العلاقات السعودية ـ الأمريكية: بيت من زجاج.. يرجم بالحجارة!

05qpt995صبحي حديدي- القدس العربي: قبل أن يتولى الأمانة العامة لمجلس الأمن الوطني، ثمّ يترأس المخابرات العامة، في المملكة العربية السعودية؛ شغل الأمير بندر بن سلطان منصب سفارة بلده لدى الولايات المتحدة، طيلة عقدين، شهدا توطد صداقة خاصة وثيقة مع الرئيسين جورج بوش الأب والابن، واكتساب ذلك اللقب الظريف الذي اختارته له كواليس الصحافة الأمريكية: ‘بندر بوش’. أمّا في الأيام الراهنة من عمر العلاقات بين واشنطن والرياض، فإنّ لقب ‘بندر أوباما’ لم يعد بعيد المنال وغير وارد، فحسب؛ بل صار أقرب إلى سبّة، في ناظر الأمير، وسمة غير مرتجاة، وغير سارّة أغلب الظن، عند الرئيس الأمريكي الثالث والأربعين.
كان الخلاف يتسع، تدريجياً ولكن بانتظام، حول ملفات عربية مثل مواقف البيت الأبيض من نظام بشار الأسد في سورية، ثمّ نظام الفريق عبد الفتاح السيسي في مصر، رغم النقائض الكثيرة التي توجّب أن تُبعد الموقفَين، السعودي والأمريكي، عن حيثيات مفصلية في الملفّين؛ كأنْ تقف الرياض ضدّ جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وتحتضن إسلاميي سورية (المعتدلين منهم مثل الوسطيين، فضلاً عن المجموعات المسلحة والسلفية)، وتنهج واشنطن مسارات أخرى، متباينة أو متعارضة. ثمّ تفاقم الخلاف حول مسائل تسليح المملكة، وخاصة في ميدان الأنظمة الدفاعية والصاروخية المتطورة، حيث لوّح الأمير بالانفتاح على السلاح الروسي، وقام بالفعل بزيارة متعددة الأغراض في آب (أغسطس) الماضي، تردد أنها شملت عرض ‘رشوة’ مالية ضخمة إذا بدّلتروسيا موقفها من نظام الأسد.
وبالطبع، كان لا مفرّ من أن يبلغ الخلاف أشدّه، مؤخراً، على خلفية الاتفاق الذي توصلت إليه طهران مع الغرب وأمريكا في المقام الأوّل، ومع روسيا، حول البرنامج النووي الإيراني؛ والذي لاح، ليس دون أسباب وجيهة في الواقع، أنه سجّل تفضيلاً صريحاً من البيت الأبيض، يضع أمن المملكة في مصافّ تالية لأمن إسرائيل، وبقاء التوازن النووي راجحاً لصالح الأخيرة في المنطقة. كأنّ السلف من رؤساء أمريكا، منذ خريف 1945، حين عُقد الاجتماع الشهير بين فرنكلين روزفلت وعبد العزيز آل سعود، على ظهر حاملة الطائرات الأمريكية USS Quincy في مياه قناة السويس، قد انتهجوا خطاً مغايراً لهذا الذي يهتدي به أوباما اليوم. أو كأنّ المملكة شرعت في برنامج نووي، جسور وطموح، منافس لإسرائيل، أو للجارة الإيرانية، يقلب التوازن النووي الإقليمي؛ فلم تجد من الولايات المتحدة إلا الصدّ والتعطيل، أو المساواة بالمثل مع إيران (على الأقلّ، لأنّ علاقة امريكا مع إسرائيل لا تشبه اية علاقة لها مع أيّ حليف).
وسبحان الذي يغيّر ولا يتغيّر! ففي صبيحة 16 كانون الثاني (يناير) 1991، بعد أيّام معدودات على فشل لقاء جنيف الشهير بين وزيرَي الخارجية آنذاك، العراقي طارق عزيز والأمريكي جيمس بيكر، اتصل الأمير بندر بالملك فهد ليقول له، بعد وصلة تمويه قصيرة تضمّنت السلام والسؤال عن الصحّة: ‘صاحبنا سليمان قادم الساعة الثالثة صباحاً. إنه مريض، وٍلهذا أنا أرسله إليكم’. وكان، بالطبع، يُعْلِم مليكه بالتوقيت الدقيق لاندلاع العمليات الجوية ضدّ بغداد، إذْ في الساعة ذاتها كانت قاذفات الـ B-52 تقلع من قاعدة باركسديل، لويزيانا، في طريقها إلى الخليج. ولقد تردّد حينها أنّ الأمير السعودي كان على علم بتوقيت وتفاصيل الخطة العسكرية، قبل أن يعلم بها عشرات الأمريكيين من أصحاب الحقّ الشرعي في معرفة تلك المعلومات الحساسة؛ كذلك تردد، بعدئذ، أنه أحيط علماً بخطة وتوقيتات غزو العراق، سنة 2003، قبل أن تبلغ أسماع وزير الخارجية الأمريكي كولن باول!
تلك كانت واحدة من ذرى ما يُسمّى ‘العلاقة الخاصة’ بين السعودية والولايات المتحدة، كما سهر على تطويرها بندر بن سلطان بصفة خاصة، وهذا يكمن بعض التفسير (حيث الجانب السيكولوجي الذاتي، فيه، ليس ضئيلاً البتة) وراء إحساس الأمير، نفسه وأكثر من سواه، بخيبة خاصة أقرب إلى الانتكاسة الشخصية. بيد أنّ تلك العلاقة كانت سيرورة ارتهان من جانب المملكة، للسياسات الأمريكية عموماً، على نطاق كوني ظلّ دائماً يتجاوز المشكلات المحلية أو الإقليمية؛ من الإنفاق على الإنتخابات البلدية الإيطالية لكي لا ينجح الشيوعيون، إلى الدور السعودي المركزي في تقديم الأرض والقواعد العسكرية لتحالف ‘حفر الباطن’، ثمّ غزو العراق لاحقاً… وكانت السيرورة تخلق وقائعها وظواهرها الرديفة أو المكمّلة، تلك التي لم تأتِ دائماً برياح تلائم سفائن آل سعود: استيلاد ‘الأفغان العرب’، والتأثيم الذي ترافق مع اكتشاف 15 سعودياً من أصل 19 انتحارياً نفّذوا هجمات 9/11، واهتزاز الشرعية الدينية والسياسية التي تمتعت بها العائلة الملكية، وتفاقم الازمات الاقتصادية، ومشكلات البطالة وانخفاض الدخل الفردي، ارتفاع والمديونية العامة، وعشرات الأزمات الاجتماعية والسياسية الأخرى.
وتلك، أيضاً، هي ذاتها السيرورات التي استولدت ما يُسمّى بـ ‘القوى الليبرالية’ أو ‘التكنوقراط’ أو دعاة الإصلاح في صفوف المثقفين خصوصاً، وتوجّب أن تشكّل قطباً موازياً موضوعياً للقطب العقائدي الوهابي المشيخي، الذي لم يكفّ عن الالتحام بهيكليته القبلية، متشبثاً بموقع الحامل الرسمي للقِيَم القبلية والأعراف والتراث والماضي التليد والفقه والشريعة والسنّة… هذه، باختصار، هي كتلة القِيَم التي ستأخذ صفة موحدة عالية المقام، اسمها ‘أصول الدين’؛ وهي التي سوف تنقلب إلى مؤسسة عقائدية مستقلة جبارة، تتبادل التأثير والتأثر والشدّ والجذب مع بيروقراطية الدولة وشروط العصر وعواصف التحديث التي كانت تهبّ بين الحين والآخر لأسباب موضوعية صرفة. وهكذا فإنّ صيغة التعاقد بين المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية فرضت على النظام اعتماد مزيج من سياسات القوة بما تتضمنه من إضعاف للامتيازات القبلية، وتوطيد للقرابات والولاءات، ودعم للأسس الإدارية والبيروقراطية الضرورية، وإتمام للزواج الناجح بينها وبين شركات النفط العملاقة، واستيراد التكنولوجيا، والمضيّ قدماً في التحالفات الإقليمية والدولية.
الولايات المتحدة لم تكن بعيدة عن هذا الغمار، ليس بسبب أمن الطاقة واشتراطات العلاقة التاريخية مع المملكة، فحسب؛ بل كذلك لأنّ ‘الحملة على الإرهاب’، كما دشّنها بوش الابن ورهط المحافظين الجدد في أمريكا، اقتضت إشراك المملكة، قسراً أحياناً، في غالبية مقتضيات الحملة، المالية واللوجستية والاستخباراتية بصفة خاصة. على صعيد سعودي داخلي، انحصرت الحملة في مستوى أمني وتقني محض، وبقيت بالتالي عاجزة تماماً عن تحقيق الأهداف المرجوة منها في المستويات السياسية والتربوية والدينية؛ كما أنّ نتائجها، على الصعيد الإعلامي الرسمي، كانت كارثية تماماً. يُضاف إلى هذا أن الحملة لم تقترن بأي إصلاحات ملموسة تخصّ الحريات العامة والتعددية الفكرية وحقّ التعبير، فبدا وكأنّ ما يقوم به المتشددون من عمليات هو جهاد الحقّ ضدّ الباطل، وجهاد المسلم ضدّ السلطان الجائر والفاسد.
وممّا سرّع في وتيرة هذا الفهم لمعنى ‘الجهاد’، الداخلي كما يصحّ القول، أنّ شرعية النظام اهتزّت دينياً وسياسياً، وأخذ يزداد ضعفاً مبدأ الطاعة المبنيّة على النص الديني، بل لعلّ المبدأ ذاته تحوّل إلى شرعية مضادّة، جهادية، تدعو إلى الخروج على النظام. وعلى الصعيد السياسي، لم تعد صيغة المملكة كما شيّدها الملك المؤسس قادرة على إقناع الجمهور، وأخذت تتلاشى تدريجياً صورة التلاحم الداخلي التي رسمها في أذهان المواطنين، بل إنّ علاقات النظام وسياساته الداخلية ومواقفه الخارجية منذ 11/9 باتت تتسبّب في العكس تماماً، أي تفضح مقدار الزيف في تركيب عناصر تلك الصورة.
وقبل هذا وذاك، انطوت معظم أوهام ‘دولة الرفاه’، حين أخذت الأوضاع الاقتصادية تسير من سيىء إلى أسوأ، وبرزت مشكلات اقتصادية جدّية بالفعل، أناخت بثقلها على المملكة للمرّة الأولى منذ تأسيسها سنة 1932، فلم تعد مطالبة المواطنين بالإصلاح السياسي ترفاً أو تقليداً للآخرين، بل رغبة فعلية في الدفاع عن مصالحهم المعيشية ومستقبل أبنائهم. ولقد ساد اعتقاد مفاده أنّ القطاع السعودي الخاص هو ‘رافعة’ التغيير الديمقراطي، واستحداث مؤسسات المجتمع المدني، ووضع حدّ لهيمنة السلطة والولاءات العشائرية على السياسة والسيرورة السياسية. المفارقة، في هذا، أنّ المثال الأمريكي كان النموذج المرجعي في تحليل يهمل دور الدولة التي تضخّ رؤوس الأموال إلى القطاع الخاص، ودور العائدات النفطية في تكوين الدائرة ‘الإنتاجية’ الأكبر من حول القطاع الخاص، وطبيعة التقاسم الوظيفي المسالم بين الدولة والسوق.
خلاصة القول إنّ أطوار ‘العلاقة الخاصة’ قد انصرمت، حتى إشعار آخر، وانقضت تلك المناخات التي شهدت الرئيس الأمريكي بوش الابن يرفع شعار الشراكة الأمنية مع المملكة، وتنبري وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس لامتداح حلفاء سعوديين ‘يحاربون الإرهابيين ومموّليهم، ويحاولون دفع جهود السلام الإسرائيلي ـ الفلسطيني، ويتحركون لتوسيع حقوق التصويت وحقوق المرأة. هنالك صورة لا تفارق مخيلتي رأيتها خلال الانتخابات البلدية السعودية، حين اصطحب رجل ابنته إلى مركز الانتخاب وجعلها هي التي تسقط ورقة الاقتراع في الصندوق. هذا يدلنا على ما يُتوقع لحياتها إذا استمرت الإصلاحات الديمقراطية’! ولعلها، بالأحرى، أطوار سيناريوهات الكارثة، على غرار ما استعرضه الأمريكي روبرت باير في كتابه ‘الذهاب إلى الفراش مع الشيطان: كيف باعت واشنطن أرواحنا مقابل الخام السعودي’، والذي صدر قبل عقد من الزمان، واستبصر سلسلة الأخطار الفادحة التي يمكن أن تنجم عن سوء إدارة العلاقات السعودية ـ الأمريكية.
خلاصة ثانية تفيد بأنّ بيت آل سعود صار من زجاج، أكثر من أية حقبة سابقة، وصار رجم الآخرين بالحجارة من داخله كفيل باستقبال حجارة تهشّم جدرانه، إذا لم تأتِ على بنيانه وتهدّ أعمدته؛ وبذلك فإنّ البيت بات أكثر اعتماداً على ضامنه التاريخي، وحارسه الأوّل: الولايات المتحدة، بصرف النظر عن اسم شاغل البيت الأبيض.
الخلاصة الثالثة، الرديفة، هي أنّ هذه الأيام، تحديداً، ليست المثلى التي قد تزيّن للأمير بندر بن سلطان أن ‘يحرد’ من الحارس الأمريكي الضامن؛ في الملفات جمعاء، من نظام الأسد إلى نظام السيسي، ومن البرنامج النووي الإيراني إلى برامج التسليح الماراثونية.
وما همّ أن يُصاب أمير ما، واحد، بجرح نرجسي، طفيف أو حتى غائر؛ ما دامت المملكة باقية على حالها العتيق، صديقة وفيّة، راضية مرضية، ميزانها التجاري السنوي يشير إلى واردات من الولايات المتحدة بقيمة 17 مليار دولار أمريكي!

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً