الثلاثاء الأسود: اللبنانيون كما السوريون يدفعون ثمن التدخل الإيراني

_111محمود الريماوي- العرب:

بدا الانفجاران الرهيبان اللذان وقعا أمام السفارة الإيرانية في بيروت الثلاثاء 19 نوفمبر الجاري، وكأنهما يجددان المشاهد السوداء للحرب اللبنانية الطويلة التي توقفت عام 1990.

الاستهداف الطائفي/ السياسي وعدد الضحايا وحجم الخراب في منطقة آهلة بالسكان، يعيدان إلى الذاكرة بالفعل فصولا قاتمة من تلك الحرب التي امتدت منذ عام 1975 ولخمس عشرة سنة. وفي الحصيلة التي تستحق التوقف عندها، فإن طهران هي المستهدفة، لكن الضحايا لبنانيون، وأمن الدولة اللبنانية هو ضحية أيضا.

على أن العنف الأسود هذه المرة يبدو ارتداداً قوياً لعنف جارٍ خارج الحدود اللبنانية، مع انغماس الأطراف البنانية فيه، وهو ما تشهد عليه الشواهد، وما لم يكتمه الفاعلون الذين نسبوا لأنفسهم هذين التفجيرين المروّعين (كتائب عبدالله عزام ذات الارتباط بالقاعدة).

لنلاحظ ابتداء أن الثلاثاء الأسود في لبنان، لم يكن يوم ثلاثاء أبيض في الجوار السوري.

لنقرأ عينة من وقائع اليوم ذاته والتي لم تنل سوى تغطية سريعة في محطات التلفزة مع تصدّر خبر الانفجارين في بيروت:

في ريف دمشق هز قصف عنيف براجمات الصواريخ والمدفعية الثقيلة مدن وبلدات: بيت سحم، ببيلا، يلدا، جراجير، جرد تلفيتا، معضمية الشام، داريا ومسرابا.

قصف بالمدفعية الثقيلة استهدف أحياء: برزة، القابون، جوبر ومناطق دمشق الجنوبية. وفي وقائع الثلاثاء السوري عينات أخرى: فرضت القوات النظامية سيطرتها على بلدة قارة القريبة من الحدود اللبنانية بعد قصف استمر لأيام وأدى لتشريد الآلاف. وكانت القوات النظامية بدأت هجومها على بلدة قارة التي تبعد 80 كلم شمالي دمشق عند جبال القلمون الجمعة الماضية 15 نوفمبر مدعومة من حزب الله اللبناني/ الإيراني.

في درعا قصفت قوات النظام حي طريق السد.

في حمص قتل أكثر من عشرة أشخاص وجرح آخرون نتيجة استهداف مشفى الوليد بحي الوعر بصاروخ أرض أرض.

بهذا فإن العنف الأسود الذي شهدته بيروت وثيق الصلة بما يقع في الجوار السوري وعلى بُعد أقل من مئة كيلومتر من موقع الانفجارين الرهيبين. حزب الله منح نفسه حق التدخل المسلح الواسع النطاق في عموم الأراضي السورية واستباحة حدود دولة شقيقة مستقلة، من وراء ظهر الدولة اللبنانية ومؤسساتها. انغماس هذا الحزب في قمع انتفاضة السوريين، يتم كما يدرك القاصي والداني بتنسيق كامل مع طهران وبدعم كامل وشامل منها. وعلى هذا النحو فكما يدفع السوريون ثمن هذه الاستباحة، ها هم اللبنانيون يدفعون بدورهم الثمن، وكان انفجار هائل سابق قد وقع في الضاحية الجنوبية يوم 15 اغسطس الماضي.

هذا علاوة على ضحايا حزب الله أنفسهم الذين التحقوا بهذا الحزب بداعي المشاركة في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي، فإذا بهم يجري زجهم في قتال إخوتهم السوريين، ويتعرضون لويلات هذا القتال.

السؤال الذي يرتسم الآن بقوة: هل نحن أمام تفشي موجة متعاظمة من الإرهاب؟ الجواب للأسف الشديد هو بالإيجاب. فمسار الأزمة السورية منذ اندلاعها في 15 مارس 2011، حتى أيام الناس هذه، يؤكد صحة هذا الاستخلاص. لقد ووجه المحتجون السوريون منذ الساعات الأولى لاحتجاجاتهم بالرصاص الحي، وتم إغراق الانتفاضة السلمية ذات المطالب الإصلاحية بالدماء حتى نهايات العام 2011. هذه الموجة الجديدة والسلمية من موجات الربيع العربي في الديار السورية، قوبلت بصلف دموي قل نظيره تم فيها زج الشرطة ثم ميليشيات الشبييحة (نحو 30 ألف عنصر) ثم أفراد الجيش للتنكيل بالشعب، ويصعب نسبة هذا الصلف لشيء آخر غير الإرهاب الرسمي، وهو ما أفضى لموجة انشقاقات متتابعة في الجيش أدت لنشوء «الجيش السوري الحر» وقوامه آلاف الضباط والجنود الذين رفضوا إطلاق النار على شعبهم.

هكذا مع نهايات عام 2011 بدأت المواجهات المسلحة، وما هي إلا شهور قليلة حتى كان النظام يطلق سراح إسلاميين معتقلين بداعي عفو عام، فأخذت تظهر إلى جانب تشكيلات الجيش الحر تنظيمات إسلامية وهي متعددة الاتجاهات، فبعضها وطنية غير عقائدية تقتصر على السوريين، وبعضها الآخر عقائدية غير مرتبطة بالقاعدة تضم سوريين وغير سوريين، وبعضها الثالث عقائدية ذات ارتباط بالقاعدة مثل داعش والنصرة تغلب عليها عناصر غير سورية تسربت من خارج الحدود في أجواء الفوضى الأمنية التي أشاعها القمع المنهجي للانتفاضة، والمقترن بارتكاب مجازر واسعة النطاق ضد المدنيين واعتماد سياسة الأرض المحروقة، وهي ممارسات ذات طابع إرهابي صارخ. في الفترة ذاتها (أواسط العام الماضي 2012) نقل ناشطون تباعا وبصورة دورية تقارير وأخبار وفيديوهات عن وقوف حزب نصر الله وعناصر من الحرس الثوري الإيراني إلى جانب النظام. مرة للدفاع «عن أهلنا» في قرى حدودية، وتارةً لحماية مقام السيدة زينب، وطوراً لمنع سقوط النظام، ومرة لحماية ظهر المقاومة وأخيرا لمواجهة «التكفيريين».

وأن يحارب حزب أصولي طائفي مثل حزب الله جماعات طائفية أخرى، فإن الطابع الطائفي لهذه المواجهات يبدو صارخاً وغير قابل للتعمية عليه. ولم يكشف الحزب عن مشاركته الواسعة إلا في الحملة على بلدة القصير في الأسبوع الأخير من مايو الماضي، التي شهدت تنكيلا ًواسع النطاق بالمدنيين والإجهاز على الجرحى، وتدمير البيوت والتهجير من الديار.

العنف الأسود طبع القمع المنظم والمنهجي للانتفاضة السورية منذ بداياتها بدعم حثيث ومتواصل: سياسي وإعلامي ولوجستي وعسكري من طرف إيران وحزبها في لبنان: حزب الله. وإذا كانت داعش وبصورة ربما أقل النصرة، قد ارتكبت ما ارتكبته وهو موضع إدانة مطلقة، وخاصة لجهة العبث الشائن بالنسيج الاجتماعي السوري وتخويف الأقليات، فإن النظام متعاوناً مع حليفه الإقليمي الإيراني ارتكب ما لا يحصى من مجازر ضد المدنيين، وتشكل مجزرة الكيماوي في غوطة دمشق، التي ذهب ضحيتها 1200 من المدنيين (جُلّهم من الأطفال) التي أنكر النظام وقوعها في البداية ولم يعبأ بها، تشكل شاهدا على المسار المتوحش للأزمة السورية، والذي دفع ويدفع المدنيون السوريون ثمناً هائلاً ومروعاً له لم يسبق لهم أن دفعوه خلال الاحتلال العثماني أو الانتداب الفرنسي أو من طرف الاحتلال الاسرائيلي. في هذه الأجواء بدا الثلاثاء الأسود في بيروت ثمرة مُرّة للعنف المتفشي ضد السوريين واستباحة بلادهم وتدمير ممتلكاتهم وتجويعهم واقتلاعهم من أرضهم، وقذفهم بالملايين خارج الحدود.

لتفادي المزيد من العنف الأسود فإنه يصح ويتعين رفع الصوت بأن سوريا لأهلها وشعبها، كما لبنان لأهله وشعبه، وأنه آن الأوان لأن تتكاتف الجهود وترتفع النداءات من أجل خروج كل القوى غير السورية من سوريا، وإدانة وجودها على أرض الغير، وتأمين ممرات آمنة لأعمال الإغاثة وضمان وصول الغذاء والدواء لكل السوريين بلا استثناء. وسوى ذلك لا معنى لجنيف2، ولا معنى حتى للحديث عن الإرهاب في ظل التنكر للوقائع الجارية، وسقوط عشرات السوريين كل يوم، في جرائم روتينية لم تعد تستحق في محطات التلفزة إدراجها في «خبر عاجل» أو رئيس يتصدر النشرات الإخبارية.

شاهد أيضاً

رندة تقي الدين: الأسد لخدمة بوتين

  رندة تقي الدين – الحياة زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سورية يوم الإثنين، للاحتفال …

اترك تعليقاً