الإمارات وتجربة الحكم الرشيد

333د. رياض نعسان أغا- الاتحاد:

يبدو الاحتفال بالعيد الوطني في دولة الإمارات مناسبة لتأمل تجربة في الحكم بدأت مطلع السبعينيات من القرن الماضي، وتكاد تكون فريدة في إنجازها اليوم، فقد واكب قيام هذه الدولة ظهور أشكال متعددة من تجارب الحكم في الوطن العربي (بدأ القذافي حكم ليبيا عام 1969، وبدأ السادات حكم مصر عام 1970، وبدأ حافظ الأسد حكم سوريا عام 1970، وفي نهاية عقد السبعينيات تولى الحكم في اليمن علي عبدالله صالح 1978 وتولاه في العراق صدام حسين 1979) وإذا كانت الأمور بخواتيمها فإن النهايات التراجيدية لمن ابتعدوا عن الحكم الرشيد تكفي دليلاً على ضخامة الفواجع التي ابتليت بها الدول العربية التي خضعت لحكم الاستبداد.

وفي المرحلة التي بدأ فيها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد دعوته إلى الاتحاد، كانت مصر وسوريا والعراق وليبيا واليمن تؤسس حكمها على شعارات الوحدة العربية التي أخفقت تجربتها الأولى بين مصر وسوريا عام 1961، وأخفق بعدها الاتحاد العربي الذي سمي الهاشمي وكان قد أعلن عنه عام 1958 بين العراق والأردن، وتم تشكيل حكومة صورية له ترأسها نوري السعيد، وبقيت الوحدة شعاراً تتجاذبه المحاولات الفاشلة. ففي عام 1971 أعلن الرؤساء الثلاثة حافظ الأسد وأنور السادات ومعمر القذافي عن اتفاقية لقيام دولة اتحاد الجمهوريات العربية، وتم تشكيل مجلس وزراء اتحادي (صوري أيضاً) ترأسه أحمد الخطيب، وقد اكتفى الرؤساء بالإعلان. وعادت أفكار الاتحاد تراود المخيلة العربية أيضاً فأعلن عن اتفاق على اتحاد المغرب العربي عام 1989 وضم ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا وتم التوقيع في مراكش على ما سمي معاهدة إنشاء اتحاد المغرب العربي، وتم نسيان الأمر كذلك.

ونحمد الله أن مشروعاً وحدوياً قد نجح واستمر بين وفرة من المشاريع الوحدوية، والفضل لصدق النوايا والإخلاص للشعب ولسياسة الحكم الرشيد التي انتهجها قادة الإمارات حين جعلوا بناء الدولة هدفاً حقيقياً وظفوا له كل الطاقات والإمكانات.

وسيذكر التاريخ مستقبلاً أن فلسفات الحكم التي أطلقها كثير من الحكام العرب في مختلف أقطارهم ونسبوها إلى التقدمية والاشتراكية والعلمانية والديمقراطية الشعبية لم تكن تحقق شيئاً من مضامينها، وبعض هذه الدول نفطية ثرية مثل ليبيا والعراق، ومع كثير مما حققته من تنمية فاتها تحصين العمود الأول من أركان الحكم وهو العدل، وغياب العدل هو سر الانهيارات التي حدثت في مطلع الألفية الثانية من القرن الراهن.

وقد تبدو كلمة (العدل) فضفاضة وقابلة لكثير من التفسيرات القانونية والفلسفية، ولكنها في كل تفسيراتها تشكل الضمانة الأساسية لنجاح الحكم في تحقيق نهضة اجتماعية وعمرانية وفي نشر الشعور بالأمن والاستقرار في نفوس المواطنين، ولعل من الطريف أن يسهم البنك الدولي في تعريف معاني الحكم الرشيد فيراها في سيادة القانون، وتحسين الكفاءة والتصدي للفساد.

ولم تكن دولة الإمارات في نشأتها الأولى مشغولة بفلسفة الحكم، فكثير مما يقوله فلاسفة السياسة عن أشكال الحكم وأساليبه يستمد جذور تعاليمه من مفهوم الرشد الذي أطلقه العرب المسلمون، وقد أصبحت كلمة (الرشيد) مصطلحاً عالمياً في العلوم السياسية.

لقد كان شعار المشاركة الشعبية في الحكم ميدان لعب وعبث عند كثير من الدول التي أسست مجالس للشعب، ولكنها لم تمنحها سلطات حقيقية، وبقيت مجرد سواتر صورية لما سمي الديمقراطية الشعبية، وكانت تمنع ظهور تكوينات المجتمع المدني، وتحرص على أن تقوم هي بتشكيل ما يناسبها ويمكنها من السيطرة، بينما نجد التجربة مختلفة في الدول التي لم يشغلها هذا الهاجس الديمقراطي، ولكنها سمحت للمجتمع أن يؤدي دوره في التنمية بكامل حريته، وأتاحت له أن يؤسس قواعد مهمة الاقتصاد الوطني، ولم تضع له العوائق القانونية من قبيل ما أرهق المجتمعات التي خضعت لحكم الاستبداد، والتي حرصت على رأسمالية الدولة، وحولت القطاع العام إلى مال عام سائب، سرعان ما تسلل إليه الفساد في أسوأ صوره وتشكيلاته.

وفي غياب الشفافية التي هي المعيار الثاني للحكم الرشيد يجد الفساد بيئة للتوسع، فلا أحد يجرؤ أن يسأل أو يحاسب أو يناقش.

لقد بنت دول الاستبداد دولاً أمنية بدل أن تبني دولاً مدنية، وسنت قوانين تمنع القضاء من محاسبة رجال الأمن فهم أعلى سلطة من الحكومات، حتى باتت لهم السلطة المطلقة (وهي المفسدة المطلقة)، وهذا ما جعل الثورات العربية تنادي بالحرية والكرامة غير مهتمة بالفقر أو التخلف الاجتماعي أو التردي في الخدمات أو انتشار الفساد في المؤسسات العامة، ذاك أن الظلم الاجتماعي كان أقسى على الشعوب من معاناتها الاقتصادية التي اعتادت الصبر عليها. وقد كان عادياً في دول الاستبداد أن ينتظر الشباب سنوات كي يحصلوا على سكن يمكنهم من الزواج ومن بناء أسرة، ولم يكن مثل هذا الوضع عصياً على العلاج، لكن حكم الاستبداد لم يكن يريد حل هذه المشكلات، وقد تآلف الشباب العرب مع أوضاعهم المزرية، وباتوا يبحثون عن حلول فردية كان من أخطرها الهجرة، وقد استوعبت دول الخليج العربي النامية كثيراً من شباب تلك الدول المستبدة فوجدوا فيها فرص العمل. وكانت الهجرة إلى أوروبا وإلى الغرب عامة حلماً عبرت عنه طوابير المصطفين على أبواب السفارات في كثير من الدول العربية.

لقد كان من أسباب التردي الاقتصادي في كثير من الدول العربية الغنية بمواردها والفقيرة في استثمارها لطاقاتها غياب المجتمع المدني، ومؤسساته القادرة على تحقيق المشاركة، وليس بوسع المجتمع المدني أن يحقق حضوره في بيئة تعتمد الضغط وسيلة للحكم، وتمنع كلمة الحق من أن تقال، ويكون همها تمجيد الزعيم وجعله بديلاً عن الوطن كله. لقد كان مفجعاً أن تتحول مدن عربية عريقة إلى عواصم خوف ورعب من السلطة الأمنية المطلقة الصلاحيات، والتي كان همها التسلط والإثراء غير المشروع، ولم تكن شعاراتها الوطنية والقومية أكثر من ذرائع لاستبدادها.

إنني أستعرض هذه الهموم التي أوصلت جل العرب إلى ما هم فيه الآن من ضياع بسبب غياب الحكم الرشيد، وكلي أمل بأن يفيد الحكام القادمون من تجارب الحكم الرشيد التي أتقن تقديمها قادة الإمارات الذين أخلصوا لشعبهم فبنوا دولة حققت بفضل الله نقلة حضارية نوعية، وصارت محط إعجاب العالم كله، ولهم منا التهنئة بهذا الإنجاز العظيم وقد بتنا نرى عيد الإمارات الوطني عيداً لكل العرب.

شاهد أيضاً

سلامة كيلة: الحل السوري في موسكو لا جنيف

  سلامة كيلة: العربي الجديد كما جولات التفاوض غير المباشرة السابقة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين، فإن محادثات جنيف …

اترك تعليقاً