد تلك الملايين من نموذج تقيس عليه سوى النموذج التركي، الحرية والعدالة والتنمية والإسلام السياسي، بينما كان يمكن لها أن تجترح كائناً جديداً بانيةً على تجاربها العريقة في التحضّر وصناعة التقدّم، فتم استسهال استحضار النموذج التركي، لتطبيقه كوصفة جاهزة على المجتمعات العربية، تلك التي نجحت فيها الثورات والأخرى التي ما زالت تعاني من مخاضها، ونتيجة لغياب المفكرين الجادين، الذين تم استبدالهم بوسائل الإعلام وممارسي السياسة، لقيادة الرأي العام، الذي قبل هو الآخر، لأنه يتشارك مع هؤلاء في العلة العقلية ذاتها، فسمح ملايين الثائرين بتطبيق التجربة في مصر، وتونس وتم المضي فيها على أنها حقائق يقينية في شكل وعلاقات وأداء المعارضة السورية وأشكال التجسد السياسي التي مثلتها لتكون ناطقاً باسم الناس، وقد يكون النموذج التركي صالحاً على المستوى التنموي والاقتصادي والثقافي في تركيا، ولكن لم يقل للناس أيٌ من متبّني القياس على ذلك النموذج، كيف وماذا سيفعلون بموافقة أردوغان وحزبه على كثير من القضايا التي ما زال العرب أبعد ما يكونون عنها، أو عن التفكير في حلول لها، كالعلاقات مع الإسرائيليين على سبيل المثال، فبات المتابع يرى مشهداً فانتازياً يغفر فيه السوريون لأردوغان صداقته مع إسرائيل، ويتحدثون في الوقت نفسه عن بشار الأسد كحام لحدود دولة العدو.

رسالة إلى إسرائيل

وحتى يبرهن إخوان مصر على أنهم تجاوزوا تلك العقبة، بادر الرئيس المعزول محمد مرسي بإرسال رسالته الودّية الشهيرة إلى الرئيس الإسرائيلي، وطرح عصام العريان فكرة عودة عشرات الآلاف من اليهود المصريين إلى بلدهم الأصلي، وكان ذلك كلّه ارتجالاً وقياساً جديداً لم يقدّم ولم يؤخر، بل أدى إلى مواجهة جديدة مع حقيقة العقل العربي الذي لم يدرك فوارق القياس بين حالين وزمنين وثقافتين، وكان قد ظنّ بسبب استعماله للأدوات القديمة في التفكير أن الشعب التركي والشعوب العربية متطابقة تماماً وهذا غير صحيح وفوارقه تخضع لاعتبارات عديدة، كالعلمنة القسرية التي خضعت لها تركيا على يد أتاتورك ولم يحدث هذا في البلاد العربية، ولا شيء يؤكد أن تيارات الإسلام السياسي التي حُرمت، كما حُرمَ غيرها، طويلاً من العمل السياسي والوصول إلى الحكم في البلدان العربية، ستكون هي القائد المناسب للمرحلة التالية بعد إسقاط الأنظمة، سوى القياس على النموذج التركي، الأمر الذي أدى إلى تهميش فئات أخرى بادرت وساهمت وشاركت في صنع الثورات والبحث عن المستقبــل الأفضل.

لم يكن الذنب ذنب الإسلام السياسي وحده، ولكنه مآل الإشكالية العقلية التي اشترك فيها الإخوان مع بقية فئات الشعب في مسار تفكير ليس بالضرورة أن يكون صحيحاً، والإسلام السياسي واجه مشكلة الحد الفاصل ما بين الرأي والرؤية، فلم يكن لديه من رؤية سوى ما كتبه حسن البنا في رسائله عن النهضة ومشروعها ومراحله، فانفصلت القوى التي تماسكت أول الثورة وانقلبت على بعضها البعض، وجاء عقل قياسي آخر يريد استحضار نموذج جمال عبدالناصر من جديد، بينما ظهر في سوريا من يريد استحضار المهدي وزمن الصراع ما بين علي ومعاوية، أو استعادة الصحابة والخلافة وفي أحسن الأحوال اختلافاً، في الشكل وليس في المضمون، معادلة حماية الأقليات كما في خطاب بعض المعارضين السوريين للدول الغربية للحصول على الدعم، أو في خطاب النظام السوري ذاته، ليستمر القياس واعوجاج التفكير وآثاريّة العقل.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً