مئة طفل سوري في كفالة أفقر رئيس في العالم

شام محمد علي- بناة المستقبل ع8/ أيار 2014

Untitledنيل شرف احترام الشعوب، أمرٌ ليس بالسهل، ولا يمكن فرضه بالقوة، ولا بالمال، وقد برهن رئيس الأوروغواي خوسيه موخيكا منذ توليه المنصب، على أنه ليس فقط مثالٌ لرئيس جمهورية نزيه، بل إنه كسب لقب “أفقر رئيس في العالم”، يعيش في بيت متواضع، ويتبرع بأكثر من تسعين بالمئة من دخله للفقراء في بلاده، وآخر موقف نبيل قام به موخيكا، هو ما أعلنته المفوضية العليا لشؤون اللاجئين أن الرئيس الذي صنف الأفقر في العالم، سوف يستضيف في بيته الصيفي 100 يتيم سوري ممن أجبرتهم الحرب الأهلية في بلدهم إلى اللجوء إلى الدول المجاورة. وقالت المفوضية إن كل طفل سوف يرافقه شخص بالغ من ذويه.

مرتب موخيكا  يبلغ شهرياً 12 ألفا و500 دولار أميركي، ويتبرع بالباقي للجمعيات الخيرية. ويعيش موخيكا منذ توليه الرئاسة في شهر مارس 2010، في بيت ريفي بمزرعته، ويرفض العيش في القصر الرئاسي، كما أنه لا يتمتع بالحراسة المشددة كبقية رؤساء العالم، و أكدت زوجة موخيكا أن هذه المبادرة تهدف إلى حث المجتمع الدولي على تحمل مسؤولياته تجاه الكارثة التي تعيشها سوريا. وقالت إن الرئيس كان يفكر في البداية بالطلب من مجلس النواب الموافقة على هذه المبادرة، لكنه تجاوز ذلك واتخذ القرار.

وتبقى أبرز جملة لهذا الرئيس هي قوله: “إن من يعشق المال لا مكان له في السياسة”. فهو يعيش في نفس المنزل ونفس الحي وبنفس الطريقة قبل توليه الرئاسة، لأن أغلبية الشعب الذي صوت له من الفقراء، لذلك يجب عليه أن يعيش مثلهم ولا يحق له عيش حياة الترف.

هذا الرئيس الدرس، ليس بدعة في التاريخ العالمي، ولم يكن عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، على غير هذه السيرة، ومن قبله عمر بن الخطاب، الذين لم يحرّك لهم الملك والسلطان ساكناً ولا غيّرتهم القيادة، واليوم تصبح القضية السورية الأبرز عالمياً هي المختبر الأخلاقي للشخصيات السياسية في كل مكان، فلن يغفر التاريخ لرؤساء مثل بوتين وغيره، الذين قبلوا أن يكون دم الأطفال والأبرياء السوريين مخلوطاً بطموحاتهم السياسية، وأمجادهم ومصالحهم في العالم، وسيذكرون مع المجرمين والدكيتاتوريين  في الصفحات السوداء للإنسانية.

و تتكبد حكومات العالم مبالغ طائلة لتغطية مصاريف مؤسسة الرئاسة التي لا بد أن يكون لها «برستيجها» المميز، وعادة ما يكون راتب الرئيس هو الأعلى في القطاع الحكومي، وذلك لأنه من يمثل البلاد في الخارج فهو صورتها وصوتها، وأغلب رؤساء العالم يولون اهتماما كبيرا لمظهرهم، لكن رئيس الأوروغواي يشذ عن هذه القاعدة، وقبل انتخابه للرئاسة عام 2010 كان عضوا في جماعة «توباماروس» الثورية اليسارية المسلحة التي استلهمت فكرها من الثورة الكوبية، موخيكا من مواليد 20 مايو 1935، تولى سدة الحكم منذ مارس 2010 عن سن يناهز 75 عاما، وقد سبق أن عمل وزيراً للثروة الحيوانية والزراعة والثروة السمكية ما بين عامي 2005 و2008.

وفي فصل الشتاء الذي عادة ما يكون باردا للغاية في أميركا الجنوبية، ينشغل موخيكا بالتفكير في الفقراء من أبناء شعبه وخاصة منهم المشردين الذين يمكن لا يجد مساكن تأويهم وتحميهم من المناخ البارد وقد عرض في شتاء العام الماضي على المصالح الاجتماعية في حكومته استعمال بعض أجنحة القصر الرئاسي المعروف باسم «كاسا سواريث إي رييس» في العاصمة مونتفديو لتوفير المأوى للمشردين في حالة عدم كفاية المراكز الموجودة في العاصمة.

وجاء قراره بعدما اطلع على جميع مراكز الإيواء ونسبة المشردين، وتبين له أن بعض المشردين سيبقون دون مأوى، ولا بد من الإشارة أن مثل هذه القرارات الصادرة عنه ليست من باب التودد ونيل الإعجاب من الرأي العام بل يبدو ذلك من طباعه ومن مبادئه ذات الأصول الشيوعية، فقد سبق له أن أسكن في القصر الرئاسي امرأة وأبناءها المشردين حتى وجدت لهم المصالح الاجتماعية مأوى.

ومنذ وصول اليسار إلى الحكم مع الرئيس السابق تاباري باسكس (2005- 2010) بدأ يتخلى عن هذا القصر، واكتفى بإقامة عادية واختزل دور القصر في عقد بعض اللقاءات الرسمية مع قادة الدول الأجنبية، ولما وصل خوسيه موخيكا إلى الرئاسة اتبع نهج سلفه بل وعمل على مزيد من التقشف، أما زوجته فهي لوسيا توبولانسكي، وهي عضو في مجلس الشيوخ، وتتبرع هي الأخرى بجزء من راتبها، ويقال أنه تزوجها قبل توليه الرئاسة بفترة قصيرة رغم أنه يعيش معها منذ 25 عاما، وفي حديث صحفي معها تقول لويا عن زوجها: «موخيكا رجل ريفي مثقف ذو شخصية جمعت بين الحكمة والحلم، قلبه ظل يحافظ على خفة المراهقة الحالمة، ما جعل الأوروغوايين يطلقون عليه لقب «بيبي» أو «الختيار» أو «الجدّ من دون أحفاد»، هو صريح في كلامه.. وكلانا يعشق عالم الزهور والزراعة».

وتؤكد أنها مستعدة للتضحية مع زوج مثله، وأنه عليها أن تحضر بنفسها يوميا العشاء لزوجها لأنه يحب ذلك، وتضيف أن الجميع يعرفها في الأوروغواي، لأنها تنزل للتسوق بنفسها وتتجول بكل أريحية بين المتاجر وحال ما ينتبه الناس لوجودها يصرون على التقاط الصور والحديث معها، ويشير مؤشر منظمة الشفافية العالمية أن معدل الفساد في الأوروغواي انخفض بشكل كبير خلال ولاية موخيكا، إذ يحتل هذا البلد الواقع في أميركا الجنوبية المرتبة الثانية في قائمة الدول الأقل فسادا في أميركا اللاتينية، ومن أشهر مقولات موخيكا في هذا المجال: «أهم أمر في القيادة المثالية هو أن تبادر بالقيام بالفعل حتى يسهل على الآخرين تطبيقه».

ولا يتبنى موخيكا المنتمي لحركات اليسار المسلح أسلوبا شعبويا في سياسته بل يتصرف ويعيش ببساطة وهو قليل الظهور في وسائل الإعلام لذلك يوصف بالرئيس العملي الذي يصنف بالأكثر قربا من شعبه في العالم، وتطلق عليه الصحافة «أفقر رئيس في العالم أو رئيس الفقراء» بسبب تواضعه رغم رئاسته للبلاد، هذا بالتحديد ما يميزه عن جميع رجال السياسة في العالم، وفي مقابلة صحفية معه قال موخيكا بكل فخر: أن أغلى شيء يملكه هو سيارته «الفولكس فاغن بيتل» ذات الطراز القديم التي لا تتعدى قيمتها ألفي دولار، كما أنه لا يملك حسابات مصرفية ولا ديون، ويستمتع بوقته في مزرعته رفقة زوجته، وأن كل ما يتمناه عند انقضاء فترة حكمه هو مواصلة العيش بنفس النمط.

هذا هو الرئيس الذي يجب أن تنتخبوه أيها السوريون.. وليس القاتل.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً