هويات جديدة.. بالضرورة

_109إبراهيم الجبين- العرب:

لم يكن صعباً على ملايين الرعايا المنضوين تحت لواء السلطنة العثمانية، أن يتلقفوا «الرابطة» العربية لحظة انهيار السلطنة تحت ضربات من جميع الاتجاهات، من الخصوم المتحاربين، ومن داخل الدولة ذاتها، سواءً كان الانقضاض على السلطنة تركياً أو عبر الأقليات أو عبر الأكثرية العربية التي حُكمت أربعة قرون تحت راية الخليفة، لتكفر بـ”الجامعة” الدينية (الإسلامية) معلنة بداية إحياء القومية العربية.

لماذا لم يكن صعباً؟ لأسباب كثيرة وجميعها مهم. أول تلك الأسباب أنه تم التمهيد لخلخلة الهوية الدينية عبر أكثر من شكل من أشكال التداخل في جسم الدولة، فكانت روسيا القيصرية التي قدّمت نفسها منقذة حامية للمسيحيين الأرثوذوكس في العالم، أوّل المتقدّمين في حرب استمرت طويلاً وعرفت بحرب القرم، وقد أعلن الروس أنهم ذاهبون لاستعادة القسطنطينية العاصمة المسيحية التي صار اسمها «استانبول»، ولكنهم خسروا الحرب ولم يخسروا الهدف، فقد تعهّد الأتراك بمنح امتيازات لإدارة المناطق المسيحية في العام 1852 في فلسطين للرهبان الكاثوليك الفرنسيين، الذين كانوا على تنازع مع الأرثوذوكس الروس وغير الروس في العالم، مما استفز الروس، فأعلن القيصر الحرب، ولم تكن أقلّ من حربٍ دينية ترفع شعار حماية المسيحيين الأرثوذكس، وبعد طلب الممثل الروسي «منشكوف» من العثمانيين استبعاد الرهبان الكاثوليك، وأن يكون الرهبان الأرثوذكس هم الأمناء على مفتاح كنيسة المهد في بيت لحم وبالنجم الذي وضعه الأرثوذكس هناك إشارة لولادة المسيح، والولاية التامة على قبر مريم العذراء في الجسمانية، وطالب بأن يصدر السلطان الأمر بإنشاء القبة الكبرى لكنيسة القيامة من قبل بطريركية الروم الأرثوذكس بواسطة الحكومة العثمانية وبمساعدتها دون إشراك الكاثوليك أو غيرهم من المسيحيين، كذلك طلب عقد اتفاقية تعلن بوضوح أن جميع المسيحيين في الأراضي المقدسة تحت الحماية الروسية!، وانتهت الحرب بعد ثلاث سنين، بمعاهدة باريس التي صنعت شكل التفاعلات الدولية في أوروبا والشرق، وبدأت بتقديم أفكار جديدة مثل «المجتمع الدولي» و”التدخل الدولي” و”القانون الدولي”، وقيل إنها كانت مدخلاً مهما لتطوير القانون الدولي حيث كانت بداية الفصل بين العقائد الدينية والعلاقات الخارجية، فتم إلزام الأتراك بالكثير من البنود التي فتحت الباب وقتها لما عرف بحماية الأقليات، فاعترفت المعاهدة بالاستقلال الذاتي لكل من ولايتي «الأفلاق وبغدان (مناطق رومانيا)، وتعهد السلطان العثماني «بتحسين أحوال الرعايا المسيحيين في البلقان»، واعترف بالمساواة التامة بين جميع رعاياه على «اختلاف مذاهبهم وأديانهم»، وأعلنت الدولة العثمانية قبول مبدأ التحكيم في حالة وقوع خلاف بينها وبين غيرها من الدول، وثبّتت معاهدة باريس امتيازات فرنسا في الأماكن المقدسة المسيحية دون غيرها من الدول، وبعد أقل من عشرين سنة مزّق القيصر الكسندر الثاني المعاهدة مطالباً بالمزيد من حماية الأقليات وبمطالب عديدة أخرى.

كان العرب رعايا منتشرين في الأصقاع، في ظروف ماديّة وثقافية صعبة، بسبب تمركز السلطات في الشمال حيث الأناضول والأستانة، مع قليل من الاختلافات في المراكز الصناعية الهامة كحلب ودمشق والمراكز السياسية الاقتصادية كالقاهرة، أما الخليج، فكان تحت احتلال استعماري طويل الأمد، وكان يبدو كبحيرة عالمية تجوب مياهها سفن برتغالية وهولندية وبريطانية وفارسية وعربية، وكانت قد بدأت تظهر الدعوات للتخلص من تلك الحالة الرعوية، التقطها الروس من ناحية الشرق في تعزيز القومية السلافية والأرمنية، والتقطها الغرب البريطاني والفرنسي في تعزيز القومية العربية، أما الأميركيون فقد نظروا إلى الشرق كساحة تبشير بروتستانتي أولاً، وأرسلوا بعثاتهم وبنوا الجامعات والأديرة والمستشفيات ونشروا المذهب الإنجيلي وسط الكاثوليك والأرثوذوكس.

وحتى تشكلت الهوية العربية موقظةً دماء نائمة في العروق، كان عليها أن تخوض حربها أيضاً ولكن بالاعتماد على وصفات تنطلق من عقل استشراقي يرى الشرق ملعباً للتخلف والجهالة، فتم اختيار شخصية ذات أصول دينية قرشية لقيادة الثورة العربية الكبرى، ثورة الشريف حسين المندوب العثماني على مكة، ولم يختلف الأمر كثيراً بعد ذلك، فكان لكل تدخّل في الشرق لافتته الكبيرة بإعلان دولة من الدول الغربية أو روسيا ذاتها كما يحصل اليوم في سوريا، ولم تكن تلك اللافتة سوى «حماية الأقليات» ذاتها، وكان للفكرة المظّلة التي شكّلت الهوية الجديدة الجامعة، «العروبة» مفكرون يحملونها على أكتفاهم ويبشرون بها ويكتبون ويؤلفون الأسانيد التي تؤسس لها كوعي جديد، فمضى الربع الأول من القرن العشرين يمهّد بهؤلاء المفكرين والمنظرين والشعراء، لهوية صارت في ما تبقى من القرن العشرين جامعة حقيقية عاشت ونمت بين المجتمعات وتمكنت من الصمود حتى عقود القرن العشرين الأخيرة، حين تلقت القومية العربية ضربات كبرى بدأت بغزو حافظ الأسد للبنان، ثم أتبعت بغزو العراق للكويت، وبالطبع بعد اختلاط الفكر القومي بممارسات الاستبداد التطبيقية الطويلة على يد جمال عبدالناصر وحافظ الأسد وصدام حسين.

وبولادة دولة دينية خالصة في إيران، تعتمد مبدأ الثأر التاريخي المذهبي وتصدّر ذلك الثأر عبر الحدود، وهي الدولة الدينية الوحيدة في المنطقة مقابل إسرائيل، وبالإصرار الإسرائيلي على يهودية الدولة، وهو مطلب شديد الغرابة حين يؤكده المجتمع الدولي، وتدافع عنه أوروبا والولايات المتحدة، التي تنظّر للديمقراطية والدولة المدنية في أنحاء العالم وتشنّ الحروب من أجلها، بينما تنصّب الدكتاتوريات في أنحاء العالم لحماية مصالحها من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأوسط، عاد إلى التشكّل من جديد رابط ديني ولكن هذه المرة عبر المذاهب وليس الأديان العريضة، فتقلصت الهويّات أكثر، مع النظر إلى حرب دامت أكثر من خمسة عشر عاماً في لبنان كان جوهرها الصراع الديني بين مكونات المجتمع اللبناني، وأغلقت الحرب باتفاق الطائف الذي رسّخ عربيا ودولياً «فكرة التحاصص المذهبي والديني في الدولة على حساب المواطنة».

اليوم تعود المعطيات الظرفية الكبيرة والواسعة التي تعيشها شعوب المنطقة، إلى لحظة تخليق الهويات الجديدة، وقد جرّبت وخبرت تلك الشعوب مرارات الهويات عبر القرون، ولكن أخطر ما تفتقر إليه هذه المرحلة هو غياب المفكرين والمنظرين الذين يمكن الاعتماد عليهم في حمل فكرة مظّلة جامعة بديلة، وقد يقول البعض إن الحل الديمقراطي الذي خرجت من أجله عشرات الملايين من الشباب في مظاهرات الربيع العربي، هو الأفق القادم، ولكن هذا الأفق ارتطم ويرتطم بتقاطعات كثيرة، أوّلها وليس آخرها هو إمكانية قبول الوعي العربي، وغير العربي في المنطقة، بالتفكير الديمقراطي كخيار نهائي لتعيش به الشعوب على الأرض وليس في من أجل رحلتها إلى السماء.

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً