رئيس الحكومة المؤقتة أحمد طعمة بعد الجسر المعلق الذي تهدم… ماذا ستبني الحكومات المؤقتة؟.

_9070_taa4إبراهيم الجبين- العرب:

قال رئيس الحكومة السورية المؤقتة، أحمد طعمة، إنه قبل بهذا التكليف احتراما لتضحيات السوريين، ومادام الحال هكذا فلن تنفعه التوافقية التي طالما نادى بها الإسلاميون.

ينتظر السوريون والعالم الخطوات القادمة التي ستضع الدكتور أحمد طعمة في مواجهة مع التساؤلات عن مشاريع حكومته المؤقتة، وربما لا تكفي النوايا الطيبة في مناخات معقدة باتت اليوم سمة الوضع السوري العام، في المناطق التي ما زالت تخضع لسلطة نظام الأسد والتي تم تحريرها على يد الجيش الحر وتلك التي استولت عليها التنظيمات الإسلامية المتشددة التي ترفض الائتلاف وحكومته المؤقتة كما تزعم رفض الأسد، بينما تنسحب من كثر من تلك المناطق مفسحة المجال لدخول قوات النظام إليها.

ولكن والوضع هكذا، كيف يمكن لحكومة ناشئة أن تتصرّف وتطبق برامجها الإسعافية والتنموية العاجلة؟ ربما بمعرفة العقل السياسي الذي تصدر عنه توجهات وقرارات تلك الحكومة يمكن معرفة مسارها التالي ومنعرجاته وخطورة استحقاقاته.

أحمد طعمة والانتقال من العيادة والجامع إلى السجن

ولد أحمد صالح طعمة الخضر في دير الزور في العام 1965 ولكن كمعظم أهاليها غادر مع أسرته إلى الخليج، فعاش في منطقة بيشة السعودية سنوات حيث عمل والده مدرّسا في مدارسها، ليعود بعدها إلى مدينته دير الزور، وليعيش المناخات المتفاوتة في المدينة البعيدة عن العاصمة دمشق حيث كانت تجري الأمور، تضخّم السلطة وتآكل المعارضة.

وإلى دمشق كان يجب أن يغادر طعمة لمتابعة دراسة طب الأسنان، وليكون على احتكاك أكثر فأكثر بما يحدث في المشهد السياسي السوري المتصحّر، ولكنه عاد من دمشق ليتولى الإمامة والخطابة في مدينته دير الزور، وفي أكثر جوامعها قدما وعراقة، الجامع الحميدي الشهير، أكبر جوامع المدينة، وبقي حتى العام 1999 حيث أوقفته مخابرات حافظ الأسد عن متابعة التواصل مع الأهلي عبر الخطابة، فانصرف إلى الاحتدام السياسي والفكري في دير الزور، والذي قدمنا له سابقا. وعبر مرحلة توريث حكم سوريا لبشار الأسد مقتربا أكثر من شكل العمل السياسي المدني الذي لا يمكن لخطيب الجامع أن يحيط به بإمكاناته وحدها، فكان لا بدّ من الانخراط في “لجان إحياء المجتمع المدني” التي كانت واحدة من نشاطات كثيرة قام بها المجتمع السوري في ما أطلق عليه حينها “ربيع دمشق”.

أصبح أحمد طعمة أمينا لسر إعلان دمشق، وتم اعتقاله في العام 2007 مع رفاقه من المؤسسين، وصدر الحكم عليهم جميعا بالسجن لمدة عامين ونصف مع التجريد من الحقوق المدنية والفصل من الوظيفة، خرج بعدها طعمة في صيف العام 2010 من سجنه ليقضي تسعة أشهر فقط قبل اندلاع الانتفاضة السورية، فاعتقل مجددا في تموزـ يوليو من العام 2011 وتم الإفراج عنه، ليعود إلى المشاركة في العمل الإغاثي في مدينة دير الزور، ثم أصبح عضوا في المجلس الوطني السوري عند تشكيله، تحت الاسم المستعار “أحمد السائح”. وفي أواخر العام 2012 اعتقل من جديد، وعمل مع رئيس المجلس المحلي الثوري لمدينة دير الزور على ترتيب المجالس المحلية في المحافظة، ثم أصبح رئيسا لمجلس السلم الأهلي في محافظة دير الزور، وفي 14 من أيلول – سبتمبر من هذا العام 2013 اختير رئيسا للحكومة السورية المؤقتة، بعد تعثّر استمرار غسان هيتو في تشكيل حكومة سورية مؤقتة للمعارضة السورية توافق عليها جميع الأطراف، فقدّم استقالته لكي لا يكون عقبة في وجه الحلول التي تخدم الشعب، وقدّمت المعارضة بديلها والذي كان ابن المدينة التي تهدّم جسرها المعلّق الكبير وأحد رموزها التاريخية تحت ضربات طيران بشار الأسد ودباباته.

الحكومة المؤقتة والجدار العالي

يواجه خطيب المسجد وطبيب الأسنان وداعية اللاعنف أحمد طعمة، اليوم، جملة من الاستحقاقات الكبرى، التي تنتقل بالمعارضة من حال الاحتجاج السياسي إلى وجوب تحمّل مسؤوليات “الدولة السورية” تجاه مواطنين ينتظرون الحلول العملية، بمواجهة واقع تهاجم فيه قوات “الدولة السورية الأخرى” المدن والأرياف وتضرب البنى التحتية وتحاصر المشروع السياسي الثوري بكل ما تملك من قوة ونفوذ وعلاقات وتحالفات مع دول قوية في المنطقة والعالم، فما الذي يمكن أن تفعله مجموعة من الخبراء والمخلصين أمام مسؤوليات تحتاج إلى دول لتنفيذها؟ وما الذي يجعل من تلك المسؤوليات قابلة للتحقيق في وجود مقاومة وممانعة فعلية من قبل نظام الأسد، لأي حلّ يمكن أن يغيث الشعب السوري، بعد أن طبّق الأسد مقولة شبيحته “الأسد أو نحرق البلد” وقد أُحرق البلد، ودمّره على رؤوس النساء والأطفال والرجال، وها هو اليوم يبث إشاعاته عن قرار سيصدر بسحب الجنسية من كل المعارضين السوريين، ومن كل من “حرّض” أو “دفع” أو ” ساهم” في الاحتجاج على نظامه، وكأنه يريد تقسيم السوريين الآن إلى سوريين يتبعون حكومته في دمشق، وسوريين يتبعون حكومة أحمد طعمة في المناطق المحررة وحلب وغازي عينتاب!

وما التصعيد الفاحش الذي مارسته قوات الأسد وشبيحته إلا لبناء هذا الجدار العالي من الفصل ما بين السوريين، بالتوازي مع جدار الفصل الطائفي بين سنّة وشيعة المنطقة، وعرب وفرس، بفضل تبنيه المطلق لسياسات العصبة التي استولت على الحكم في طهران، وطبّقت مشروعها العنصري الطائفي، فبات على من سيتصدى لتلك المهمات أن يغامر ليس باسمه وبمستقبله السياسي ومصداقيته فقط، بل بحياته أيضا وقد أصبح في مركز دائرة الخطر اليوم، ولذلك تقترب حال الحكومة السورية المؤقتة اليوم ممثلة برئيسها ووزرائها من العمل الانتحاري أكثر منه الإداري الهادئ.

يقول أحمد طعمة: “لم تفرض علينا أية معايير في اختيار الوزراء، وإنما حاولنا إرضاء كل الكتل السياسية من جهة وتمثيل معظم ألوان الطيف السوري وانتقاء الكفاءات، وكان هذا كلّه من اختياري الشخصي للوزارات، وكانت رغبتي أن تكون وزارة الصحة بيد التركمان، بسبب العلاقة مع الأتراك. أما الاقتصاد، فبحثنا عن الشخصيات ذات الخبرة ومن لها صلة مع الاقتصاد الدولي (الغربي)، ووجدنا أن ابراهيم ميرو هو أفضل الخيارات وليس لأنه “كردي”. وكلام من هذا النوع، يفصح عن الكثير من الضغوطات التي تعرّض لها طعمة، فهو لن يستطيع إقناع السوريين والعالم بأن الأمور كانت “سمن على عسل” في أوساط الائتلاف والمجلس الوطني وتيارات المعارضة السورية، وأن مناخ المودّة المبالغ فيه، لن يقود إلا إلى المزيد من غموض الصورة أمام الرأي العام، وبالتالي ستظهر المشكلات فجأة، دون أن يكون لها مقدمات، ومع ذلك يبدو الميل إلى الحكمة والتعقّل في تصريحات رئيس الحكومة السورية المؤقتة، أفضل من الانجرار إلى الأنين والشكوى من كل صغيرة وكبيرة، ليكون العمل على أرض الواقع هو المعيار كما يقول، ويلفت النظر إصراره على رفض مبدأ المحاصصة الطائفية في تشكيلة حكومته، وأنه لا يقبل أن يستنّ سنّة تستمر من بعده ويجري ترسيخها في مستقبل سوريا، رغم أنه تم اختراق ذلك المبدأ بتعيين وزيرة للثقافة لا تستطيع أن تكون بإمكاناتها المحدودة على حواف تلك المسؤولية، أمام الشعب السوري الذي تعدّ من أكبر مشاكله شيوع الثقافة في جموعه، وربما اضطر الدكتور طعمة إلى تعيين وزيرة درزية ولو شاء لاختار من بين المثقفين الدروز السوريين من هو أكثر كفاءة وأكثر تأثيرا من أصحاب المؤلفات والأعمال الكبيرة ومن أهل المواقف الجريئة والشجاعة في زمن الثورة وقبلها، أما لماذا لم يشكّل طعمة وزارة للخارجية فتفسيره أنه لم يكن يريد زيادة التكاليف! ولا يعتقد أحدٌ أن السوريين يمكن أن يطالبوا رئيس حكومتهم بإلغاء وزارة الخارجية، الرسول الأهم للثورة السورية ومطالب الشعب، من أجل تقليص التكاليف، والحقيقة أن رئيس الحكومة كان صادقا مع ذاته، فما قيمة وزارة خارجية لا تملك الصلاحيات بوجود الائتلاف الذي يحتكر العمل السياسي اليوم؟!

هل الحكومة المؤقتة.. حكومة جادّة؟

لم يُعرف سبب عدم تشكيل وزارة أو إدارة إعلامية، وربما كان رئيس الحكومة، شأنه شأن معظم السياسيين السوريين غير مدرك لأهمية الإعلام في حرب الشعب من أجل الاستقلال وتحقيق المطالب العادلة، وأغلب الظن أن القاعدة التي رسخها الجيل الأول من السياسيين المعارضين السوريين في بداية الثورة ما زالت مقبولة من قبل الشركاء حتى اليوم، فقد قيل إن المهمة الإعلامية غير ضرورية ما دامت تقوم بها الجزيرة والعربية وبقية القنوات العامة والخاصة، وهي فكرة أبعد ما تكون عن فهم الواقع الفعلي للثورة وضروراتها، فمن لا يدرك أهميّة وجود منبر إعلامي خاص بجسم سياسي كبير مثل الائتلاف أو الحكومة المؤقتة، إنما يعبّر عن قصور في القدرة على الإحاطة بكيفية الحضور أمام العالم اليوم.

وقد ولدت الحكومة المؤقتة وولدت معها الرضوض في الأداء فور الإعلان عن أسماء وزرائها، فحتى هذه اللحظة ما تزال وكالات الأنباء والصحف تردد القول بتكليف الدكتور إلياس وردة بوزارة الطاقة والثروة الحيوانية، حتى اضطر الرجل إلى توضيح الأمر بنفسه قائلا إنه لا توجد ما تسمى بوزارة الثروة الحيوانية، وأن هذا كان خطأ ممن أعلنوا أسماء الوزراء وحقائبهم، ولو أن للحكومة جهازا إعلاميا ناشطا لقام بهذه المهمات بدلا من ارتجال الأخطاء وارتجال تصحيحها فيما بعد.

قال أحمد طعمة، بعد إعلان تكليفه من قبل الهيئة العامة للائتلاف إنه “يتشرف بتحمل هذه المسؤولية الكبيرة، التي فرضتها عليه التضحيات التي قام بها السوريون”، وما دام معيار الشرف المهني والوطني هنا هو تضحيات السوريين، فلا بد من تقديم ما يوزاي تلك التضحيات، وهو ما ذهب إليه الرجل ووزراؤه سريعا في تلقي الملفات الضخمة التي وضعت بين أيديهم، ولكن من بينها ما كان مجرّد حبرٍ على ورق، الهدف من تقديمه من قبل فرق عملٍ مختلفة الظهور بمظهر من يفعل شيئا، مما دفع بأكثر من وزير إلى إلقاء تلك الملفات جانبا، والذهاب إلى نقطة البداية من جديد وجمع المعلومات والبيانات عن احتياجات الداخل السوري الحقيقية، ولن تنفع التوافقية التي ينادي بها أحمد طعمة في غالبية تصريحاته، ولو أنها مجدية لنفعت الإخوان المسلمين في تجاربهم السياسية، ولكن الصدام الذكي والمناورة من أجل تحقيق الأهداف، والتحوّل إلى تكتّل جاذب للآخرين، أكثر فعالية من تحوير كل شيء من أجل التوافق وإرضاء الجميع، ويبدو الدكتور أحمد طعمة رئيس الحكومة السورية المؤقتة، مقبلا على مسؤولياته بانفتاح متفائل، لن يعكّر صفوه إلا مبدأ حساب المخاطر، الذي ينبغي له أن يدرس جيدا متى وكيف تستعمل الحزم ومتى وكيف تسترضي هذا الطرف أو ذاك، لا سيما وأن الملفات تمتدّ من الكهرباء إلى الزراعة والملكيات وإعادة الإعمار والإسكان والتجارة الداخلية والخارجية وشؤون المهجّرين (الملايين منهم) ولا تتوقف عند التعليم والصحة والدفاع والعدل وضبط الأمن ومواجهة المتطرفين ومواصلة المعركة السورية ضد بشار الأسد وحزب الله وإيران والضيوف الجدد من الشركات الأمنية الروسية ومقاتليها. وإن تمكنت حكومة الدكتور أحمد طعمة من تكسير الجدران العالية التي مزّقت حياة السوريين وشرّدتهم بالملايين، واستطاعت إعادة تأهيل المجتمع، وإقناعه بالعودة إلى الحياة والعمل من جديد، بعد اعتمادٍ طويلٍ على المساعدات وفوضى المال والتبرعات، فإن ذلك سيعدّ خطوة أولى باتجاه خلق الجسم الثوري السوري بصورة ناضجة، بعيدا عن الشعارات والإنشاء والتجاذبات والتنافرات، وسيكون على طعمة رئيس الوزراء السوري المؤقت أن يعمل ضابطا لإيقاع الوزارات التي شكّلها، لأن آخر ما يحتاج إليه المشهد السوري المصطخب اليوم انقساماتٌ- جديدة ومؤسساتٌ تعمل منفردة يوسوس لها هذا السفير أو ذاك، وقد وضع أحمد طعمة حكومته في زاويةٍ حرجةٍ ما بين أن تكون حكومة جادّة أو مجرّد حكومة تمرير مشاريع، لأن الأنباء كانت قد بدأت تتسرّب عن انتقال رجال أعمال سوريين وعرب إلى شمال العراق للتنسيق والتشارك مع حكومة البرزاني على استثمار نفط المناطق الشرقية السورية تحت غطاء الحكومة المؤقتة، وتلك إحدى نذر ومخاطر المجهول الواسع الذي يقابل الطموحات الواسعة للدكتور أحمد طعمة.

شاهد أيضاً

سلامة كيلة: الحل السوري في موسكو لا جنيف

  سلامة كيلة: العربي الجديد كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف …

اترك تعليقاً