أخطار على الثورة: الصمت عن الأخطاء والمخطئين

فراس سعد- بناة المستقبل

الصمت طبع تطبّع عليه السوريون بسبب الظرف الذي فرضه عليهم الديكتاتورية  الاسدية، والتطبّع والتطبيع الذي استطاع فرضه بالقوة والارهاب والخوف نظام استباح كل شيء لنصف قرن لم يستطع غلبة الطبع السوري الاصيل تكلماً واشتغالاً بالسياسة ( من قريبو ) فطوال نصف قرن من الديكتاتورية لم يصمت السوريون عن السياسة، صحيح انهم لم يجرؤا على التحدث علناً بما يخص شأنهم السوري المستلب، لكنهم كانوا على الدوام سياسيين بامتياز، كانوا صامتين عن الحديث السياسي السوري لكنهم كانوا ناطقين بكل حديث سياسي يخصّ جيرانهم في لبنان والعراق وفلسطين كما تركيا وصولاً إلى الشان الايراني والاسرائيلي … وفي كل حال كان صمت السوريين أيضاً يبدو كاشتغال في السياسة من باب الاضراب عن السياسة كموقف احتجاجي عميق ؟؟

لم يصمت السوريون عن الكلام المباح علناً ولم يصمتوا عن الكلام المحرّم، ولو سراً، وبعدما نطق السوريون  واعلنوها ثورة على كل شيء، وكانت  ثورة عظيمة حقاً وعلى كل شيء، وبعد عامين على اندلاع الثورة، أخذت أمراض واخطاء تعتور ثورة السوريين، بحكم الواقع الحركي الزمني وبحكم التحديات الهائلة التي دخل بها الثوار على الارض مدنيين ومسلحين مثلما دخلت بها المعارضة السياسية في الداخل والخارج، وهو أمر طبيعي ومتوقّع،  فمن طبيعة المجتمعات ومن طبيعة الثورات الشعبية المعقدة كالثورة السورية  ان تصيبها امراض حال كل  ثورة طويلة الامد، فالاخطاء تتكاثر بفعل الزمن والحركة للتحوّل الى امراض في غفلة عن الثوار والسياسيين … وهنا لابد ممّن ينبّه وينطق بما يغيب عن بال اوأعين الثوار و السياسيين او يصمت عنه، لأن الصمت هنا يصبح بمثابة الكفر بالثورة، والصامت عن الحق كما يقال شيطان اخرس،  ومن اسباب الصمت في مجتمعنا، التكاذب او المجاملة او النفاق او الخوف او كون صاحب الخطأ صاحب نفوذ مالي او سياسي او سياسية او معارضة حسناء فالجمال ايضاً سلطة، او صديق، او قريب ….

في كل الثورات ترتكب اخطاء كبيرة، لكن في الثورات الناجحة فحسب، تجري عملية نقد ذاتي، ويوجد من يعلن الأخطاء ويحذّر منها، الخطأ حتمي في الثورة كما في الحياة، في الحرب كما في السلم، لكن موت الثورات يكمن في السكوت عن الأخطاء، لا يجوز أن يكون الصمت حتمي هنا، فالصمت لعنة في كل الحالات سواء كان الصمت عن قمع وجرائم النظام  أو صمتاً عن تشبيح وارتكابات بعض الثوار او المعارضين، الثائر كما المعارض يخطئ  وكلما كان الموقع اعلى كلما كان الخطأ أخطر، هنا واجب الثوار والمعارضين يقضي منهم عدم الصمت لأن الصمت يمنح المخطئ شجاعة إضافية لاقتراف مزيد من الأخطاء، الصمت عن الاخطاء، يبدو بالطبع كتشجيع للآخرين على ارتكاب اخطاء ربما كانوا يظنونها إنجازات ونضال،

يعتقد البعض ان الإشارة إلى الاخطاء علناً هو اتهام للثورة أو كرهاً للثوار، هذا لأن النقد والاتهام تكرّس ضد النظام وافعاله الاجرامية التي لا سابق لها ربما في تاريخنا،

 يصمت السواد الاكبر من الثوار عن اخطاء في الثورة لأنه بنى تصوّراً مسبقاً  عن الجهة الخاطئة الوحيدة أي النظام بما فيه من الشبيحة الامن، فلم يعد هذا السواد يتقبّل من يوجه نقداً للثورة او يشير إلى خطأ يرتكبه ثائر او معارض او معادي للنظام أو من الجيش الحر أو من جبهة النصرة، ليس لان هؤلاء لا يمكن أن يخطؤوا، أو انهم لا يمكن إلا أن يكونوا منزّهين عن الخطأ، كما تحاول بعض الجهات الاعلامية في الثورة ان توحي لنا، ولكن لأن الظلم غير المسبوق والوحشية التي ارتكبها النظام خلخلت القياسات المنطقية ورفعت عتبة  تحسّس الأخطاء  عند أهل الثورة في الداخل بحيث لم يعودوا يشعرون او يرون هذه الاخطاء، فالالم الشديد يذهب بالالم الادنى، والمصيري يجعلنا في غفلة عمّ ليس كذلك،  غير ان هناك سبباً أكبر واعمق  مزروع في وعينا وثقافتنا الاجتماعية يجعلنا كسوريين وشرقيين عموماً نتغاضى عن أخطاء الثورة، بل يجعلنا ربما نرتكب نحن بانفسنا الاخطاء، السبب هو اننا كاشخاص عاطفيون في الاغلب، والعاطفة مسألة تتعلق بالحب والكره بالانجذاب والنفور وكلها مشاعر محلها النفس، والنفس يصعب على العقل او المنطق السيطرة عليها،     هكذا من احب الثورة او الثوار بقلبه سيغفل عن اخطائهم لأنهم  ثوار ومظلومين وقضيتهم محقّة، فكيف يمكن للمظلومين أن يخطؤوا ؟ كيف لمن كانت قضيته  محقّة أن يخطئ ؟

من يعمل يخطئ، والكمال ليس صفة بشرية:

 لا يمكن ان نواجه الخطأ من دون ثقافة ومن دون وعي في الطبيعة البشرية، فمن  طبيعة الاشياء والبشر أن من يعمل يخطئ، فالخطأ ليس نقيصة، بل جزء لازم عن الحركة والفعل . المكتمل هو من لا يخطئ، ليس لأنه كامل بل لأنه لا يعمل لا يفعل، هو ليس بحاجة لفعل أو شيء، وهذه صفات تتعلّق بالكائنات الميتافيزيقية، وليس بالبشر، لكن الأخلاق البشرية تقول إن المظلوم يمكن أن يظلم والمحق في قضيته يمكن أن يخطئ أيضاً… لكن النقيصة هي ان نصمت عن الخطأ ولا نشير إليه.

 فيما يخصّ الثورة السورية كان لشدة العنف الذي مارسه النظام ولجوئه الى حرب تطهير القرى والمدن الثائرة، في حال دخلها الجيش الحر، ولطول الوقت على الثورة والثوار، أن بدأت بعض الأخطاء تظهر في الجيش الحر، وهو أمر لم يكن ليحدث زمن النضال السلمي، فمن طبيعة الحالة المسلّحة مترافقة مع ضغط مرعب وعنف هائل من جهة النظام أن يطفو أشخاص لا انتماء لهم، ذوي مزاجيات خاصة أو من ذوي السوابق، يستغلون حالة الفلتان الامني لممارسة تشبيح من سرقة وخطف وقتل بحق اهل الثورة نفسها،

ومن مخاطر الصمت عن الاخطاء انها تتراكم وتحول الى امراض كما اسلفنا، والامراض تتحول الى سرطان يفتك بالثورة والمجتمع الثائر بمقاومته المسلحة  وبمعارضته السياسية على السواء، وحيث انه لا يجوز ان نترك الاخطاء كي تتحول بالتراكم الى امراض ولا يجوز ان نترك الامراض كي تتحول بالتراكم الى سرطانات، فلا بد من الإشارة فوراً الى الأخطاء عند ظهورها او ارتكابها، لتبق في مرحلتها البدائية قبل ان تتجاوزها الى مرحلتها الثانية اي المرض، وكذلك الحال بالمرض عند اكتشافه لا بد من علاجه الفوري قبل ان يستفحل الى سرطان، وتكن نتيجة مواجهته بالعلاج تعقيدات واخطار تدخلنا في تحديات ومسالك شديدة الخطورة

لكن الاخطر دوماً هو الصمت عن الخطأ او المرض او السرطان، فلا خوف ولا جزع لأن من صفات الثائر والسياسي المؤمن بالثورة والتغيير، اللازمة في الثورة، الصدق والجرأة، فمن يشير الى الاخطاء قاصداً علاجها لا شك انه مؤمن بالثورة على خلاف من يشهّر بالاخطاء قاصداً التشهير او التخريب او تشويه سمعة الثورة والثوار

فالقول بالخطأ لا بد ان يكون بقصد العلاج وليس بقصد الفضح والتشنيع الذي يعقّد الحل، ومن غير اللائق بالنتيجة اللجوء الى اعلام الثورة بما فيه صفحات الفيس بوك إلا بعد بذل  الجهد وتنبيه  المعنيين مرات الى الاخطاء .

شاهد أيضاً

رندة تقي الدين: الأسد لخدمة بوتين

  رندة تقي الدين – الحياة زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سورية يوم الإثنين، للاحتفال …

اترك تعليقاً