الهواء المُرّ

بناة المستقبل- خالد الخضراء

تأخذ آخر دفقة من الهواء قبل ركوب الطائرة .. وكأنَّك ابتلعت رصاصة .. تغادر أرض الوطن هرباً من الموت … إلى الموت .. تحت سماء غريبة .. هناك تقف على أرض غريبة .. تحكي بلغة غريبة , وأمام أناس غرباء تعرِّي روحك ولحم قلبك … كي يمنحوك ” شرف اللجوء ” .. لجوئك المُرّ ..

بعد ابتعادك – جسدا – عن الموت في أرض الوطن , وفي لحظة النجاة الأولى – جسدا- فوق أرض لا تعرفها , تلفحك رياح تصفر في أذنيك بأنِّه لم يكن خيارا صائبا (هروبك من الموت في وطنك) .. فأنت حين تنطق بلغة كانت حتى الأمس, بعيدة عن لغتك آلاف الكيلومترات – أسماء وأفعالا ومعاني- , وتحكي أمام الغرباء عن فعل “موتك المحتمل ذاك” , لن يكون موتك بالنسبة لهم إلا عملا فيزيائيا للجسد , يجري مثله على وجه هذه الأرض آلاف المرَّات كلّ ساعة .. تكلِّلك – شفاهة – مفردات وعبارات ترحِّب بسلامتك حين وصولك إلى أرض مطار غريب , لكنَّها لن تعني بالضرورة أنك نجوت , ممَّا هربت منه ..
الصدمة الأولى – لحظة هبوط الطائرة فوق أرض طلبت الرحيل إليها..مشيت على قدميك نحو سفارتها ( في طريق إجباري للخلاص من زحمة الموت ) , لتضع ختمها فوق جواز سفرك , وتدمغ وجعك بطعم الموت في بلاد بعيدة لاحرب فيها – تلطمك حين يسألك الشرطي عن مكان إقامتك بلغة لا تعلم أبجدياتها .. وحين تطلب إليه السماح لك بمخاطبته بلغة أخرى .. تعلو وجهه علامات صدمة تداري وراءها رائحة استعلاء – كأنما ينتفض خوفا على لغته من الاندثار – ويتعلَّق على لسانه سؤال غير منطوق : إذا كنت لاتعرف لغتنا فلماذا اخترت أن تأتي إلى بلادنا !!!

وبشكل غير منطوق تستنكر أنت أيضا زجَّه “فعل الاختيار” الغائب عن قاموس الهاربين من الجحيم , لكن السؤال لن يطير من رأسك , سيبقى عالقا , كحلق في أذنيك يكرِّر نفسه بعدد الأيام التي تقضيها خارج أرض الوطن..!

لماذا أتيت إلى بلادهم ؟ لن تجد وراءك جوابا مقنعا يوقف في رأسك ضجيج طاحونة السؤال .. وإن وجدت .. فلن تجد أمامك خيارا بعد أن أحرقت آخر سفنك لحظة صعودك إلى الطائرة .. سوف تصرخ .. لكن, على صرختك ألا تتجاوز حدود أضلاع صدرك .. فالصراخ ممنوع في الدول المتقدمة .. عليك أن تتحدث بصوت خفيض … وأيد مسبلة إلى الأسفل… ومهما بلغت درجة غضبك أو امتعاضك , عليك أن تكون هادئا أمام ” الآخر”… ذاك الذي يبدو في غاية الرقَّة واللطف حتى مع الكلاب..

في لحظة انعدام التوازن , لن يغفر لصراخك , أنك نجوت من موت محتَّم .. ولن تغسله في عيونهم دموع أمك التي لامستك حتى اللحظة الأخيرة , وبقايا رائحة حُضْنِها المتشبِّثة بمعطفك .. ولا إن خطر لك أن تحدِّثهم عن كرسي – اعتدت الجلوس عليه كل يوم أمام التلفاز – ما زال ينتظرك… ولا عن منزل صغير في الطابق الأخير تركته بعدما عملت سنوات عمر مضى لتدفع أقساطا لم تنته من ثمنه .. لن يغفر لك شيئ لحظة اختناقك وصراخك .. سيأتي غريب مثلهم لاستلامك .. وكأنك طرد ضائع وجد له صاحبا ..

الهواء البارد خارج أرض المطار سوف ينخر عظمك .. يحدِّثك مستلِمُك عن روعة الحياة في أوروبا … عن حظِّك الرائع بمجيئك إلى بلد رائع كالذي تقف الآن على أرضه وتدوس في شوارعه النظيفة … ( كم تحنُّ لتراب شوارعك في أرض الوطن ) , وحين تحدِّثه عن الحنين العاجل الذي يوجعك إلى كل ما يخصّك هناك بعيدا عن هذه الأرض, يطلق آهة لا تستطيع – على جهد – أن تشعر بحرارتها ! ليروي لك بدوره أنه كان مثلك تماما !! لكن الأيام, تداوي الجراح.
تقف لوهلة – وقد أحرقت كلماته أضلاعك المتجلِّدة – تنظر في وجهه خائفا من أن يكون صورتك بعد أعوام , ترفض باصرار صامت أن تكون هو .. هي جراح لا تريدها أن تندمل … تريدها جرحا نازفا …. إلى أن تعود …

هو غياب مؤقت.. وجرحٌ دواؤه هواء الوطن …ذلك الذي سوف تسأل عنه كثيرين هنا .. فيجيب بعضهم على قياس سؤالك .. لكنَّك لا ترى الوطن في عيونهم , كأنَّما صار مبنيَّا للمجهول .. قد يحدِّثونك عن بيت لهم بنوه في الوطن صار ركاما بفعل القصف .. لكنهم ما زالوا مستمرين ببناء بيوت خارج أرضهم , حيث لا قذائف “تُخطئ مبتغاها “.. حيث لا وطن لهذه البيوت إلا وجودهم أجسادا فيها … وتسأل غيرهم فيفاجئه السؤال كما تفاجئك الإجابة .. لا معنى للوطن لديه.. لقد أضاع ذاك الوطن في زحمة أوروبا .. لا تعنيه أرضه أو أشجاره … يعنيه الانسان فقط تحت شعار يمطُّه فوق الجميع , فيضيع دم أهل البلاد في ساحة الدم العالمي النازف منذ الأزل بلا أي وجع إضافي ..

بعد أيام من اللاإجابات الكثيرة التي ستحصل عليها .. سوف يعنيك الوطن أكثر .. لن تفقد إحساسك بانعدام الهواء في صدرك .. سيزيد اختناقُك ولعَك بالعودة إلى هناك – حيث يتمنَّى غيرك تبادل الأدوار معك ..

وعلى رقعة الشطرنج التي حرَّكت رجليك بحركات إجبارية , تجد نفسك عالقا في المربع الأول , أمام خطوة إجبارية أخرى تبحث فيها عن لقمة إجبارية , لأنَّك اخترت الموت خارج أرض الوطن .. لأنك ذهبت بقدميك لتضع ختما من سفارتهم على جواز السفر .. لأنك ركبت الطائرة .. وتنفَّست هواء مرَّا ” باختيارك” .. لن يكون خيارك البقاء .. ولن تعرف طريق العودة , ستبقى معلَّقا على خشبة سؤال إنساني كبير , تكون أو لا تكون .. تعود أو لا تعود..

شاهد أيضاً

لماذا تصمت تركيا عن التحركات الروسية الأخيرة في سوريا

  تحت عنوان “تركيا ما تزال صامتة حتى الآن عن التحركات الروسية في سوريا”، نشر موقع …

اترك تعليقاً