استـجـرار الـقـوى الـداخليـة والخارجيـة

عبدالرزاق كنجو- بناة المستقبل ع8/ أيار 2014

Untitled18

لقد عاش الانسان البدائي الأول معتمداً على الرعي ولقط الحبوب , وقطف الثمار من الأشجار البـرّيـة , وعندما أعيته الحيلة في جمع المزيد من المواد الغذائية لتأمين كفايته لجأ الى الصيد البري للطيور والطرائد ,وكذلك لصيد الاسماك من الأنهار والبحار والتـرع . وكل ذلك من أجل تأمين الحاجات الغذائية الأساسية للعيش والبقاء .
وكان لابد من تأمين الأدوات البسيطة للصيد وللرعي , لذلك اتجه الى تصنيعها بالطرق البدائية المواكبة لتلك الفترة من الزمن .
ونظرا لضيق الاماكن والسهول الخضراء وقلة الامطار في معظم المناطق , وكذلك ندرة الأسماك القريبة من أماكن نزلهم وترحالهم كان لابد من المنافسة والعداوة واقتسام المناطق والسهول والشطئآن مما خلق صراعات ومنازعات أرغمتهم على إقامة تحالفات فيما بينهم للإستقواء والسيطرة على خصومهم .
لم يكن القصد من المقدمة هذه الا لربط الغابر من الزمان الأزلي مع ما يجري في العالم اليوم وبخاصة في عالمنا العربي وصولا الى الحلقة المقصودة اليوم ( الحالة السورية ) وما أفرزت من ويلات وأزمات تنوء عن حملها الجبال , وقد لاتصدقنا الأجيال القادمة ــ عندما سيقرأون التاريخ ــ مهما قدّمنا لهم من براهين واثباتات لأنها اصبحت فوق المقدرة على التصور والخيال .
لايخفى على أحد أنّ معظم البلدان العربية قد أصبحت محطّ أنظار وأطماع القوى العالمية الكبرى خاصة بعد اكتشاف موقعها الجغرافي الظاهر للعيان والكنوز التاريخية والجيولوجية الباطنية المتمثلة بالنفط والغاز والكثير من مستلزمات الطاقة . وهذا ماجعل الاقاليم العربية والاسلامية ــ على الدوام ــ في مرمى القوس لكل الطامعين , خاصة وأنها لاتزال تعيش حالة من التخلف الشديد في كافة مناحي الحياة وتعتمد على الاستيراد لمعظم وسائل استمرار العيش والبقاء .
واذا كان الانسان البدائي قد عمل وفكّر بالطرق والوسائل التي تساعده على اصطياد الطرائد البرية والطيور , وكذلك فقد تعلم الغوص في مياه الانهار والبحار واستخدام السنارات الشوكية و قام بنسج وربط الخيوط ليصنع منها الشِباك التي تعترض سير اسراب الاسماك وتعلق فيها .
لذلك فقد عمل جاهدا على ايجاد الطعوم المناسبة لجذب الطيور الى (مصائده ) والحيوانات البرية الى ( أفخاخه ) في البر , وكذلك السنارات الشوكية والشِباك في مياه الانهار والبحار .
لكن الانسان بطبعه وجشعه الفطريّ والأطماع التي تراوده دائماً , فقد تعدّى مراحل الاكتفاء الذاتي في التغذية البشرية وراح يمعن النظر الى أبعد وأبعد لتوسيع مناطقه والاستحواذ على أكبر قـدرٍ من المساحة التي تحيط به جفرافيا او للحصول على منتجات غيره ولو بالإعتداء والاغتصاب مستخدما قوتة وضعف خصومه .
وهذا ماعايشته البشرية وعانت منه على توالي الأزمان , ويحفل التاريخ بالروايات والقصص التي لاتنضب . لذلك كانت الحروب والغزوات والاحتلال وما اطلق عليه تسمية ــ الاستعمار ــ فيما بعد تجاوزا .
عندما نصل الى تاريخنا الحديث والمتأخر نجد ذلك بكل وضوح ,وأن البلدان العربية والاسلامية أصبحت محط أنظار القوى الاستعمارية والطامعة بما هو ظاهر على سطح الارض من خيرات زراعية وطبيعة سياحية مختلفة الفصول والمناخ ,وكذلك على ماتحتويه باطن أرضها من كنوز ومواقع أثريّة ونفط ومعادن مختلفة .
ماحصل في سورية ومعظم البلدان العربية والاسلامية مؤخراً لايبتعد كثيرا عن / إستدراج / القوى العالمية الطامعة في السيطرة على مقدرات هذه الدول أو ضمان احتوائها ومصادرة قرارها الوطني وجعلها تابعة وطائعة ,لاتملك الاّ حق العيش بأدنى الدرجات . لذلك وجدنا ان المنطقة برمّتها لم تغب عنها الصراعات والحروب منذ اكثر من ستة آلاف عام أو يزيد ابتداء من حروب الرومان والفرس وانتهاء بالتبعية للدولة العثمانية ,وصولا الى الاستعمار الحديث من قبل بريطانيا وايطاليا وفرنسا التي كانت في سورية موضوع مقالتنا هذه .
عندما قام الشعب السوري بحراكه العفوي قبل أكثر من ثلاث سنوات لم يكن ليعلم أنّ أيدي الاخطبوط المتشعب ستمتد إليه لتلامسه مرّة بالدّعم ظاهرياً ومرّة أخرى تعوّق عليه المطالبة بحقه في الحرية والمساواة وتطبيق عدالة القانون , ولطالما كان الدعم عفويّاً قي البداية فقد قبل الشعب المساعدة من كل من مـدّ له يد العون والمساعدة الادبية أو المادية , ولم يكن ليخطر بباله أن تكون معظم هذه الجّهات قد بسطت له يدها وفيها ( المصائـد والشِباك والأفخاخ ) المخبأة بل والمطلية غالباً بألوان جذابة لسهولة الايقاع والاصطياد .
ولقد تعددت الدوافع أو اختلفت باختلاف الصيّـادين ومصالحهم ,فكان الهدف الأكبر تجميع كل المعيقات والتنظيمات المتعبة لتلك الدول والأنظمة وإبعادها عن أراضيها الاساسية وتصديرها الى الارض السورية لضرب آلاف الطيور ىآلاف الحجارة في وقت واحد ,ولإثارة المشاكل فيما بينها ودفعها للإقتتال والتخلص من اكبر الاعداد منها إن لم يكن جميعها , خاصّة بعد ان زرعت فيما بينها كل انواع الاختلاف العرقي والمذهبي والطائفي , وإلباسها لبوساً بعيداً عن ما قام وطالب به الشعب السوري في التحرر والعيش الكريم .
لذلك فقد احتار المراقب لمجريات الاحداث من تعدد التيارات والفصائل المتنازعة فيما بينها وأن هذا الخلاف أقوى وأكثر ألف مرة من نزاعها مع النظام الذي يتذرع أكثرهم بمحاربته والسعي لإسقاطه .
لم يقف الأمر عند هذا الحدّ بل راحت القوى المتصارعة تستقوي بدول محدّدة بعينها وتطلب إمدادات وتسليح لمقاتلين غرباء وأجانب حتى أصبحت الأرض السورية غريبة على أهلها شكلاً ولغةً وسكاناً . وتعددت الشعارات والأهداف التي كانت مضمرة بالخفاء وأصبحت ظاهرة معلنة , متجاوزة السيادة الوطنية والوجود الشرعي للدولة السورية الموحدة .
مايزيد في النفس من أسىً ويبعث على التقزز , أنّ كلّ ذلك كان يجري تحت سمع ونظر المجتمع الدولي ,بل أصبحنا على قناعة بأنّ هذا المجتع الدولي إنّما هو من يشارك ويخطط ويبارك كل ذلك . والاّ فما معنى مباركته ومنذ البداية واستضافته لكل هذه المؤتمرات والاجتماعات ابتداء من القاهرة الى اسبانيا واسطمبول وجنيف وعشرات المدن العالمية ؟ ثم مامعنى ان ينتظر الاخضر الابراهيمي اكثر من سنتين ليعلن بعدها فشله في مهمته العربية والأممية ؟؟.
إنّ مواقف الدول العربية التي ادّعت مساندة مطالب الشعب السوري منذ البداية , وقدّمت الدعم الأدبي والدبلوماسي والمالي , ثم لشراء السلاح قيما بعد لاستخدامه في قتل الاخ لأخيه السوري بغضّ النظر عن الدوافع , وكذلك الأمر بالنسبة للدّول التي تدعم الفرق المتنازعة من مختلف الانتماءات والولاءات , وهذا الدعم الظاهري المحدود والذي ينوس بين شدّ احيانا وبين رخيٍ في أحيان أخرى , إنّما هدفه أولا وأخيرا .. (( إطالة أمـد وفتـرة الاقتتال )) وإيقاع أكبر عدد من الضحايا مهما كان اتجاهها ودوافعها وتبعياتها , لانها بالأساس قد خططت لها , لإيقاعها في مصيدة بعيدة عن أراضيها .
بذلك تكون قد ساهمت بتصفيتهم أو إضعافهم وإبعادهم عن أراضيها , ولطالما كانت تحذر من تحركاتهم وتحسب لهم ألف حساب للمحافظة على استمرار حكمهم لشعوبهم المقهورة .تلك الشعوب التي راح يحكمها الجهلة والمتآمرون او العجزة الذين يتحرّكون على كرسي يدفعه نادل من الحاشية برتبة ضابط .
كذلك لا يخفى على أحد , بأنّ الدوافع المنحطّة أخلاقياً لمعظم الدول الأجنبية من الغرب والشرق وعلى رأسها اسرائيل في تأزيم المشكلة السورية وإطالة عمرها طالما أنّها بعيدة عن أراضيها وقتل الضحايا من أعدائها او ممن يشكلون خطراً عليها في المستقبل تحت مسميات متعددة متذرعة “بمحاربة الارهاب” غير عابئة بالظلم وتردي الأوضاع المعيشية والكارثية التي لحقت بالشعب السوري من تشريد وتهجير وهدم للبيوت بعد أن تدهورت كافة مرافق الحياة على امتداد كامل الارض السورية نتيجة تزمت النظام واختياره الحلّ العسكري وتغليبه على الحل السلمي منذ بداية الأزمة .
لا يخفى على بال أحد بأنّ الحماس الدولي الشديد في بداية الحراك الشعبي ومؤازرته في المحافل الدولية والأمميّة ما لبث أن تراجعت وتيرته , وتحوّل الى كلام غيـر واضحٍ , ومواقف تحتمل التبديل وتعدد التأويلات والتراجع الى الأمكنة التي يكتفون فيها بمراقبة نزيف الدماء السورية دون مبالاة وكأن شيئا لم يكن .
إنّ استجرار الفصائل الغريبة المتنازعة، وافتعال الاقتتال فيما بينها , قد دفع بقوى إقليمية ودولية للدخول بكل وقـاحـة وبشكل علني في النّـزاع ,واحتلال مناطق سورية بعينها تحت ذرائع طائفية وشعارات دينية لم يكن المواطن السوري يؤمن بها في أيّ يومٍ من الايام , لأنّـه اعتاد التعايش الحميمي مع جميع أبناء وطنـه السوريّ باختلاف انتماءاتهم وأعراقهم ودياناتهم السماوية .
والآن
سنعترف شئنا أو أبينا أنّـنـا وقعنـا ــ جميعا ــ في المصيدة التي أٌعِـدّت لشعبنا السوري الطيب . وأن القوى المختلفة ــ صديقة أو عدوّة ــ قد جرّتـنا لما وصلنا إليه الآن وما سنعاني منه مستقبلاً .
لابد واننا سنتجاوز هذه المحنه مهما طالت بعد أن ظهر المخفيّ منها عن البـصـر والبصيـرة .

 

شاهد أيضاً

لودريان: حوالي 500 “جهادي” فرنسي ما زالوا في سوريا والعراق

  أعلن وزير الخارجية الفرنسي جان-إيف لودريان الجمعة أن عدد “الجهاديين” الفرنسيين الذين ما زالوا …

اترك تعليقاً