الشعر في الثورة أم الثورة في الشعر…. الثورة السورية أحدث ثورة داخل لغة شعراء سورية

أميرة – خاص- بناة المستقبل ع8/أيار 2014

Untitledتساهم الثورة في أي بلد كواقع مفروض وبتفاصيلها كافة في أن تُحدِث ثورة داخل اللغة، حيث تلتقي  بالشعر ليصبّا في نسيج واحد، ويصلا إلى نتيجة واحدة حسبما يتوافق مع ما خاضه شعب هذا البلد ، وقد خاض الشعب السوري  أقصى مشاعر القهر والاضطراب والخوف والقلق والتشرد والحماسة والتفاؤل والوحشة والغضب، وبالتالي فإن تجربة خاصة تتشكل في الحياة لديه، وينقلها المبدع للمستمع والقاريء خاصة مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي ومع نزوح المثقفين السوريين خارج وطنهم وبقاء هذه المواقع شريان التواصل الأسرع  والأسهل بينهم، وأمام ذلك ف” بناة المستقبل” طرحت عدة تساؤلات حول الشعر السوري قبل وبعد الثورة والتقت بعديد من شعراء المهجر السوري الجديد ان جازت هذه التسمية ….

الثورة كسرت الصنم الثقافي

فادي جومرشاعر سوري يقيم في بيروت حاليا وجهت له ” بناة المستقبل” سؤالا عن رؤيته حول الحركة الثقافية في سوريا عامة  في ظل الأحداث الراهنة وهل يرى أن ما يحدث الآن قد فجر الكثير من القدرات الكتابية على صعيد الشعر خاصة فكان رأيه أن  الثورة  قد كسرت الكثير من ” الأصنام ” الثقافية التي مارست ديكتاتورية ثقافية لا تقل سوءاً عن الديكتاتورية السياسية طوال أربعة عقود في سورية، وظهرت مواهب شابة أبدعت في كل المجالات الثقافية تقريباً، وقدمت روحاً ثائرة حقيقية، بالمعنى الشامل للحياة لا بالمعنى السياسي وحسب، فقد  خانت النخب الثقافية قضية شعبها – مع وجود استثناءات قليلة طبعاً – وكانت فوقية ومتعالية على الحلم السوري بالحرية، ثم انحدرت إلى الحضيض حين ظلّت على تعاليها على الدم السوري وهذا لا يغتفر، وبالمقابل أفرزت الثورة نماذجاً من الإبداع الشاب سيذكره التاريخ طويلاً، وربما لم يجد بعد الطريقة ليخرج إلى النور كما يجب، لكني على ثقة أنه سينتشر بعد انتصار الثورة.

أما الشاعر السوري ياسر الأطرش والمقيم في السويد حاليا  فيرى أن الحركة الثقافية في سوريا في ظل الأحداث الراهنة ليست في أحسن حالاتها، ولا في حالة طبيعية حتى المشهد في غالبه يبدو جزءاً من الحرب، ويقصد الطارئ منه، فالحالات الأصيلة بقيت على حالها منحازة للإبداع، ولكن الطارئ وهو كثير، أشبه بالعوالق التي نمت في وسط استثنائي، عزز حضورها ونموّها الدفع باتجاه الأدب الاستهلاكي الذي يحاكي الوقائع ويحاول تدوينها بسطحية ومباشرة، فلا وقت للتعمق والتخمير، والطارئ يلاحق الحدث المتسارع ويريد أن يؤرخه ومن هنا لا يمكن الحديث عن تفجير طاقات خلاقة، المبدعون الحقيقيون لامسوا الحدث الجلل على استحياء أو صمتوا، والثورة –الفكرة – حاضرة في آدابهم ما قبل الشارع، أما بعده فلا أحد واكبه إلا هتافات المنشدين وحناجر الزجالين الذين أحدثوا فرقاً من داخل المشهد وليس من الأطراف أما أدب الثورة والحرب، فسيُكتبُ بعد وقفة طويلة مع الفجائع والانكسارات والانتصارات ربما.

أما الشاعر رامي ا لعاشق والمقيم في الأردن فيدلي برأيه عن الحركة الثقافية في سوريا حاليا بأن هناك العديد من المبدعين برعوا في هذه الفترة، ويبدو أن الحالة الثورية صنعت ثورة أيضًا في هذا المجال، وللشاعر السوري أحمد مجيب السوسي والمقيم في مصر حاليا رأيه حيث يقول : في زمن الحرب يحط طير الموت فوق حروف القوافي ويرتفع سعال الرصاص وقهقهات العتم ليلبسها ثوب السكوت أو الليل إلا مارحم ربي ممن آثر أن يغسل وجهه بدم الشهادة والصهيل الحر ، والنظام اللاسوري السفاح يمتلك الوسائل الإعلامية والأدوات ليبرز بعض المستثقفين المنتفعين ممن يروجون له ، أما المثقف الثوري يجب أن يصنع الوسيلة والأداة قبل الحرف ليستطيع إيصال صرخات حروفه إلى الأحرار.

هل الشاعر السوري حاليا شاعر مرحلة؟

وحول تصنيف الشاعر السوري حاليا بأنه شاعرمرحلة فيرى الشاعر فادي جوبر أن هذا التصنيف غير دقيق حيث يقول : أنا غادرت سوريا منذ شهور وكتبت على مدار سنوات الثورة الثلاث من الداخل السوري، و لحظة تحقق الحلم وانتصار الثورة والعودةلم تأت بعد و لن تنتهي معركة السوريين مع الحياة، فأمامنا أعوام – إن لم نقل عقودا من العمل الشاق لبناء الانسان والبلد الذي دمرته همجية النظام، وسيكون من واجب كل قادر على تقديم الإبداع أن يعمل دون توقف لزرع الأمل وإصلاح ما خربه النظام عبر عقود الحكم وسنوات الثورة.

ويرى الشاعر ياسر الأطرش أن الشاعر هو الشاعر  فالأمكنة محمولة في دواخلنا، ولا منفى إلا بفقدان ذاكرة المكان التي بطبيعة الحال لا يستطيع أحد استئصالها

والشاعررامي العاشق يرى أن الشاعر شاعر، سواء كان في المنفى أو المهجر أو في بيته، وغير صحيح ما يقال بأن الإبداع هو وليد المعاناة فقط، فالمعاناة تمنح تجارب جديدة لكن لا تخلق شاعرًا، وكذلك الاستقرار.

وللشاعر أحمد مجيب السوري رأيه حول هذه الاشكالية فيقول: قيل قديما نزلت الحكمة من السماء على ثلاثة أعضاء من أهل الأرض : أدمغة اليونان ، وأيادي أهل الصين الماهرة ، وألسنة العرب، وأهل بلاد الشام عموما وسوريا خصوصا حملوا الهوية الإسلامية والعربية في مخازن أرواحهم ، والشارع السوري كان مليئا بالطاقات والإبداعات الشعرية والأدبية بالأصل لكن الضوء كان مسلطا على أدباء وشعراء السلطة فقط لاغير ، لذلك سيطروا على الواقع الإعلامي والمشهد الثقافي في سوريا ومن خلال ارتباطهم بالأجهزة الأمنية _ التي كانت تتحكم بوزارة الثقافة وإتحاد الكتاب والإعلام _ حاربوا الدماء التي تحمل أفكار الحرية في عروق مثقفي الجيل الشاب ، والثورة بعد أن قتلت الخوف بكوامننا فجرت لحروف الأحرار أن تشرق في كتاباتهم، ولذلك فهو يرى أيضا أن الشعر هو أصابع المشاعر الإنسانية واللحظة المناوئة لليأس والمحطة التي تنقلنا للأمل ، والشاعر السوري الثوري استطاع في عتمة الظلم أن يخرج جرحه من مكامن الضوء وقدمه على ساريات البرق في طبق النزوح ، فامتطى حصان القوافي وعينه على تابوت الشهادة في وطن يقتل ياسمينه على يد طاغية طائفي سفاح ، والدماء الثورية لاتموت بل تجدد كالموج ولاتنحني لتشققات نزف التراب ،، لذلك أعترض على إطلاق مصطلح (( شاعر مرحلة )) على الشاعر الثوري بل إن سجيلة الغسقي وقناديله ستبقى تضيء طيفا” لدروب الحرية ،، واستقرار الأوضاع سيفتح مرحلة نضال وبناء للبنية الفوقية للأجيال القادمة.

شعراء مهجر سوري جديد

وسؤالنا الأخير لشعرائنا الأربعة عن  اختلاف شعرهم داخل الوطن عن شعرهم في الغربة فكانت ردودهم متباينة حيث قال الشعر فادي جوبر : كان الحنين والاشتياق هو ما طغى على ما كتبت بعد سفري.. أنا لم أغادر سورية في حياتي من قبل.. ولم أتأقلم بعد مع الغربة، فما زلت أعيش مع أصدقائي في دمشق، ولا بد أن هذا ترك أثره على ما أكتب، ولا أنكر أن قدرتي على التحدي باتت أقلّ لأني في مأمنٍ هنا، والأمان يورث الصمت والجبن ربما.

أما ياسر الأطرش فيقول: أنا أشبه نفسي أينما كنت، لا مكان إلا لسوريا في ضميري،و نحن نأخذ سوريانا أينما ذهبنا، فثلاث سنوات لم تكن كافية لأتعلم ولو حب شارع غريب.

ورامي العاشق له رأيه حيث قال : نعم اختلف، اختلفت مواضيعه، في الخارج، يبدو الحنين مرضًا، ونصبح مرصودين للشوق، ولا يمكن أن نتحدّث عما كنا نتحدث عنه سابقًا، لاختلاف الظروف والمناخ، ويبدو أننا شعب نحب النواح واللطم وننتشي بقصائد البكاء،وهذا ما جعلني أبتعد قليلا عن موضوع الحنين بالطريقة التقليدية التي تناوله الشعراء القدامى، وتناولته بطريقة جديدة كليّا.

ورأي الشاعر أحمد مجيب السوسي هوأنه بالتأكيد اختلف فهو يقول: أنا مفعم بالهجير في الغربة وأهداب أفكاري مليئة بحنظل الشوق الذي يتسلق جدران قلبي ، وفي الغربة أشعر أن روحي بالوطن وقد صارت كالبرتقال اليتيم الذي ينادي أهله ، وشراييني بين الصباح وبين الأنين تعانق ذاكرة المساجد في دمشق التي صبغها الحاقدون بصرخات الثكالى ، وأخيرا الرحمة للشهداء والحرية للمعتقلين والشفاء للجرحى وعاشت سوريا حرة بإذن الله.

 الشعراء في سطور:

فادي جومر: : من مواليد مشق 1979، درس الاقتصاد – قسم إدارة الأعمال في جامعة دمشق، عمل في مجال دوبلاج الأفلام الوثائقية كمعدّ. لم يستطع طباعة أي ديوان وهو في سوريا,, ونشر في صحف ومواقع الكترونية أغلب ما يكتبه وهو باللهجة المحكية السورية، التي تعرف اصطلاحاً: باللهجة البيضاء، ويعمل حالياً على نشر ديوانه الأول.

ياسر الأطرش: مواليد سوريا، وهو عضو رابطة الكتاب السوريين وهو عضو اتحاد الكتاب العرب – جمعية الشعر منذ العام 1999 (حتى الاستقالة عام 2012 )، حصل على العديد من الجوائز والدروع والتكريمات كما شارك في إحراز مركز متقدم في مسابقة أمير الشعراء الدورة الأولى 2007 في أبو ظبي.

رامي العاشق:  شاعر فلسطيني سوري من مخيم اليرموك، كتب العديد من أغاني الثورة السورية وتناوب على غنائها نخبة من الفنانين السوريين والعرب على رأسهم أصالة نصري، أصدر ديوانه الأول في بداية 2014 بعنوان سيرا على الأحلام وهو ديوان شعر يحاكي الثورة السورية.

أحمد مجيب السوسي: من مواليد سوريا ووالده هو الشاعر المعروف مجيب السوسي، تعلم الشعر من والده، وشارك ف يمسابقة أمير الشعراء في عام 2007 ليصل فيها إلى مراحل متقدمة ، ومن ثم حصل على المرتبة الأولى بعد مشاركته بمسابقة وزارة الثقافة السورية عن مجموعته الشعرية ” بوابات دمي ” الذي أوقف لاحقا عن النشر والطباعة ،ونشرت  له الكثير من القصائد في العديد من الدوريات العربية والمحلية  التي حملت هم الوطن والوجدان والإنسان.

شاهد أيضاً

مصطفى تاج الدين الموسى: (بناية البنات)

  مصطفى تاج الدين الموسى –  مجلة رؤية سورية / ع 48 تشرين الأول 2017م   …

اترك تعليقاً