سحر الصورة

سلطان يوسف- بناة المستقبل ع8/ أيار 2014

 سحر الصورة

على الدفتر المدرسي.. على الجلاء المدرسي.. في غرفة الصف، على مدخل المدرسة، في الشارع، في المستوصف، في الجمعية الاستهلاكية، في كل مكان تتصدر الصورة المشهد، عابساً أو مبتسماً، بلباسه العسكري والقبعة على رأسه، أو ببزته الرمادية ، حاملاً علماً أو ملوحاً بذراعيه، هكذا ارتسمت طفولتنا بصورته، وحيداً منفرداً لا شريك له في دولته التي رسمها بدباباته التي حاصرت القصر الجمهوري، و سمى انقلابه “حركة تصحيحية، فصدقنا كذبته، شئنا أم أبينا، وسرنا وراءه في مسيرة صموده وتصديه، كنا نتسلل إلى الكتب لنبتعد عنه، لكنه كان يلاحقنا، صار منظروه وعاشقوه يسمون سوريا باسمه، وهكذا كبرنا معها “سوريا الأسد”.

في لحظات ضعفه لوح لنا بصورة شقيقه، فتبوأ كلاهما المشهد، هذا أنا ومعي أخي، وكلانا أسد، صار الشقيق من المسلمات، يداه ملطختان بدمائنا، لكننا لم نستطع أن نقول: أنت تكفينا فلماذا أخوك؟

ثم عاد قوياً، عصف بشقيقه، سلمه مفاتيح الخزينة وقال له خذ ما تشاء ودع لي سوريتي فهي لي، اسمع إنهم يهتفون باسمي، اسمع إنهم يعشقونني، عاد ليقف وحيداً في الصورة، ليبتسم، فنبتسم، ليضحك فنضحك، ليغضب فنغضب، بدأ أولاده يكبرون فتغير اسمه لم نعد نسميه أبا سليمان، بل صار أبا باسل، وبدأ باسل بلحيته يقفز بين الحين والآخر، رياضياً يمتطي حصاناً أصيلاً، وسمي فارساً ذهبياً، كان له بريق كالذهب، الفتى الوسيم ابن الزعيم، يلوح مثل أبيه، يضحك مثله، له سطوة على القلوب مثله أيضاً، فدخل قلوبنا كلنا، محبته لم تفارقنا، يا سبحان الله، كان يفهم في كل شيء، بدأنا نحيك الحكايات حوله، نؤسطره كي يناسب أحلامنا، هو ينقذ المرضى ويحارب الفاسدين، يخشى منه الوزراء والمسؤولون، هو ذراع أبيه اليمنى في مكافحة المخربين، احتفينا بصورته، زينا بها سياراتنا، وصالاتنا الرياضية وملاعبنا، فهو فارس من ذهب، هل دولة غيرنا تمتلك فارساً من ذهب؟

لكن أحلامنا تبخرت قبل أن تكتمل أسطورتنا، طار الفارس الذهبي، وتركه يقف وحيداً مرة أخرى، بدا منكسراً وهو يشكر الذين وقفوا إلى جانبه، إنه يظهر بشرياً للمرة الأولى في حياته كلها، خفنا عليه أن يعتاد الحالة البشرية، وأن يفقد سحره، غير أن خوفنا تبدد حين ظهر ثاني أبنائه إلى جانبه ليسند ضعفه الأبوي، ويزيد قوته، بدا الولد مرتبكاً في الصورة، لكنه ما لبث أن ابتسم  واستجمع ما تبدد من ثقته بفعل سنوات الظل التي عاشها، ها هو الآن يتربع في الصورة، ولم نبذل جهداً كبيراً فرأينا فيه أملاً يحملنا إلى مستقبلنا، هل بلد غيرنا أمضى فيه ابن رئيسه عامين في عاصمة الضباب؟، هل بلد غيرنا ابن رئيسه طبيب للعيون، يا لسعادتنا، يا أملنا غنينا له، وأطلقنا اسمه على محلاتنا التجارية فاكتست حياتنا كلها بالأمل، أمل يلون أيامنا، أمل يبتسم، ويضحك، ويطوف في الشوارع، أمل نقلنا دون أن ندري من عالم الورق إلى عالم الكمبيوتر، كنا شعباً متخلفاً فحوّلنا كالساحر إلى دهاة في المعلوماتية، وحمل عصاه ليكافح الفساد، فلم يسلم منه فاسد، كنا نسمع أخباره، يا بطل يا ابن البطل، هكذا اضرب بسيف من حديد، لم نعد نحمل صورة واحدة بل صارت لدينا ثلاث صور، هل بلد غيرنا يستطيع أن يحمل ثلاث صور؟ هل بلد غيرنا يرى أمله أمامه؟.

صورهم، تحتل ركناً في حياتنا، فهم رسموها لنا، لم تنسحب صورهم من قلوبنا، قلنا فلنطلق على الصور أسماء كي نصنع التاريخ، ولم لا؟ ومن يحق له أن يصنع التاريخ غيرنا، هنا القائد الخالد باسماً، وهنا الرئيس القائد ضاحكاً، وفي الزاوية هناك يقبع الفارس الذهبي بابتسامته الساحرة، في قطعاتنا العسكرية، في مؤسساتنا الحكومية، في مدارسنا، تظل الصورة تحكمنا في كل مكان، مرت أيام وانسحب الفارس الذهبي بخجل من المشهد وظل الأب وابنه، فذاك صار الرمز، وهذا بات الأمل وعلى العهد يسير، ونحن على العهد نسير معه، ثم ألا يحق لشركاء العهد أن تكون لهم صور بيننا؟ لم لا، نحن أوفياء في عهودنا؟ فبرز سماحته بلحيته، فهو بطل ونحن نحب الأبطال، نتلذذ بذكر سيرهم، ثم جلبنا مقاوماً آخر وقلنا له تعال تربع على عرش قلوبنا فأنت بطل أيضاً، آه ما أسعدنا!!، هذه الصور كلها لنا، هؤلاء الأبطال كلهم لنا، ما أسعدنا، ما أسعدنا!!

قبل ثلاثة أعوام ونيف، سمعنا أن الصورة لا تحكم، وأن الحرية يمكن أن تمدّ يدك لتحمل بها حذاءك وتطيح بتلك الصورة، ولن تُشلّ يمينك، جرب، جرب..

جربنا، و الصورة ذبلت، بل واحترقت، وتحطم التمثال، وتحطمت البطولات، تهاوت كل الصور، وهدمنا الوهم بأيدينا، ما كنا نعرف أن لدينا القوة كي ننهال بهذي القوة ونزيح الصورة، لكننا أزحناها، وأشعلنا فيها النيران وأحرقناها، فصارت مزقاً، ولن تعود الصورة.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً