مسارات السيطرة الإيرانية على سوريا

1181فايز سارة ـ المدن:  كان وصول الخمينية إلى السلطة في إيران عام 1979، نقطة تحوّل في علاقات إيران مع سوريا. فقبل هذا التاريخ، كانت العلاقة ملتسبة، بل إن صراع إيران–سوريا، كان جزءاً من صراع تقليدي حكم علاقة البلدين والمنطقة قبيل ذلك، ولم تخفّف منه زيارة حافظ الأسد إلى طهران ولقاؤه مع الشاه محمد رضا بهلوي في العام 1975، والتي حاول من خلالها الأسد إحداث تحوّل في علاقات البلدين.
غير أن وصول الخمينية إلى سدّة السلطة في إيران، مهّد لحدوث تغيير في علاقة الطرفين أساسه الرغبة في تمدّد إيراني إلى عمق العالم الإسلامي وخاصة البلدان القريبة، بالاستفادة من ظروفها ومعاناة شعوبها السياسية أو الاقتصادية الاجتماعية، وكانت سوريا الداخلة في عمق صراعات داخلية- خارجية، تبدأ من صراع مع المعارضة والجماعات الإسلامية المسلّحة في الداخل، وتمتدّ إلى ثقل وجودها العسكري والأمني في لبنان، وتالياً إلى التباسات العلاقات السورية–العربية ومنها العلاقة مع الموضوع الفلسطيني والصراع العربي–الإسرائيلي وغيرها من ملفّات، جعلت طهران تتلقّف أولى بوادر التحرّك السوري باتجاه طهران بسلطاتها الجديدة.
وعقب أول لقاءات بين مسؤولي نظام ملالي طهران وبعثيي دمشق، أخذت تنسج علاقات الطرفين السياسية في حلف شبه معلن، ثمنه تأييد متبادل لكلا السياستين، فكل منهما تخلّى عن روابطه مع معارضة خصمه، وأيّد حليفه في سياسته ضدّ معارضيه، ثم دعم سياسة حليفه ضدّ خصومه، فنالت طهران دعماً علنياً وضمنياً من نظام الأسد الأب لسياسة تمدّدها في منطقة الخليج، ومساندة حربها في العراق، وتمدّدها السياسي في لبنان عبر مليشيات أمل ولاحقاً حزب الله وغيرهما، ثم في تمدّدها عبر الداخل الفلسطيني. فيما أعطى نظام الأسد مساندة غير محدودة لسياسته في لبنان وفي علاقاته المتوترة مع العراق ومصر ومنظمة التحرير الفلسطينية، لكن الأهم والأبرز في ما حصل عليه نظام الأسد الأب، هو مساعدات مالية ونفطية قدّمتها إيران، صنّفتها أوساط دولية أنها واحدة من أكبر المساعدات الدولية التي تلقّاها النظام حتى نهاية القرن الماضي.
ورغم أهمية ما قدّمته إيران لنظام الأسد الأب، فإن سيطرتها على سوريا وسيطرتها على النظام ظلّت محدودة، لأن رأس النظام، كان مصرّاً على أن يترك لنفسه هامش مناورة سياسية، طالما جهد للمحافظة عليه في سنوات حكمه الطويل حتى مع أقرب حلفائه، وطبّق ذلك بصورة خاصة على العلاقة مع إيران، لكن ذلك لا يمنع القول إن إيران في سنوات حكم الأسد الأب، صارت حاضرة بصورة ملموسة في الخريطة السياسية والاقتصادية – الاجتماعية والثقافية السورية، والتي مهّدت لإحكام سيطرتها بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة عام 2000.
لعب الإيرانيون دورهم في تهيئة بيئة السيطرة عبر شخصيات دبلوماسية – دينية، شاع اسمها، وكان لها دور كبير في التأثير على الواقع السوري ومحيطه الإقليمي، كان الأبرز فيها مجموعة سفراء وعدد من رجال الدين المقرّبين من المرجعية الدينية، وكان أولهم بعد الثورة الخمينية علي محتشمي (1979- 1986) ثم محمد حسن أختري (1986-1997) خلفه حسين شيخ الإسلام (1997-2005)، قبل أن يعود اختري إلى السفارة ما بين (1995- 1998) ثم جاء محمد رضا شبياني ليصير سفيراً في دمشق قادماً من سفارة إيران في لبنان. أما الأبرز من رجال الدين فكان الشيخ محمد على التسخيري الذي تولّى الكثير من المسؤوليات الدينية والسياسية الإيرانية قبل أن يصير مستشاراً لقائد الثورة الإيرانية آية الله علي خامنئي، وقد عيّنه الأخير أميناً عاماً لمجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية الذي تأسّس عام 1990 مع تأسيس المجمع العالمي لأهل البيت، ولعب في سوريا دوراً مهمّاً في المجالين الديني والثقافي، وهو من خلال نشاطه مثل حشداً من رجال دين أسّسوا وقادوا منظمّات وهيئات وحسينيات، عملت بالتشارك مع مؤسسات رسمية إيرانية في سوريا منها المستشارية الثقافية الإيرانية، وساهموا جميعاً في رسم سياسات وخطط وقاموا بأعمال وممارسات علنية وسرية لخلق سيطرة إيرانية على سوريا، لعل الأبرز منها: إعادة ترتيب أوضاع الطائفة الشيعية في سوريا في المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتحويلها إلى قوة ملموسة، رغم أن الطائفة كانت مندمجة وحاضرة بصورة شبه كلية في التكوين السكاني السوري في كل أنشطته، وقد تطلّبت تلك السياسية إعادة حشد النخبة الطائفية، وتنظيمها وإعادة تقديمها من موقعها الجديد في الواقع السوري، وهو واقع يمكن تلمّس نتائجه بعد قيام الثورة السورية عام 2011، مما دفع الكثير من السوريين الشيعة للاصطفاف إلى جانب النظام في حربه ضد الشعب بخلاف ما كان عليه موقف السوريين الشيعة في الاندماج مع بقية أخوتهم في القضايا السورية الكبرى.
ولم يكن تنظيم وتحشيد الطائفة منفصلاً عن نشر الفكر الشيعي في الأوساط السنّية، ولاسيما في مناطق شمال وشمال شرق البلاد حيث ينتشر الفقر والحاجة ومستويات الوعي والتعليم المتدنية بالتزامن مع إغراءات مادية. غير أن الأهم في عملية التشييع الإيراني، كان إصدار فتوى باعتبار أبناء الطائفة السورية العلوية جزءا من الطائفة الشيعية، وهي فتوى معروفة.
والنقطة الثالثة، انخراط شخصيات وفعاليات إيرانية في أنشطة اقتصادية واستثمارية ذات أهداف سياسية، توفّر سبل السيطرة الإيرانية وخاصة في قطاعات صناعية وإنشائية، كان بينها مصفاة نفط قرب دمشق، وشركة سورية – إيرانية لإنتاج سيارة “شام” كنسخة طبق الأصل عن سيارة تنتجها إيران. وفي قطاع الاستثمارات السياحية، قام إيرانيون بمساعدة رسمية إيرانية بتنظيم فرق الزيارات الدينية إلى سوريا والعمليات المتمّمة لها، إضافة إلى القيام بشراء عقارات كثيرة في مناطق ريف دمشق الحسّاسة كما في السيدة زينب وداريا وغرب دمشق، تم من خلال بعضها إحياء “المراقد الشيعية” وتحويلها إلى مقامات فارسية، وهو مماثل لما تمّ القيام به من شراء عقارات في قلب المدينة القديمة ومنها منطقة العمارة لتوسيع مقام “السيدة رقية”، كما تمّ شراء كثير من عقارات وفنادق قريبة من المقار الرسمية الإيرانية مثل المستشارية الإيرانية في منطقة البحصة في دمشق وفي منطقة المزة حيث السفارة الإيرانية، وحدثت عمليات مماثلة في مدن سورية أخرى.
لقد تشاركت الشخصيات والفعاليات السياسية والدينية والمالية الإيرانية “الرسمية والخاصة” في تلك السياسات والأنشطة، ودفعت أموالاً تفوق قيمة ما اشترته، بل إنها استخدمت سلطة الأجهزة الرسمية السورية وفسادها في إجبار الأهالي على بيع ممتلكاتهم العقارية، ولعله خارج الأسرار، نشاط محمد حسن اختري سفير إيران السابق في دمشق مع شبكة الفساد السوري الرسمي، وهي التي عزّزت بقاءه سفيراً، لم يقارب مدّة وجوده أي سفير آخر في تاريخ الدبلوماسية السورية ولا الإيرانية ايضاً.
لقد عزّز ما سبق السيطرة الإيرانية على سوريا، قبل أن تصل إلى حدودها الراهنة، حيث صارت سيطرة شبه مطلقة وصارت الخطط و القرارات في سوريا قرارات إيرانية في كل الأمور، بعد حدوث عدد من التطورات أبرزها:
تحوّل إيران إلى داعم سياسي وعسكري واقتصادي رئيسي لنظام بشار الأسد، كان من تعبيراتها تدفّق قوات خاصة من الحرس الثوري لحماية المؤسسات الإيرانية وبعض المقرّات الرسمية ولاسيما في العاصمة، وقيام الخبراء العسكريين والأمنيين بلعب دور قيادي في رسم وتنفيذ خطط النظام ضد السوريين ونشاطاتهم الشعبية والمسلحة، وتقديم الأسلحة والذخائر من الإنتاج الإيراني وتمويل عمليات شراء بعضها من روسيا ومصادر أخرى، وتقديم مساعدات مالية لتمويل الحرب، وتوفير مستلزمات بقاء النظام وخاصة لجة تقديم النفط الإيراني.
ودفعت إيران حلفاءها للمشاركة المباشرة وغير المباشرة في حرب النظام ضد السوريين، والأبرز في ذلك مشاركة حزب الله اللبناني والمليشيات الشيعية العراقية في القتال، كما دفعت رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، لأن يلعب دوراً مزدوجاً في الحرب، شقه الأول مساعدة المليشيات في المرور إلى سوريا، والثاني تهريب وتمويل وتسليح جماعات التطرّف الديني ومنها الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” ودفعها للحرب في سوريا، وأضاف الإيرانيون في هذا المجال قيامهم بتنظيم وتسليح عناصر أفغانية وتمويلها وتمريرها عبر العراق إلى سوريا للقتال إلى جانب النظام.
وإذا كانت سيطرة إيران على سوريا لها تعبيرات لا يمكن حصرها في الواقع والمعطيات التي تقدّم بعضها، فالأهم منها تلك النظرة السائدة في أوساط النخبة الحاكمة في إيران بمستوياتها المختلفة من مقام خامنئي إلى مقام رئيس الجمهورية والوزراء إلى الشخصيات البرلمانية والدينية، وكلها تتعامل مع القضية السورية وكأنها قضية إيرانية، بل إن أحدهم وصف سوريا صراحة بأنها “ولاية إيرانية” فيما أكدت عشرات التقارير، أن قاسم سليماني مسؤول الملف السوري في إيران هو الحاكم الفعلي في سوريا.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً