أيها السوري… كيف ترى سوريا غداً؟

d

بناة المستقبل- ثائر الزعزوع

بعد أن كان يجمعنا مقهى دمشقي صاخب، وفي بعض الأحيان أحد المطاعم الهادئة في باب توما أو غيرها من المناطق، صارت لقاءاتنا يختصرها الفيس بوك وسواه، كنا نلتقي نتحادث عن أحوالنا ومشاريعنا الصغيرة، وربما الكبيرة، الآن صار لزاماً علينا أن نتتبع أخبارنا بعضنا البعض عبر كومنتات وبوستات، ليس السؤال منفصلاً عن هذه المقدمة الوجدانية نوعاً ما، فكل واحد منا لاذ بالفرار إلى بلد يؤويه، ويراقب من بعيده ذاك ما يحدث في سوريا من مشاريع تشترك فيها دول، ومنظمات، وتحالفات، ولأن فكرة “غداً” وما سيحدث فيه هي الشغل الشاغل للسوريين، فإن هذه الـ”غداً” بكل تعقيداته التي قد يختصرها بيت شعر هنا، أو تحليل متعجل هنا، بل وربما تعليق باهت أو ناري ينال إعجابات وربما مشاركات على الفيس بوك، فإن السؤال عن مستقبل سوريا المؤرق هو أشبه بطوق حصار يلف أعناق السوريين، ويحول صباحاتهم ومساءاتهم إلى طوفان أسئلة، ماذا سيحدث؟

هذا التساؤل الذي لم أستطع طرحه على صديق مقرب وجهاً لوجه، كتبته وأرسلته إلى مجموعة من مثقفي سوريا، بعضهم أرسل الجواب لأنه يفكر به باستمرار ربما، والبعض الآخر احتار فيما يمكن أن يقدمه من إجابات، هل يمتلك أي مثقف تصوراً لـ”غداً” أو حتى لشكل الوصول إليه مادامت اللعبة تجاوزت حدود المعقول، ودخلت في إطار تكهنات كما قال لي الأكاديمي السوري والمترجم الدكتور موسى حالول المحاضر في الجامعات السعودية، وهو نفسه رأي الشاعر والإعلامي كمال جمال بك الذي أرسل لي رده مكتوباً من حيث أوصلته سفينة المنفى في السويد فكتب كمال جمال بك:

(قد يبدو النظر إلى مستقبل سوريا من موقع راهن ضربا في المندل ولكن قراءة سياق الثورة التي انطلقت بعد منتصف آذار 2011 لاتترك مجالا للشك أن الشعب الذي انتفض ضد نظام الطغيان والاستبداد بعد أكثر من أربعة عقود من محاولات تدجينه في ” مزرعة الأسد الأبدية ” لابد أن يحقق حلمه في بناء دولة على أنقاض اللانظام الذي استولى على البلد وبسط سيطرته بقوتي الأمن والبروباغندا الإعلامية .. وبالتالي فإن من يؤمن بإرادة الشعوب لابد أن يؤمن بزوال الطغيان مهما طغى وتجبر .. ولاشك أن برزخاً ما سيشكل مرحلة انتقالية بين زوال هذا اللانظام وإقامة الدولة السورية على كامل تراب الوطن بأسس ديمقراطية مدنية يكون فيها لصناديق الاقتراع القول الفصل بحيث تصبح سوريا بلداً لكل السوريين حقاً وليس شعاراً مفرغاً من مضامينه وقد يستلزم هذا البرزخ تقديم تضحيات جسام لن تعدو أن تكون فاتورة معمدة بالدم من أجل نيل الحرية والكرامة).

ليس من سبيل لتصور مستقبل أو حل يقود للمستقبل دون تقديم تضحيات جسام، لكن هل كان السوريون يتصورون حقاً أن ثورتهم التي ابتدأت بهتاف زلزل أركان النظام ذات آذار غائم، هل كانوا يتصورون أنها ستصل إلى ما وصلت إليه، وقد أنفقت جنيفها الأول، دون أن تسفر عن حل سوى مزيد من الدمار، وهي اليوم على أبواب جنيفها الثاني حائرة محتارة، لما الخضراء الإذاعية المتميزة التي أعلنت انشقاقها عن إعلام النظام الذي لا يختلف في شيء عن آلة قتل كتبت بشيء من الألم:

(بعد ان كانت الثورة السورية شديدة الوضوح، ناصعة الاهداف، تعد -ونحن معها- اللحظات الاخيرة بانتظار اسقاط النظام وبناء الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، تمكن النظام من تحقيق هدفين كفيلين بقلب الطاولة، أولهما ادخال سورية في دوامة المعادلة الدولية التي تحرص مختلف اطرافها على مد عمر الازمة، وثانيهما خلط الاوراق الداخلية عبر مختلف الوسائل بدءا بالقتل والتدمير مرورا بالتجويع وليس انتهاء باطلاق المدى واسعا امام ” العناصر الجهادية” لتغيير اهداف الثورة والتلويح بأنه البديل الممكن للداخل والخارج في الخيار بين أحلى المرين ..

ووفقا للتوازنات المطروحة على” شرف جنيف 2 ” لا يلوح ضوء في اخر نفق الازمة السورية، مع تحول الساحة السورية الى مسرح حرب دولية بالوكالة او الاصالة , وفي ظل غياب الارادة الدولية للتاثير على الميزان العسكري المطلوب تأرجحه بلا نهاية بين كفتي النظام والمعارضة، واخذا بالاعتبار ايضا العمل الدولي الممنهج لاعدام اي بادرة لانشاء جسم معارض موحد قادر على تحقيق ثقل في الميزان لفرض ايجاد مخرج سياسي عادل للازمة. ووسط كل هذا يبدو الاكثر ايلاما وقوفنا بيأس عاجز في انتظار غودو سوري يداهم خفتنا ونحن نتابع الموت اليومي، مقابل الثقل الذي يطحن حياة اهلنا في سوريا وهم يخوضون حروبا على مختلف الجبهات وفوقها معركة البحث عن غودو بدل انتظاره !).

لا يخلو رأي لما الخضراء كما رأي كمال جمال بك قبلها من مسحة التشاؤم الملعونة التي تميز حواراتنا ونقاشاتنا، فيما التفاؤل يحكم المشهد الداخلي، ثمة طفل صغير ما زال قادراً على الهتاف، والحلم.

الصديق الكاتب والمحلل السياسي غازي دحمان والذي قاده منفاه إلى الأردن، فلم يركب بحراً ولم يتغير هواؤه بل ظل قريباً ما أمكنه من درعاه مهد الثورة، كتب لي متخيلاً مستقبلاً سوداوياً نوعاً ما “سوريا شرقية وغربية” متنبئاً بشيء من التحليل العميق تقسيم سوريا إلى دولتين اثنتين، ويشرح غازي دحمان(المقصود هنا، تسليط الضوء على واقع يرتسم في الفضاء السوري، وتجري عمليات هندسته وترتيبه بعناية فائقة، وعبر مخطط جهنمي، ففي حين تتحدث السيناريوهات الكلاسيكية عن ملامح تشكل ثلاث كيانات سورية: كردية وعلوية وسنية، يسعى النظام إلى عكس هذه المعادلة عبر صياغة جديدة للجغرافية السورية، تنسف إمكانية إقرار هذه الكيانات، لكنها في نفس الوقت تمنحه إعادة تموضعه كجهة حاكمة ومسيطرة على الحيز السوري، جغرافياً وديمغرافياً).

ليخلص في آخر مقترحه إلى الآتي:

(للأسف هذا المخطط يأتي بناؤه في ظل انهيار النظام الإقليمي العربي وانهيار احتمالات قيام شرق أوسط بهويةٍ إسلامية متفاوتة، ورغم الجهود الفردية المتناثرة التي تبذلها بعض الأطراف العربية إلا أنها لا تشكل شبكة حماية لسوريا من المخططات السود التي تحاك لها.

أما على الصعيد الدولي، وبعيداً عن تفنيد مواقف أطرافه، إلا أن الواضح بأن الإرادة الدولية، بالعموم، وحسب التفسير الخاص لكل طرف، تبحث عن حل سياسي ينهي الصراع ويعيد الهدوء إلى سورية. لكن الإشكالية أن مفهوم الحل السياسي لدى هذه الإدارة فضفاض ومرنٌ، بمعنى أنه مستعد للقبول بما تفرزه المعطيات وتكرسه الوقائع. وهنا مكمن المخاطر التي يستشعرها السوريون).

لا مستقبل واضحاً، بعيداً عن السوداوية، هكذا تتلخص الأفكار والطروحات، بل والحوارات الجانبية بين أي اثنين يتهاتفان، أو يتحادثان عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وجهاً لوجه لن يبدو المشهد مختلفاً، قد يكون السؤال: أي سوريا تلك التي سنعود إليها؟.

وربما، ماذا بقي من سوريا كي نعود إليها؟

بقي الكثير، هذه ليست إجابة متفائلة، وليست ضرباً من أحلام شاعر، أو رومانسية لا ترتكز على معطيات، المعطيات كثيرة، هناك شعب استطاع الصمود سنتين ونصف السنة، هذه مدة طويلة في عمر السوريين لا شك، لكنها في عمر سوريا الممتد آلاف السنين قصيرة، فسوريا قادرة على النهوض، هكذا يقول واضعو علم التاريخ، فهل علينا أن نصدقهم، ونكتفي بهز رؤوسنا والتفاؤل، في هذه الحيرة وهذه التساؤلات، تصلني رسالة عبر الفيس بوك أيضاً من الصديق إبراهيم الجبين الذي قاده المنفى الإجباري إلى ألمانيا، الرسالة لا تحمل كلمات كثيرة، لكن فيها أغنية لطالما جعلتنا نرقص فرحاً، أغنية سوريا بدها حرية لقاشوش حماه الشهير، الذي انتزع القاتل حنجرته، لكن أغنيته ما زالت حية، في الرسالة يكتب إبراهيم “تفاءل”…

هكذا تنتهي الحكاية: يتفاءل السوري، لأنه محكوم بالأمل، هكذا كتب سعد الله ونوس مرة.

شاهد أيضاً

رندة تقي الدين: الأسد لخدمة بوتين

  رندة تقي الدين – الحياة زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين سورية يوم الإثنين، للاحتفال …

اترك تعليقاً