حذام زهور عدي: نهاية الحلم العربي                                   

حذام زهور عدي -مجلة رؤية سورية ع 45/ تموز 2017م 

عانى عرب بلاد الشام –بخاصة- معاناة مؤلمة من سياسة التتريك بعد سقوط آخر رمز إسلامي يجمعهم مع الأتراك، الخلافة الإسلامية، إذ تحول الضباط الأتراك مع قادة الاتحاد والترقي وحزب تركيا الفتاة إلى سياسة تتبنى إلى حد كبير الأفكار العنصرية متأثرين بالنزعة القومية الألمانية لأن معظمهم تعلم علومه العسكرية وتدرب هناك، وبدؤوا يعاملون عرب بلاد الشام كما يتعامل أي مستعمر صاعد من الأوربيين مع مستعمراته، مما أشعل النزعة القومية العربية التي كانت لاتزال تحت رماد الخلافة الإسلامية، وكان هذا من أهم الأسباب التي دفعت الشريف حسين لإعلان ثورته عليهم ومطالبته بدولة مستقلة لجميع الناطقين بالعربية في المشرق،  كان حماس عرب بلاد الشام لتأييدها والمساهمة بها ملحوظاً، ولا يهمنا هنا الحديث عما اقترفه المستعمرون الصاعدون ( الانكليز والفرنسيون) من ألاعيب لاستثمارها ضد تركيا في نطاق تصفية إرث الرجل المريض والمسألة الشرقية، فقد كُتب عن ذلك الكثير إنما يهمنا الإجابة على سؤال، أين وصل الحلم القومي بالدولة الواحدة بعد أن تهيأ للعرب أنه ممكن التحقق من المحيط إلى الخليج بعد الحرب العالمية الأولى ثم بعد الثانية، في أواخر أربعينات وخمسينات القرن الماضي وستيناته، وبعد وضوح فشل الدولة القطرية التي فرضها المستعمر على شعوب هذه الأمة؟.

أما في الوقائع الجيوسياسية، فإن تأملاً بخارطة المشرق العربي ومغربه منذ صعود ظاهرة الاستعمار الأوربي حتى تصفية الإرث العثماني في بلاد الشام تجعلنا نتلمس القصد من التقسيمات الاستعمارية في شمال افريقيا ثم من بعد في العراق وبلاد الشام، إذ سيطرت فرنسا على المغرب والجزائر وتونس وأخذت بريطانيا مصر ثم بعد سقوط الخلافة وهزيمة تركيا سيطرت على جنوب بلاد الشام(فلسطين والأردن) وتركت شماله (سورية ولبنان لفرنسا) بعد أن أحاطت بها من العراق لتكون محتضنة بهلال بريطاني من الجنوب والشرق….وتُركت ليبيا لاستعمار ضعيف مقارنة بالدولتين السابقتين،

 لم يكن التقاسم الذي جرى اعتباطياً، بل كان منطلقاً من استراتيجية إيجادالحواجز لمنع العودة إلى التواصل الطبيعي للشعب العربي في أقطاره كلها، وهكذا فُصلت الحدود بين دولة المغرب، والجزائر، وأعطيت الجزائر أراضياً من المغرب وتوسعت على حساب جناحيها وجنوبها الصحراوي، بينما كان الفاصل الإيطالي يطمئن إلى البعد عن تونس ومصر، غير مكتفٍ بالفاصل الصحراوي الشاسع  بينهما، أما المشرق فقد تكفل وعد بلفور بإيجاد ذلك الفاصل الصهيوني المريع بين الجنوب والشمال،وهكذا نجح المستعمرون بخلق الوقائع المعيقة للحلم القومي العربي،فقد كان سياسييوهم يعلمون تماماً أن اختلاف أساليب الاستعمار وأنظمة الحكم يعني في الوقائع خلق تجارب نضالية خاصة في كل قسم من تلك الأقسام،وإنتاج اختلافٍ في التطور الاجتماعي والاقتصادي باختلاف السياسة التنموية لكلٍ منهم، وتشجيع الانقسامات الاثنية التي لم تكن يوما في حسبان تلك الشعوب، والدفع نحو الوطنية القطرية بتسليط الأضواء تارة على تاريخ تلك المناطق قبل الإسلام، وطوراً بالمبالغة بأهمية الانفصال الحضاري لأقطاره، وقد نجحت الثقافة الاستعمارية إلى حد بعيد في تكريس فكرة مصر الفرعونية مثلاً، وتمييز القبائل البربرية في الدول المغاربية من خلال المرسوم الفرنسي الشهير، والذي أفشلته    

في ذلك الوقت الثورة الجزائرية التحرريةـ كما أفشلت الناصرية الارتداد الفرعوني لكنه بقي ناجحاً إلى حدٍ ما في المحاصصة الطائفية اللبنانية وكان الكيان الصهيوني بيضة القبان الاستعماري في الفصل بين أقاليم الجنوب والشمال العربيين…

لكن بالرغم من تلك الاستراتيجيةوالجهد الاستعماري لتفتيت العالم العربي، بقي الحلم القومي في القلوب والعقول، كما تنامىت القناعة بفشل الدولة القطرية فهي لم تستطع تنمية مجتمعاتها بله حمايتهم من الأطماع الخارجية، حتى عندما نال الكثيرمنها استقلاله قي مرحلة غروب شمس الاستعمار القديم، وانتعاش الحلم القومي مرة أخرى عادت وفقدت قرارها السيادي وارتدت نحو الوطنية المحلية، إذ ارتاح حكام الأقليم على كراسيهم واستطابوا التسلط على شعوبهم ولم يعد من مصلحتهم أي نوع من أنواع الاتحاد وبخاصة أنهم يعلمون حق العلم أن وضعهم ذاك يُرضي أسيادهم الذين تعاونوا معهم للجلوس على تلك الكراسي..

كان احتلال فلسطين الضربة الموجعة الأكبر للحلم القومي، لكنَ الثورة المصرية بعد سنوات أربع ساهمت بعودة الروح إليه، وظهر تنامي الخط البياني للحلم القومي من خلال تجاوب الجماهيرالعربية الكبير مع صمود مصرفي وجه العدوان الثلاثي، ووصل ذروته في الوحدة السورية- المصرية، وعادت القناعة لدى الخاصة والعامة إلى إمكانية تحقيق ذلك الحلم الذي طالما انتظرته تلك الشعوب…

والحقيقة الموضوعية أن ذلك الحلم لم يأت من الفراغ أو من عواطف جياشة غير واقعية، إنما جاء من كثرة القواسم المشتركة التي تجمع شعب تلك المنطقة من العالم، وفي عُمقها المصلحة المشتركة، فالتنمية الحقيقية لشعوب الأمة العربية، وقرارها السيادي المعبَر عن استقلالهالايمكن أن يتحقق بدون اقتصاد قوي يعتمد على الصناعة الوطنية المتطورة والناتج الوطني الوافر والسوق المستهلكة المضمونة أساساً، وهذا لايمكن أن يتحقق بدون أرض واسعة تحوي المواد الأولية لتلك الصناعة والخبرات واليد العاملة ثم الاستهلاك المضمون وفائض التصدير،وفتح الحدود المعيقة للتواصل بين أقاليمه المنوعة، والشرط الموضوعي  لذلك تحقيق مستويات من الحلم القومي ولو كان شبيهاً بالاتحاد الأوربي الذي لايملك قوة القواسم التي يملكها الحلم العربي..مثل ذلك الاقتصاد يستطيع تحقيق تنمية حقيقية، تسمح بصناعة مدنية وعسكرية وتكوين جيوش جرارة تحمي مواطنيها وتحرر أراضيها المحتلة كما تستطيع اتخاذ قرارها المستقل في شؤونها جميعها بما يضمن مصالحها، ومن هنا جاء فشل الدولة القطريةفي تحقيق تلك الأهداف كذلك من هنا جاءت الخطط الاستعمارية القديمة المحدثة لتفتيت الوطن العربي وليظل حتى بعد الاستقلال الاسمي تابعاً لمصالحهم على حساب شعوبه.

بدأ الخط البياني للحلم العربي بالهبوط إثر انفصال الوحدة السورية-المصرية، واستمر بتسارع مريع في تكريس الانفصال، ثم في هزيمة حزيران التي أصابت المجتمعات العربية بإحباط كاد يُلغي المشاعر القومية ويترك أصحابها في دهشة من نتائجها، لولا الانتصارالمتميز الذي حققه الجيش المصري والتعاون السوري-العراقي في معارك حرب الثالث والسبعين من القرن الماضي والتي بينت بوضوح أهمية التنسيق القومي في تحقيق نوع ما من حماية الأرض العربية،

لكنَ المعادل السياسي لهذا الانتصار لم يكن بأهميته، فخسرالحلم القومي في اتفاقية كامب ديفيد ما ربحته الحرب وخرجت مصر،عتلة الحلم القومي، منه، وتشرذم الرأي العام العربي بين الأطراف المختلفةوهبط الخط البياني له هبوطاً ملحوظاً، زادته الحرب الأهلية اللبنانية، وتصفية المقاومة الفلسطينية في الأردن ثم في لبنان، واحتلال اسرائيل لبيروت، دون أن يُحرك ذلك الاحتلال في أيةعاصمة عربية  مظاهرة جماهيرية عربية غاضبة منه….أعقبتها الحرب الإيرانية- العراقية التي وقفت بعض الدول العربية منها ” سورية مثلاً التي تمثل قلب العروبة النابض” موقفاً مسانداً لإيران متخلية عن الشقيق العربي الذي أنجد حكامها من احتلال عاصمتهم، ثم جاء فخ الاحتلال العراقي للكويت وعجز الجامعة العربية عن حل مشكلته،بل رفض وعرقلة أية تسوية عربية بين الدولتين العربيتين لصناعة ظرف يُتيح للولايات المتحدة قيادة تحالف دولي لنهب ثروات العراق والخليج وهدم القلعة العربية الأكثر تطوراً علمياً وحضارياً وعسكرياً (العراق) ومع الأسف لم تتذكر دول عربية وقتها قصة ( أكلت يوم أكل الثور الأبيض، ولا حكاية الرماح المجتمعة التي تأبى تكسراً، بينما أضعف قوة تستطيع تكسيرها منفردة) فحظي ذلك التحالف باصطفاف أهم الدول العربية ومنهم سورية معه، وساهموا في تدمير العراق وحصاره وتجويع شعبه، ثم احتلاله أوائل القرن الحالي تحت سمع العرب كلهم وبصرهم ليكون المدماك الأخير في تلاشي الحلم القومي وبدء عصر جديد من النزاعات الإقليمية التي تُنتج تفتتاً جديداً حتى أصبحت الوطنية القطرية أقصى ما يطلبه شعب كل قطر للحفاظ على استقلاله الشكلاني، والتمسك بالحدود التي رسمتها المخططات الاستعمارية الأولى من أهم نضالاته،ولو كان ثمن ذلك تدمير ذاته وشقيقه العربي….ولو أن ذلك الانهيار طال الأنظمة والحكام فقط لهان الأمر قليلاً إذ يبقى بصيص أمل في الشعوب التي يُراهَن عليها عادة، لكنَ مأساة ذلك الانهيار يطال الشعوب كما الحكام، وهل هناك دليل على تلاشي الحلم القومي وتشييع جنازته أكثر من موقف تلك المجتمعات من الثورة السورية ومن تشرد الشعب السوري الذي كان مصراً على حمل المشعل القومي، حتى اللحظة الأخيرة قبل تكسير يده الحاملة له وتركها نهباً لاحتلالات لايعرف كنهها ومداها غير علام الغيوب؟!!ا

فهل كان الحلم العربي وهماً عاشه السوريون دهراً وودعوه اليوم مكتفين بكوارثهم التي يحاولون الخلاص منها بالتمسك بحدود سايس بيكو التي رفضوها بإصرار سابقاً؟ والتي أصبحت اليوم الحلم الوطني لكل سوري؟! ذلك الحلم الذي يخشون من نهاية له مشابهة لنهاية الحلم القومي؟ هل يخضع ذلك لتفاؤل أو تشاؤم في ظل الظروف الحالية أم أن عنوان المرحلة ونزاعاتها يوحي بتشاؤم لاينتهي حتى بتبخر ذلك الحلم أيضاً؟!…

 

شاهد أيضاً

البيان الختامي لمؤتمر “الرياض2”: رحيل الأسد مع بداية المرحلة الانتقالية

  اتفق المجتمعون في مؤتمر “الرياض2″، اليوم الأربعاء، على “تشكيل وفد واحد للتفاوض غير المشروط …