إعادة تشكيل الشرق الأوسط

_17غازي دحمان- العرب: تبدو الوقائع على المسرح الاستراتيجي العالمي مخالفة تماماً للتصورات والتفسيرات الغزيرة التي تحاول فهم اللحظة العالمية، حيث تذهب معظم التحليلات التي تحاول تفسير السياسة الأميركية في الشرق الأوسط إلى نتيجة واحدة مختصرها أن واشنطن في طور لملمة أشيائها وتحزيم حقائبها استعدادا لمغادرة الشرق الأوسط، ولم يبق سوى انتظار تلك الالتفاتة الأخيرة التي ستوثقها عدسات التصوير لآخر جندي يصعد على آخر سفينة أميركية باقية في المتوسط.

تبنى معظم تلك التفسيرات على مؤشرات ملتبسة لما تكتنفه من عناصر لا زالت في طور التحرك ولم تستقر بعد بوصفها معطيات راسخة وقارة، فضلاً عن المنسوب الافتراضي العالي الذي تنطوي عليه، ناهيك عن واحدية الاتجاه لهذه المؤشرات، مما يدلل على فقرها المعرفي وضعف نتائجها التفسيرية تالياً، حيث ترتكز أغلب المؤشرات على البعد الاقتصادي في تفسيرها لفرضية الانسحاب، وتربط هذا الأمر بالأزمة الاقتصادية التي تمر بها الولايات المتحدة الأميركية، دون إيلاء الأهمية لبقية العناصر التي تتشكل منها استراتيجيات الدول.

الواقع أن ثمة خللا ما في هذا التصور، تفضحه بديهيات السياسة الدولية إذ ليس بإمكان الولايات المتحدة الأميركية البقاء في مكانة الدولة العظمى الأكبر في العالم وممارسة سياسة الانكفاء تجاه منطقة حيوية ومهمة في العالم، وخاصة وأن دورها لا زال مرحباً به، إضافة إلى أن مصالحها الاقتصادية والعسكرية لا زالت موجودة، وأنه من الإجحاف النظر إلى متغير واحد، كالاكتفاء الذاتي الأميركي من النفط، وأن يتم على أساسه تقدير ذهاب واشنطن إلى بناء استراتيجيات جديدة ومغايرة. من جهة أخرى لم تتغيّر وظيفة الشرق الأوسط الجيو استراتيجية ولم يغادر مكانه بوصفه ميدانا يتوسط العالم ويؤثر على أمنه ومستقبله، وأن القوى التي تتواجد فيه تستطيع التحكم في ضبط تطورات عالمية كثيرة، كما تستطيع مراقبة العالم ومعرفة اتجاهاته، وهذه لا يمكن فصلها عن المصالح الأميركية الكبرى التي لا يمكن حصرها في قضية الاكتفاء النفطي، أو البحث عن مصالح تجارية معينة.

التصور الأقرب للوقائع الجيو- استراتيجية أننا أمام نمط استراتيجي أميركي جديد يقوم على إعادة صياغة وتشكيل الشرق الأوسط بطريقة جديدة، وليس الانسحاب منه، هذه الاستراتيجية الجديدة تقوم على نقيض استراتيجية أميركية دامت طوال نصف قرن ارتكزت على مبادئ معينة للحفاظ على هندسة ومعمار الشرق الأوسط القديم بأنظمته السياسية والاجتماعية وحدوده وضبط صراعاته وتفاعلاته، هذه السياسة انتهت اليوم، لكن مصالح أميركا باقية في أكثر من موضع، وهي ليست في طور التخلي عنها أو تركها للخصوم والحلفاء يديرونها بالطريقة التي يريدون.

في إطار هذه الإستراتيجية ترك المنطقة تتشكل من جديد، وهذا الأمر ليس وليد اللحظة بل جرى الحديث عنه والتنظير له منذ بداية القرن فيما سمي في حينه «الشرق الأوسط الجديد» أو «الفوضى الخلاقة»، وهي وإن بدت بالنسبة لقاطني الشرق الأوسط على أنها سياسة تآمرية فهي بالنسبة للسياسة الأميركية ليست سوى نمط أو طريقة لتسهيل التعاطي مع منطقة جغرافية معقدة، تستهلك الكثير من الإمكانيات والموارد، في حين يمكن إيجاد طرق جديدة لترشيد هذه العملية وتحقيق الجدوى منها بحيث تحقق مصالح واشنطن، وليس بالضرورة أن تراعي مصالح سكان المنطقة أو قسم منهم. آليات هذه الاستراتيجية الجديدة، قد تكون عبرالسماح للتعبيرات المختلفة اجتماعيا وأيديولوجياً وتطبيقاتها الحركية بالظهور، على شكل كيانات جديدة، حزبية أو دولتية، مثل ظهور الإخوان المسلمين كقوة فاعلة في المنطقة، أو حتى ظهور كيانات سياسية على أسس عرقية وطائفية.

لا يمكن وصف هذه السياسة بالانسحاب، إذ لا يبدو أن الانسحاب يأتي لمصلحة طرف معين، فلا روسيا الغارقة بمشاكلها لديها القدرة على إدارة مناطق مأزومة، ولا إيران المنهكة والمتعبة قادرة على الاستفادة من هذا الانسحاب في ظل انتصاب حرب طائفية كفيلة بتدمير كل الفائض الإيراني، فما حجم استفادة إيران من العراق وسفنها تبحث عن موانئ تستقبل نفطها الذي تعرضه بأقل من السعر الحقيقي لتقوّت شعبها، وحتى إيران نفسها معرضة بدرجة كبيرة للخطر نتيجة المشاكل التي تنطوي عليها، والتي لا تختلف بدرجة كبيرة مشاكل وأزمات بلد مثل سوريا.

التفسير الأقرب لهذه الظاهرة ينطوي على بعد استراتيجي جغرافي، يمكن وصفه بمحاولة إعادة الهيكيلية الاستراتيجية ولكن وفق معطيات وشروط الحظة الراهنة واستحقاقاتها، وهي عملية كلاسيكية في الاستراتيجية الدولية، وإنما يجري إعادة إنتاجها، فالقضية ترتبط ارتباطا وثيقاً بطاقة الدول وتوجهاتها ومزاج نخبها، ثم تطبيق ذلك وترجمته على الواقع الجغرافي العالمي، بمعنى إعادة تطويع الجغرافيا وتشكيلها بطريقة أكثر جدوى وقابلية لخدمة مصالح الدول ولكي تتمتع بالمرونة الكافية واللازمة لإنجاز التسويات مع بعض الأطراف الإقليمية والدولية. حصل ذلك عشية مؤتمر برلين الذي أعاد صياغة أفريقيا، وعقب الحرب العالمية الأولى ومؤتمر سان ريمو الذي أعاد تشكيل المنطقة العربية، وحصل نفس الأمر في آسيا الشرقية عندما أعيدت صياغة الهند وباكستان وبنغلاديش، وفي كل هذه المرات كان الأمر يحصل نتيجة تطورات الحركة الرأسمالية العالمية وظهور متغيرات في سلم القوى العالمي وهيكلية القوى. نحن أمام تجريب سياسات أميركية جديدة أكثر من انسحاب، ولكن بما أننا نقع بين حدي الانخراط والانسحاب لم نلحظ المتغيرات التي تتضمنها السياسة الأميركية الجديدة، فأميركا لن تنسحب وتمارس سياسة اصطياد الفرص في المحيط الهادئ وظهرها مكشوف. كما أن النظام الإقليمي الشرق- أوسطي يشكل جزئية مهمة من تفاعلات النظام العالمي ولا يمكن التعامل معه بهذه الخفة، والإستراتيجيات الكبرى لا تنسحب، بل تجرب وتكمل، عبر تبين نتيجة التجريب.

لكننا في الشرق الأوسط يجب أن ننتبه لحقيقة مهمة، أن أميركا سمحت للتعبيرات المختلفة بالظهور والتعبير عن نفسها، ومثلما لم تمانع بظهور التعبيرات السياسية لن تمانع أيضاً بظهور التعبيرات الكيانية، والشرق الأوسط، بلا استثناء، من مراكش حتى القوقاز، يقع على خط هذه التعبيرات.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً