دير الزور …عروس الفرات المستباحة من الأسد وداعش

  فؤاد المداد– بناة المستقبل ع8/ أيار 2014

Untitled

عادةً ما ترتبط الأنهار العظيمة بحضارات ومدن عريقة تقوم على ضفافها، وقصة دير الزور مع الفرات لم تشذ عن هذه العادة، فكانت مذ عرفها التاريخ شريكته في العظمة والخلود. مدينةً عريقة ضاربة بجذورها في عمق التاريخ، وتشير الدراسات إلى أن أول الحضارات التي قامت في حوض الفرات بجزئه السوري تعود إلى الألف السادس قبل الميلاد.

ولتسمية المدينة قصص وروايات مختلفة لا يزال أهلها يختلفون حولها حتى يومنا هذا، القسم الأول من التسمية دير وهذا لا خلاف فيه، فمن المعروف أن المدينة عُرفت تاريخياً بكثرة الأديرة، لذلك كان اسم الدير مصاحباً لجميع التسميات التاريخية للمدينة. أما كلمة الزَور، فتشير الدراسات أنها جاءت من كلمة الزَور وهي الأرض المنخفضة التي يجري فيها نهر الفرات وعلى هذا سميت بدير الزور. رواية أخرى تذكر أن كلمة زور جاءت من الازورار بمعنى أن نهر الفرات يزور أي ينحني انحناءة شديدة عندما يدخل إلى المدينة.  رواية ثالثة تشير إلى أن الزور تعود إلى اللهجة المحلية، من القوة أو العنوة، أنصار هذه الرواية يقولون بأن القبائل العربية عندما دخلت المدينة استولت على دير الرهبان بالقوة أو بالزور بحسب اللهجة المحلية،فهرب الرهبان منه وأصبحوا يسمون ذلك الدير بدير الزور ودرجت التسمية وبقيت حتى يومنا هذا.

أياً كان أصل التسمية فدير الزور تبقى عروس الفرات ، المدينة التي يأوي إليها النهر لتحتضنه بعد رحلةٍ شاقة بين الجبال والوديان صعوداً ونزولاً، قادماً من هضبة أرمينيا التركية ،ليستريحَ في دير الزور قبل أن يكمل مسيرته الطويلة إلى مصبه في شط العرب مروراً بالعراق .و بقيت دير الزور عبر التاريخ تلك الواحة التي يبحث فيها المسافرون عن استراحة حتى يومنا هذا، ساعد على ذلك طيبة أهلها وودهم ومحبتهم للصداقة والغريب ،لا يكاد زائرها يقيم فيها لأيام قليلة حتى يشعر بأنه من أهل المدينة ولا يقوى على فراقها ، وإن فارقها يشده حنينه الدائم إليها .

وللمدينة من اسمها نصيب، فقد كانت على مر التاريخ من أكثر المدن السورية تمرداً على الظلم، منذ العهد العثماني الذي أرسل إليها حملات متعددة لإخضاعها، وُوجهت جميعها بمقاومة شديدة، وقتل العديد من عناصرها مما كان يضطر  قادة هذه الحملات إلى التفاوض مع أهلها. استمرت ديرالزور على نهجها هذا خلال الاحتلال الفرنسي لسوريا، حيث شهدت المدينةثورات متعددة على الفرنسيين كان أشهرها ثورة رمضان شلاش فضلاً عن مشاركة شبابها في الثورات التي قامت في المدن السورية الأخرى.

ومع اندلاع الثورة السورية كان من الطبيعي ألا تتأخر دير الزور عن الدخول بقوة في الحراك الشعبي الذي كان أهل المدينة ينتظرونه منذ زمن لما ذاقوه على يد النظام الأسدي من ظلم وقهر وإهمال، فوجدوا كغيرهم من السورين في الثورة السورية،الفرصة الحقيقية للتعبير عن غضبهم ورفضهم لهذا النظام. فثارت المدينة بكبيرها وصغيرها، مدينةً وريفاً، ونافست أخواتها السوريات في مظاهراتهم فكان اليوم الأيقونة في عمر الثورة السورية يوم جمعت مع حماه شريكة القهر والظلم وابنة العاصي الأخ الأصغر للفرات،تلك المليونية الشهيرة في الثورة السورية فُجن جنون النظاموقرر أن لا بديل عن الحديد والنار لقمع الثورة في هذه المدينة، وكعادتها قبلت دير الزور هذا التحدي مع الغازي الجديد.

دير الزور المدينة المُستباحة :

ما شهدته  دير الزور من ظلم ودمار ،على مدى ثلاث سنوات من عمر الثورة قلّما شهدته مدينة عبر التاريخ ،وربما أهم ما يميزها ،هو أن المدينة تعرضت لنوعين من الظلم ، الأول: إجرام النظام الذي أذاق المدينة وريفها كل أنواع القصف والموت، فدمر المدينة بشكل شبه كامل حتى باتتأطلالا ًبكل ما تحمله الكلمة من معنى، بشراً وحجراً وشجراً ،وقد أكد بعض ممن خرجوا من المدينة وعادوا إليها بعد أشهر بعد أن تقطعت بهم سبل الحياة، أنهم لم يتعرفوا على كثير من معالم المدينة وأحيائها وشوارعها التي أحيلت إلى أكوام من الأنقاض بفعل قصف النظام المستمر عليها ، حتى جسرها أيقونة المدينة ، الجسر المعلق الشهير تم تدميره لتفقد المدينة رمزا َ من رموزها وأهم معالمها.

الثاني: ظلم آخر من نوع خاص، ربما أشد وطأة وقسوة ً من ظلم النظام على فداحته، وهو ظلم ذوو القربى ، أبناء المدينة أنفسهم، فلم تشهد مدينة سورية أخرى حركة نزوح سريعة كالتي شهدتها مدينة دير الزور، حيث هجرها معظم سكانها، هرباً من القصف وعلميات النظام العسكرية حتى باتت شبه خالية ،حيث تشير الإحصاءات الأخيرة أن المدينة تضم اليوم أقل من 40% من إجمالي سكانها الأصليين، وقد يستغرب القارئ هنا من الفكرة، ويتبادر إلى ذهنه السؤال: هل يعتبر نزوح السكان هرباً من القصف والحصار بحثا ً عن الأمن والأمان ظلما ًبحق المدينة؟ وقد يقول قائل أنكل المدن السورية شهدت ما شهدته دير الزور من حركة نزوح واسعة النطاق، فمن الجنون أن نطلب من الناس البقاء والعيش تحت القصف اليومي للمدينة.

الحقيقة ما أريد قوله هنا، بأن المدينة شهدت حالة غريبة من النزوح الجماعي، وتأتي الغرابة من أمرين اثنين يناقشهما بدهشة أبناء المدينة في أحاديثهم الخاصة، الأول: هو الزمن القياسي للنزوح حيث هجرها معظم أهلها خلال فترة لا تتجاوز شهرينتلت بدء العمليات العسكرية فيها وهو ما أدهش الكثير بمن فيهم أهل المدينة أنفسهم ممن بقوا فيها صامدين حتى لحظة كتابة هذه السطور. الأمر الثاني : هو نوعية النازحين من المدينة ، والمقصود هنا الأطباء والصيادلة وغيرهم من أصحاب المهن التي تعد المدينة بأمس الحاجة إليهم خلال فترة الحرب ، فمن بقي في المدينة من أبنائها يكادوا لا يغطون إلا اليسير من حاجاتها التي تتعاظم مع تعاظم القصف الهمجي للنظام ، وهذا ما يلمسه المتابع لأخبار المدينة وأحوالها ، فكثيراً ما نشاهد ونقرأ عن مناشدات من أهلها للأطباء بالعودة إليها فهي اليوم بحاجة لهم أكثر من أي وقت مضى ، بل إن بعض هذه النداءات كانت تترافق بوعيد لمن تخلى عن المدينة في هذه الأيام العصيبة وترك أهلها لمصيرهم .

ومن باب الإنصاف لابد من التذكير بأن حركة النزوح التي شهدتها المدينة كانت على مراحل، ففي بداية القصف الهمجي الذي طال الأحياء المحررة اتجه المدنيون ومعظمهم من النساء والأطفال والشيوخ إلى الأحياء الأخرى التي لم تتعرض في وقتها للقصف. فعلى سبيل المثال في بداية العام 2012 كانت وجهة أهالي كل من الشيخ ياسين والعرضي والموظفين هي أحياء الجورة والقصور نظراً لكونها تقع في مربع أمني مما جنبها قذائف المدفعية التي وُجهت باتجاه الأحياء المذكورة. لاحقاً قام النظام بمساعدة أعوانه ومخابراته بملاحقة الهاربين من الأحياء المحررة وتوجيه عدة تهم لهم من قبيل: أهالي عناصر مسلحة ومنشقين وسكان الحاضنة الشعبية للثورة، وبدأت حركة الاعتقالات في تلك الفترة مما اضطرهم إلى النزوح إلى الأرياف أولاً ومن ثم إلى مدن أخرى.

وبالعودة إلى الظلم الذي تعرضت له مدينة دير الزور على يد البعض من أبناء المنطقة، نجد أن المدينة استُبيحت تماماً، حيث شهدت المدينة طوال الثلاث سنوات الماضية عمليات سرقة ونهب للنفط علناً، ولم يكتفِ لصوص النفط أوالنفيطة كما يحلوا لأهل المدينة تسميتهم بسرقة النفط فحسب، بل قاموا بتكريره بأساليب بدائية للاستفادة منه وبيعه بأسعار مضاعفة، مما ساهم بتلويث المدينة وانتشار الأمراض بين من بقي من سكانها، ليضاف إلى أشكال الموت الأخرى التي يعاني منها أهالي المدينة وريفها. حتى تراث المدينة وتاريخها لم يسلم من الأذى والتخريب والنهب، حيث تزدهر في هذه الأيام تجارة الآثار في العديد من المواقع الأثرية، كما في كباجب والصالحية الغنية بالآثار الرومانية، ماري وقلعة الرحبة وغيرها من المواقع التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ، لتصبح المدينة اليوم أمام خطر فقدان معظم تراثها وتاريخها بفعل عمليات الحفر العشوائي باستخدام الأدوات البدائية لاستخراج القطع الأثرية مما يسبب بتدمير مواقع أثرية كاملة تشكل جزءاً هاماً من تاريخ سوريا والإنسانية.

 

لايزالالوضع العسكري العام في المدينة غير محسوم لصالح أي من الطرفين، كلّ ٌ تحصن في مواقعه ونسمع بين الفينة والأخرى المعارك التي تدور رحاها في بعض المناطق التي يحاول النظام التقدم فيها مثل: الموظفين، الصناعة ، الرشدية ، الحويقة. بينما لازالت مدفعية الجبل ترشق القذائف بشكل مستمر على الأحياء المحررة دون إحراز أي نصر عسكري. بينما تشهد جبهة المطار معارك من وقت لآخر لم تحُسم حتى اليوم بسبب غياب التعاون والتنسيق بين كافة الألوية والكتائب المقاتلة في الريف والمدينة.

أخيراً وليس آخرا ً، لوأضفنا ما تعرضت له المدينة من تعتيم إعلامي مقصود إذا تكاد أخبار المدينة المنكوبة شبه غائبة عن وسائل إعلام الثورة مقارنة بغيرها من المدن التي لم تلقى ما لقيته. وعليه يمكن القول ، بأن دير الزور هي مثال للمدن التي استبيحت بالكامل ، بداية من قبل النظام وشبيحته ، وأكمل استباحتها البعض من أبنائهاممن لا يعرفون قيمتها ، والذين اقل ما يمكن وصفهم به الخونة ، ،والله إنيأرى هذا اشد إيلاما، و أكثر مضاضة مما تعرضت له المدينة على يد النظام .
نهاية َلا بد من القول أن أكثر ما يُدمي القلب بعد كل هذا ،هو أننا كديريين خسرنا مدينتنا ، وعلى الرغم من كل  هذا لن أتردد في الرهان على أن كل ديري كان سيتقبل هذا بكل رضا وعن طيب خاطر ، لو أن هذا الخسارة الكبيرة وهذا الثمن الذي دفعه أبناء المدينة من دمهم ومالهم ، وتحملوا تجربة النزوح بكل ما تحمله  من قهر وذل وهم الذين اعتادوا أن يكونوا الملجأ والمغيث لكل ملهوف وخائف ، قابلها تحرير المدينة ، وطرد النظام منها.  أماأن نخسر المدينة دون تحريرها، فهو لعمري فهو من أعظم الانكسارات وأثقلها على قلوبنا.

داعش

وفي مساع لتقليل حجم الخسائر البشرية في مدينة دير الزور، ذكر ناشطون أن هناك مفاوضات مستمرة بين “داعش” وكتائب المعارضة لتحييد المدينة عن الصراع القائم بين النصرة وداعش، وأشار الناشطون إلى أن “داعش” طرح مبادرة تنص على خروج مقاتلي “الجبهة الإسلامية” و”جبهة النصرة” من المدينة إلى الريف الشرقي بسلاحهم الخفيف، مقابل عدم دخوله إلى المدينة وإمداد بقية الفصائل بالذخيرة والسلاح، وأضاف الناشطون أن ستة من فصائل المعارضة المقاتلة بمدينة دير الزور أصدرت بياناً أعلنت فيه أنها لن تطلق أية رصاصة إلا على قوات الأسد. 

يأتي ذلك بعد أن سيطرت “داعش” على كامل الريف الغربي في دير الزور، كما سيطرت على معبر الجنينة الذي يصل الأحياء الخاضعة لقوات الأسد بمناطق كتائب المعارضة داخل مدينة دير الزور، بالإضافة إلى دواري الحلبية والمعامل عند المدخل الشرقي للمدينة. 

وأشار المصادر إلى  أن “داعش” قامت بمصادرة كمية من التبغ في قرية الكسرات وقامت بإحراقها في بلدة معدان، على صعيد آخر، تتواصل المعارك بين كتائب المعارضة و”داعش” في محيط حقل الجفرة النفطي وقرية العقيدات في دير الزور، وذكر ناشطون في المعارضة أن قوات المعارضة تمكنت خلالها من اغتنام بعض الأسلحة، والسيطرة على قريتي خشام والطابية في ريف دير الزور الشرقي بعد اشتباكات عنيفة مع” داعش”،أسفرت عن مقتل خمسة عناصر من التنظيم وتدمير آلية عسكرية.

أما في ريف دير الزور الشمالي فتدور اشتباكات بين مقاتلي المعارضة و”داعش” في قرية الحريجية، في محاولة من قبل الثوار لمنع التنظيم من التقدم باتجاه الريف الشرقي.

فراتٌ من الأمل

وأظن أن هذا أكثر ما يفطر قلوب أهل المدينة اليوم ، هو أن يروا مدينتهم تختفي بماضيها وتاريخها وحاضرها دون انتصارها،  وإن استمر الوضع على ما هو عليه دون تكاتف أبناء المدينة على طرد النظام أولا ً، والمتخفين تحت رايةِ الثورة ثانيا ً والمباشرة بتحرير ما بقي من المدينة، سنفقد دير الزور ونخسرها، وسُيقال كان هناك مدينة اسمها دير الزور، ثارت يوما ً على نظام جائر، وضحت وبذلت الغالي والنفيس،ثم اختفت وزالتقبل أن تعيش، لتقطف حريتها.

شاهد أيضاً

رزق العبي: مع بداية العام الدراسي.. من بين كل 3 أطفال سوريين هناك طفل بلا تعليم

  رزق العبي – مجلة رؤية سورية / ع 47 أيلول 2017م دخل طلاب سوريا، ومعظم …

اترك تعليقاً