سوريا الأمة.. أم سوريا الشعوب الممزقة؟

 

_109إبراهيم الجبين- العرب:

 

تعدّ القضية الكردية في سوريا أكثر المفاصل السورية قدرة على إبراز مشكلة العيش المشترك ما بين مكونات المجتمع السوري، وفيها ينطوي المدافعون عن الحقوق الكردية على ثقافة رفيعة في مناقشة حقوقهم، فيما يجيب العرب- غالبية المجتمع السوري- على الأسئلة بالقليل من الإدراك للحقائق التاريخية والضرورات العلمية التي يتوجّب التسليم بها، كي يتحوّل «العيش المشترك» من قهري يطبقه السلطان «الدكتاتور الضرورة كما في حالات عدّة سبقت»، يثبّته بالمزيد من القمع وهضم حقوق الجميع، إلى خيار وطني تجمع عليه مختلف الأطياف في سوريا.

 

وقد ظهرت مشكلة الكرد السوريين بشكل جاد وفكريّ لأوّل مرةٍ، في مناقشات وثائق القاهرة أواسط عام 2012، التي اعتبرها السوريون منطلقاً أجمعوا عليه للانتقال إلى الحياة الديمقراطية في سوريا ما بعد الأسد، فيما سجّل الكرد تحفظهم على ما يتعلق بهم فيها، وقد وقف بعض الذين شاركوا في النقاش عند مفهوم الشعب السوري، ومفهوم القوميات التي يتكوّن منها، وأصر العرب منهم على تثبيت مصطلح «الشعب السوري» و«قوميات» تعيش معه، بينما أصر الكرد السوريون على التمسّك بـ»الشعب الكردي» وليس «القومية الكردية». ولأننا نعيش يُتماً فكرياً حقيقياً يبرز مدى الفقر الذي نعانيه من التفات المفكرين إلى اهتمامات سخيفة إزاء إهمالهم للقضايا الكبرى التي تغيّر مجرى التاريخ وسياقاته، فإننا لم نعثر على من ناقش وفكّر في الأمر من المفكرين السوريين والعرب، الذين سيواجهون الإشكاليات ذاتها، إن لم يكن اليوم فقريباً جداً في مصر والعراق ولبنان والخليج والفضاء المغاربي العربي.

 

إذا قلتَ «الشعب السوري» ووضعت إلى جانبه «الشعب الكردي» فستواجه مشكلة كبرى تتمثّل في ما للشعب من حقوق، فالقرآن الكريم ميّز الشعب بأنه يختلف عن الآل والقبيلة في سورة الحجرات: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير» و في «تفسير الجلالين» للسيوطي والمحلي: إنّ الشعب هو أعلى طبقات النسب، وتأتي دونه القبائل ومن ثم العمائر والبطون والأفخاذ ثم الفصائل، وفي «تفسير القرآن العظيم» لإسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي: المراد بالشعوب بطون العجم، وبالقبائل بطون العرب، كما أن الأسباط بطون بني إسرائيل، وقد وضع القرآن لذلك مراتب واضحة تتجه نحو ما هو أوسع في الآية «كنتم خير أمّة أخرجت للناس».

 

أما القانون الدولي فقد نظر إلى مصطلح الشعب وفق وثائقه المتوافق عليها عالمياً ومنها «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948» و«اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1951» و»العهدان الدوليان للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966» و»إعلان وبرنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية لعام 1994» و»الإعلان الأميركي المقترح بشأن حقوق السكان الأصليين لعام 1997».

 

وحين سألتُ أحد الأصدقاء الكرد من المشاركين في الوفود السياسية المفاوضة عن تمسّك الكرد بمفهوم «الشعب» وعن أن هذا سيصطدم بالضرورة مع قول غالبية السوريين بأن الشعب السوري «واحد»، أجاب بأن لهذه المشكلة نماذج مشابهة في التاريخ، وأكثرها سطوعاً المشكلة القائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فهم شعبان في أرض واحدة، وأنه بالتفاوض يمكن الوصول إلى حل.

 

وهنا تمكن مشكلة التفكير الراهن الكردي والعربي السوري معاً، فإن كان القياس سيأخذنا إلى مشكلة استمرت عقوداً ولا شيء يوحي بأن حلها سيكون سهلاً، فإننا لن نعثر على إلا على المزيد من الإشكاليات، وهو ما كان فقد بدأت بالفعل تظهر نذرُ تفجّر العلاقات ما بين الكرد السوريين والعرب السوريين مع إعلان حزب الاتحاد الكردي الحكم الذاتي في الشمال السوري وما يسميّه الكرد «غربي كردستان»، لأن التمسّك بأن الشعب الكردي هو جزء من الشعب السوري يعدّ ضرباً من الخبل اللغوي، فكيف لشعب أن يحتوي شعباً إن لم يكن سيضيّع حقوقه الثقافية والسياسية.

 

وبالمقابل فإن الاعتراف بأن الكرد في سوريا، ومعهم أيضاً التركمان والأرمن والسريان والآشوريين، «شعوب» تسكن في الجغرافيا السورية، سيرتّب قانونياً حقوقاً كبرى لا يجوز التغافل عنها، فالشعب يعيش على أرضه التاريخية، متمتعاً بهويته القومية والثقافية، من حقّه المطالبة المطالبة بحق تقرير المصير على أرضه التاريخية ما دام «شعباً» وهذا سيقود إلى مطالبة الكرد وغيرهم الشرعية والقانونية بالاستقلال.

 

وقد طرحتُ، وأطرح اليوم ودائماً، في النقاشات مصطلح «الأمّة السورية» ليكون بديلاً تتوافق عليه الأطراف، فالأمّة أوسع وأكثر قدرة على ضمّ الشعوب التي تعيش في سوريا، وإذا كانت دولة كالكويت كانت قد توصّلت إلى مفهوم الأمّة الكويتية قبل سنين طويلة، وأنشأت مجلسا للأمّة، وكذلك فعلت الجزائر ومصر والأردن، في مساهمة فكرية- سياسية رائدة، فلماذا لا تذهب سوريا نحو التفكير في التحوّل إلى «الأمّة» التي تضمّ شعوباً مختلفة الثقافات ويجمع بينها فضاء واحد اختياري وليس قهرياً يتطلب صهر الأجزاء في هوية واحدة؟

 

يقول أرنست رينان: «الأمة تفترض وجود ماضٍ، ومع ذلك نراها في الحاضر تتلخص بأمر ملموس: إنه التوافق والرغبة الصريحة في مواصلة الحياة المشتركة»، وهو ما تعنيه وحدة الماضي ووحدة الإرادة، أما الأمّة الألمانية فتذهب إلى وحدة اللغة، بينما يضيف الماركسيون «الحياة الاقتصادية المشتركة»، وتتوافر في سكّان سوريا كافة شروط الأمّة، بل إن تركهم بلا مظلة جامعة، سيمزّقهم كشعوب ليطالب العرب السوريون، بعد قليل، بالاعتراف بهم كـ«قومية» إلى جانب بقية الأعراق والأقوام التي عاشت على أرض الشام.

 

شاهد أيضاً

لودريان: حوالي 500 “جهادي” فرنسي ما زالوا في سوريا والعراق

  أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان الجمعة أن عدد “الجهاديين” الفرنسيين الذين ما زالوا …

اترك تعليقاً