الكارثة السورية في بعدها الاقتصادي

118فايز سارةـ المدن: قد يكون من الصعب تقدير حجم الكارثة السورية في جانبها الاقتصادي، ليس فقط لأنها لم تتوقف بعد، بل أيضاً لعدم توفّر إحصاءات دقيقة تتناول مجمل ما سبّبته من خسائر اقتصادية في الواقع السوري وفي بلدان الجوار، إضافة إلى ما سبّبته من خسائر في اقتصاد عدد من دول العالم ولاسيما التي لها علاقات مع سوريا، والأخرى التي تنطّحت لمعالجة بعض جوانب القضية السورية وخصوصاً من باب المساعدات، التي وإن كان أغلبها من باب المساعدات الإنسانية الإغاثية والطبية، فلا شكّ أن بعضها كان في سياق مساعدات عسكرية تم تقديمها سواء للنظام أو لقوى المعارضة المسلحة.

وتفّسر الوقائع المحيطة بالقضية السورية عبر أكثر من ثلاث سنوات المشكلة في تناقض الأرقام المقدرة لنتائج الكارثة السورية في جانبها الاقتصادي، وعلى سبيل المثال، فإن بعض التقديرات تشير إلى أن إجمالي الخسائر المباشرة في الحرب التي شنّها نظام الأسد ستحتاج إلى مبلغ 45 مليار دولار لتعويضها، وهو رقم متواضع مقارنة بتقديرات أكبر، تشير إلى أن حجم إعادة إعمار ما تمّ تدميره، يحتاج إلى ما بين 60 و200 مليار دولار.

والخسائر التي أصابت الاقتصاد السوري، أدّت إلى ما يشبه الموت لاقتصاد ضعيف بالأصل ومملوء بالفساد والمحسوبية، وشملت كل القطاعات وليس القطاعات الأساسية فقط، وذلك بسبب الظروف العامة المحيطة بالاقتصاد وقطاعاته وبحياة السوريين عامة، وكلها نتائج السياسة، التي طبقها النظام في السنوات الاخيرة من عمليات قتل واعتقال وتهجير وتدمير للممتلكات الخاصة ولمقدرات البلاد.

واستناداً إلى دراسة سورية، فقد تراجعت قيمة الناتج الزراعي من 263 مليار ليرة (أكثر من خمس مليارات دولار أميركي) في 2011 إلى 254 مليار ليرة (أقل من 2 مليار دولار أميركي) في 2013. وإذا حسبنا الفارق بين سعر صرف الليرة مقارنة بالدولار، فإن التراجع يكون إلى أقل من ثلث الناتج، وهو ناتج بصورة أساسية عن تدمير البنى التحتية والمشروعات، وهروب الرساميل، وفقدان الأمن وسياسة حرق المزارع وتهجير الفلاحين وارتفاع كلفة الإنتاج ومستلزماته وغير ذلك، وطبقاً لدراسة صدرت عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة ”FAO”، فإن خسائر القطاع الزراعي قدرت بـ1.8 مليار دولار أميركي خلال السنوات الماضية.

وفي القطاع الصناعي، كانت الخسائر كبيرة بفعل سياسة النظام، مما أدى إلى خروج مئات الشركات والمعامل والورش الصناعية من دائرة الإنتاج، بالتزامن مع انخفاض نسبة تنفيذ الاستثمارات في مؤسسات قطاع الدولة الصناعي إلى 15% فقط في 2012 وإلى 2% في النصف الأول من 2013، وحسب دراسة ل”وزارة الإدارة المحلية”، فقد أدت الأضرار المباشرة وغير المباشرة التي لحقت باستثمارات المدن الصناعية الأربع في سوريا إلى توقف 3360 منشأة عن البناء، وتوقف 548 منشأة عن الإنتاج، وقدرت الأضرار التي لحقت القطاعين العام والخاص بحوالي 336 مليار ليرة سورية، وهو ما يزيد عن ملياري دولار بالأسعار الحالية.

وواقع قطاع النفط يجسّد مثالاً للخراب الاقتصادي. إذا يعاني من العقوبات والمقاطعة، وقد زاد على ما سبق خروج إنتاج النفط وتوزيعه بصورة شبه كلية من أيدي السلطات، وصارت أغلب حقول النفط تحت سيطرة قوى مسلحة محلية، تستغل بعضها بصورة بدائية، وتترك آثاراً بيئية مدمّرة.

أصيب القطاع التجاري في شقيه الخارجي والداخلي بدمار كبير، بين تعبيراته، تراجع حجم التجارة الخارجية في الفترة بين الربع الأول من 2011 والربع الأول من 2013 بنسبة 95% بالنسبة للصادرات، و88% بالنسبة للواردات، وقد انخفضت قيمة الصادرات في عام 2012 وحده إلى أقل من النصف، وتعرّض قطاع التجارة الداخلية لخسارة كبيرة، تم تقديرها بحوالي 2.5 مليار دولار أو 26% من الخسارة الكلية للناتج.

وكان قطاع السياحة أبرز القطاعات التي تضرّرت، حيث أصيب بشلل كبير منذ البداية، بفعل وقف تدفق الوافدين وإغلاق الكثير من الشركات الخدمية، وتوقف الاستثمارات وهجرة رؤوس الأموال والعاملين في القطاع إلى الخارج، وتردّي الأوضاع الأمنية، وفي ظلّ غياب أرقام معلنة عما أصاب السياحة من خسائر، فإن التقديرات تقول إن السياحة خسرت أكثر من ست مليارات دولاراً.

والأرقام ذات العلاقة بدلالات تردّي الوضع الاقتصادي، لا تمثّل سوى مؤشرات، ربما يكون الأعمق منها في الدلالة، واقع التوقف شبه الكلي للسوريين عن العمل وتحولهم من فئات عاملة ومنتجة وخدمية إلى قوى عطالة واستهلاك وهو أخطر المؤشرات، ومثله انتشار الظواهر الاجتماعية مثل البطالة والغلاء والفقر المتزايد والعجز عن توفير أساسيات الحياة، وهي مؤشرات مهمة أيضاً في الدلالة عن حجم الكارثة السورية في بعدها الاقتصادي داخلياً.
أما في البعد الخارجي للكارثة السورية، فإن ثمة مؤشرات أخرى، منها تأثيرات الكارثة على بلدان الجوار، التي استقبلت قرابة خمسة ملايين سوري ما بين لاجئ ومقيم، وفي لبنان وحده يصل عدد السوريين إلى حوالي مليون ونصف مليون نسمة بينهم أكثر من مليون لاجئ، وفي الأردن عدد مقارب، فيما يصل العدد في تركيا إلى مليون وثلاثة أرباع المليون، وهناك 350 ألف سوري في الإقليم الكردي بشمال العراق، باستثناء أكثر من مليون سوري مقيم في مصر وبلدان الخليج العربية، ويشكل وجود هؤلاء وخاصة في الأردن ولبنان ضغطاً اقتصادياً ومعاشياً في بلدين ضعيفي الموارد والإمكانيات في ظل عجز دولي لتوفير المساعدات ناتج في أساسه ليس فقط عن قلة الموارد، بل أيضاً بسبب ضخامة الكارثة وعمقها.

وثمة جانب آخر في تأثير الكارثة السورية على دول الجوار ناتج عن تعطّل العلاقات الاقتصادية بين سوريا وجوارها، وهذا أمر أكثر وضوحاً مع كل من الأردن ولبنان والعراق سواء في حركة التجارة مع سوريا أو المشروعات المشتركة أو حركة ترانزيت السلع والبضائع ومرور الأشخاص، وقد رسم رئيس البنك الدولي أخيراً تأثيرات الوضع السوري على دول الجوار بالقول إنها تتجاوز مبلغ 7،5 مليار دولار، وبالتأكيد فإن ذلك لا يشمل المساعدات التي تقدمها بعض تلك البلدان في إطار المساعدات الإنسانية والإغاثية، التي تقدّمها بلدان مثل العربية السعودية وقطر والكويت والإمارات العربية، إضافة إلى المساعدات الكبيرة والمتعددة الأوجه ومنها العسكرية والأمنية، التي يقدّمها الإيرانيون لنظام الأسد.

ورغم أن الآثار المباشر للكارثة الاقتصادية السورية ضعيفة على دول العالم الأبعد عن سوريا بسبب ضعف الروابط الاقتصادية أو محدوديتها، فإن ثمة آثار يمكن تلمسها في مساعدات تقدمها تلك البلدان حسبما تم الاعلان عنها. فالولايات المتحدة أعلنت أنها قدمت مساعدات لسورية بمبلغ يزيد عن مليار وسبعمائة ألف دولار، مقابل مساعدات بريطانية قاربت مليار دولار، ومثلها مساعدات فرنسية، صرفت في الأعوام الثلاثة الماضية.

خلاصة القول، إن الكارثة السورية ببعدها الاقتصادي، أدت إلى دمار سوري كبير على الصعيدين الاقتصادي والإنساني نتيجة سياسات النظام ومضيه على طريق الحل العسكري – الأمني، وإن الكارثة مدّت آثارها إلى المحيط الإقليمي والدولي لتترك بصماتها، وتكلف الدول والشعوب أعباء كبيرة بعضها ستظلّ آثاره لوقت لاحق، وهذه المحصلة، تطرح سؤالاً جوهرياً أساسه إلى متى ينبغي أن يتحمل السوريون وغيرهم من شعوب العالم ثمار شهوة السلطة وعنجهية القوة التي يمارسها نظام الاسد غير عابئ بما يخلفه ذلك من آثار على السوريين والعالم، وإلى متى يستمر السكوت عن هكذا نظام وممارساته؟

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً