بعد انهيار النظم الاشتراكية والاصطدام مع البعث : سلامة كيلة

اليسار السوري…في واقعه الراهن (1 من 2)

 

Salameh_Keileh

من كتاب يصدر قريباً ـ تنشر باتفاق خاص مع الكاتب

معنى اليسار غامض لأنه متغيّر. فمن هو اليساري اليوم؟ و ما هي الأسس التي تحدّد اليسار؟ في الماضي كان الطيف اليساري عريض، أما الآن فقد تقلّص حتى يكاد يتلاشى. إنه مفكك و مفتت، بلا رؤية، أو برؤى أميل إلى اليمين. و الشك يسكن كل الأفكار التي طُرحت كمعبّر عن اليسار، من اليسار القومي إلى اليسار الماركسي. و إذا كانت السياسات التي إتّبعتها الأحزاب التي وصلت إلى السلطة ( البعث) هي التي شككت في أفكارها، خصوصاً أنها أنشأت سلطات إستبدادية، في الوقت الذي فشلت فيه في تحقيق الأهداف العامة التي رفعتها كشعارات، فإن اليسار الماركسي ( الشيوعي) بدا ملحقاً بهذه السلطات و مدافع عنها، و كان في العديد من المواقع يتماهى معها، الأمر الذي حمَّله وزرها.

       لكن إنهيار النظم الإشتراكية هو الذي أوجد واقعاً جديداً، لأنه أوصل اليسار إلى نهاياته، و لوّنه بلن كاريكاتوري. لقد ظل اليسار أملاً و حلماً حتى بعد ظهور مشكلات أحزاب الحركة القومية، و بعد توضَّح التحاق الحركة الشيوعية بها، الأمر الذي فرض نشوء اليسار الجديد الذي أمل بتحقيق الحلم الإشتراكي. و بالتالي فإذا كان إتجاه من اليسار هو الذي أصبح في أزمة، فإن الإنهيار جعل اليسار عموماً في مأزق، و وضع تعبير اليسار في دائرة الوهم.

     والآن، هناك لون باهت لليسار في السلطة، و آخر باهت كذلك في المعارضة و هو الذي واجه الإستبداد، و ناضل ضد الدكتاتورية، و كان مؤملاً أن يحافظ على يساريته. هذا الوضع نتج عن التحوّلات التي حدثت منذ خمسينات القرن العشرين، حينما أنتج الصراع الواقعي وصول حزب البعث عن طريق الجيش إلى السلطة. هذا الحزب الذي إتخذ صبغة يسارية و هو يسعى إلى تجاوز البنى التقليدية الإقطاعية التي كانت سائدة أواسط القرن العشرين، و المدعّمة من قبل الإستعمار. و كان ينزع نحو الحداثة كتعبير عن فئات وسطى فقيرة و خصوصاً في الريف. لكن وصوله إلى السلطة فرض تحوّله إلى ” اليمين”، خلال عملية تحويل مجتمعي قاد هو تحقيقها، بدأت بتصفية الإقطاع عبر تطبيق الإصلاح الزراعي و توزيع الأرض على الفلاحين، ثم وضع إستراتيجية التنمية التي هدفت إلى بناء الصناعة، إضافة إلى تطوير البنية التحتية. وبالتالي أعيد تشكيل الريف طبقياً لمصلحة الفئات الوسطى بعد إزالة الإقطاع عبر تمليك الفلاحين مساحات من الأرض، كما توسعت الطبقة العاملة في ظل حقوق أساسية حصلت عليها ( العمل ثماني ساعات، الضمان الإجتماعي و التقاعد، و الأجر المتناسب مع الأسعار)، و تعميم التعليم المجاني. حيث رافقت هذه العملية ( وكان في قعرها) الميل للتبرجز ( التحوّل إلى الرأسمالية) الذي حكم تلك الفئات التي وصلت إلى السلطة، و الذي تحقق عبر النهب ( و ليس الفساد فقط) الذي طال الفائض المتحقِّق في الإنتاج، و عبر السمسرة ( الفساد).و لقد ترافق كل ذلك مع تكريس الدكتاتورية و تدمير السياسة في المجتمع، و إختراع طقوس تلهي البشر و تضللهم.

       و بالتالي فإذا كان قد أوجد وضعاً جديداً، فقد تلاشى لمصلحة فئات راكمت الرأسمال و أخذت تبحث عن أفق لتطوير وضعها بالعلاقة مع الرأسمالية المهيمنة عالمياً.

     وإذا كان الحزب الشيوعي هو أقدم أحزاب اليسار، حيث تأسس سنة 1924، فقد كان ميله اليساري مثلوماً منذ نهاية ثلاثينات القرن العشرين، حينما مال إلى دعم البرجوازية و إلى التأكيد على ضرورة إنتصارها لتحقيق ” الثورة الديمقراطية”، و كذلك عدم المسّ بترابطها مع الإقطاع ذاك الترابط العضوي لأن البرجوازية عندنا هي بنت الإقطاع. الأمر الذي دفع الحزب إلى تقديم برنامج مطلبي في المدينة و الريف، دون أن يدعو إلى إنهاء الإقطاع حيث كان التكوين الإقطاعي هو المهيمن، و دون أن يؤكد على إعطاء الطبقة العاملة دوراً تغييرياً كان الوضع العالمي يؤشّر إلى ضرورته، خصوصاً و أن قسم كبير من الأحزاب الشيوعية في العالم كان يقود ثورات التحرر الوطني و تحقيق المهمات الديمقراطية، بالتحالف مع طبقات أخرى من الفلاحين و البرجوازية الصغيرة، لكن بقيادة هذه الأحزاب. بينما كان منطلق الحزب الشيوعي السوري هو ضرورة التطوّر الرأسمالي، و ضرورة النظام الديمقراطي. و لعل برنامج الحزب المقرّ في مؤتمره الثاني المنعقد سنة 1943/1944، و شروحات خالد بكداش عليه تبرز هذا الفهم. و لهذا كان نقدياً تجاه أحزاب ” البرجوازية الصغيرة” المتسرّعة التي تطرح أهداف مستعجلة و توسع جبهة الصراع عبر فتح الصراع مع البرجوازية. و لقد دافع عن البرجوازية حينما تحققت الوحدة مع مصر سنة 1958 و بدأت بتحقيق الإصلاح الزراعي و التأميم. لكن وصول حزب البعث إلى السلطة أربك وضعه، خصوصاً أن ” العلماء السوفييت” كانوا قد إخترعوا ” نظرية التطوّر اللارأسمالي” و ” التوجه الإشتراكي”،كما أن الخطوات التي بدأـ بالإصلاح الزراعي و التأميم و حقوق العمال و التعليم المجاني و التحالف مع الإتحاد السوفييتي، و هي الخطوات التي كانت التعبير عن ” التطوّر اللارأسمالي” و ” التوجه الإشتراكي”، فرضت التحالف و أدخلت الحزب الشيوعي بنية السلطة بعد إنقلاب 16/11/1970، رغم أن التحولات التي تحققت خلال سلطة البعث حوّلت من طبيعة القاعدة الإجتماعية للحزب الشيوعي. لأن الإصلاح الزراعي و التأميم و التصنيع حوّلت من طبيعة التكوين الطبقي في المجتمع، الأمر الذي أضعف من قاعدة الحزب خصوصاً و أن القضايا المطلبية التي كان ينادي بها قد تحققت ( و لو مؤقتاً)، مما أدخل الحزب في حالة ” الموت السريري” و فتح الباب لبدء تفككه، في المرة الأولى على أساس برنامجي و نتيجة إختلافات حقيقية، و من ثم نتيجة إختلافات هامشية و تناقضات كانت تعتبر أنها “شخصية”. و هذه نتيجة طبيعية لحالة ” الموت السريري” تلك.

      لقد إختفى الطابع اليساري، حيث أصبح التركيز على ” الموقف الوطني” ، و أصبح الدفاع عن السياسة الوطنية للسلطة، محور سياسة الحزب، مع نقد ( أحياناً) لبعض المسائل الداخلية، و إشارات إلى ” البرجوازية البيروقراطية”، و تلميح لأخطاء في السياسة الداخلية. و باءت بالفشل كل المحاولات لإعادة صياغة تصوّرات الحزب بما يجعله يدافع عن الديمقراطية و عن ” أوضاع الشعب”. وهي محاولات كانت تبرز هنا أو هناك، و ربما لازالت تبرز بين الفينة و الأخرى. و بالتالي لم تعد هناك قضية يدافع عنها، و لم يعد الهدف الذي يسعى إليه يبرّر كل يساريته. و لهذا فهو يسار لا يلعب دور اليسار، بل يقوم بالدفاع ( الخجول ربما) عن سلطة تحوّلت إلى سلطة فئات نهّابة، تستولي على كتلة أساسية من الفائض المنتج إجتماعياً، و تدفع الطبقات الشعبية إلى الفقر، و تلقي أقسام متّسعة منها في البطالة، و توسّع من إحتكار القلة في الإقتصاد كما في السياسة. دون أن يدافع الحزب عن كل هؤلاء المفقرين، و إن فعل فبشكل خجول و دون أن يحوّل هذه المسألة إلى قضية و هدف. و يمكن أن يشار في البرامج إلى بعض المشكلات لكنها تبقى حبيسة الأوراق دون أن تتحوّل إلى مهمات واقعية.

     من ثمّ هل هو يسار؟ قلت أنه يسار لا يلعب دور اليسار، و يساريته ربما كانت قادمة من الماضي، لأنه الآن لا يعبّر عن الطبقة العاملة و عن الطبقات الشعبية، و لا يقدّم ما يفيد صيرورة التقدّم. كما أن البنى الفكرية التي لازالت متداولة لديه قديمة و متحللة، أو “جديدة” لا لون لها، فالتجديد لم يفضِ إلى تجاوز ” العقلية” و السياسات القديمتين، و لم يقُد إلى تحديد دور جديد للحزب، رغم طموح قطاعات فيه إلى ذلك،و تعلُّق هذه القطاعات بحلم حقيقي لأن يلعب الحزب دوراً مختلفاً في اليسار و خارج بنية السلطة.

       لذا فالحزب الشيوعي ( بفرعيه، مع ملاحظة تزمّت  في الحزب الأم) يفتقد الرؤية الفكرية اليسارية، كما يفتقد البرنامج اليساري، إضافة إلى أنه في الهامش، أي هامش السلطة و هامش الحركة الإجتماعية.

      في المقابل، جرت محاولات لتأسيس يسار مختلف، ” ثوري” و ” جذري” و ” بديل”( و أضع هذه التعابير بين مزدوجين ليس بهدف التشكيك، بل من أجل الإحتراس و التمحيص). و لاشك في أن الخلاف في الحزب الشيوعي السوري الذي بدأ سنة 1969، و إكتمل بإنشقاق الحزب سنة 1972، كان هو المحاولة الجادة لتأسيس دور مختلف للحزب. و في هذا الإنشقاق كانت تتزامن لحظتان، الأولى هي تلك التي عبّرت عن السعي لإعادة الحزب إلى ما كان قد تبلور عليه الحزب في ثلاثينات القرن العشرين( أي قبل إستلام خالد بكداش أمانته العامة)، و لم تكن هذه عودة ” أصولية”، حيث كان قد تبلور خط الحزب و دوره و تصوّره إنطلاقاً من وعي حقيقي للواقع ( كما معظم الأحزاب الشيوعية في العالم)، قائم على رؤية عربية في إطار وعي أن الإستقلال و التطوّر يفرضان أن يكون الحزب هو الفاعل الأساسي  على أساس برنامج قومي ديمقراطي يهدف إلى تحقيق المهمات الديمقراطية العربية، و أولها مسألة الوحدة العربية. كما يسعى لأن يلعب دور البديل الحقيقي حيث يقود النضالات العربية من أجل الإستقلال و الوحدة.

     هذه الرؤية و هذا الدور هما اللذان شكلا الأساس الصحيح لكل الأحزاب الشيوعية التي أثّّرت في مسار القرن العشرين، و كان تحوّل سياسات الحزب السوري نهاية ثلاثينات القرن العشرين هو الذي أسس لمأزق الستينات بعد إستلام البعث للسلطة. لهذا كانت مسألة الوحدة العربية ( و مسألة فلسطين) في جوهر الخلاف سنة 1969، كما كان الدور الذي يجب أن يلعبه الحزب في الصراع الواقعي مسألة بارزة، كحزب مستقل فاعل يقود النضال من أجل الوحدة و الديمقراطية و الحداثة ( وربما عبر ذلك عن ميول ظهير عبد الصمد أكثر من أي شخص آخر، و التي ظهرت قبلاً في الحزب مع ياسين الحافظ و الياس مرقص). و الحزب هنا كان يحاول أن يستعيد دوره الثوري التغييري لكن في زمن متأخر قليلاً ( ربما عقد من السنين)، حيث كان البعث قد سبق و إن بطموحات طبقية مختلفة.

      و اللحظة الثانية هي تلك التي تبلورت في رؤية تنطلق من ضرورة الديمقراطية في إطار إقتصادي رأسمالي، و على ضرورة التحالف ” في سبيل نظام ديمقراطي”، و التي كانت تتردد أكثر في مواجهة إنتصار الوحدة المصرية السورية و سلطة جمال عبد الناصر، ثم سلطة البعث في مراحلها الأولى، حيث كان الحزب مع ” النظام الديمقراطي” على أساس الملكية الخاصة. لقد كانت الديمقراطية لحظة نقدية أواسط الستينات من القرن العشرين قبل أن تتراجع لمصلحة ” التوجه الإشتراكي”. هذه اللحظة أصبحت تصوّراً مركزياً في الحزب ” المنشق” ( أو المنشق عنه)، أي ما أسمي للتمييز بالمكتب السياسي، نهاية سبعينات القرن العشرين، و ربما أسهمت ميول عبّرت عنها أحزاب شيوعية أخرى في الصين و الفيتنام، أي في ميل ربما كان مخفياً للتلميح لدور قيادي للحزب الشيوعي أو ربما بفعل الجو العام الذي تلا ” الثورة الطلابية” في أوروبا و نشوء الميول للتخلص من إرث الماركسية السوفييتية في نشوئها، رغم أنها تراجعت بسرعة فائقة لتحل محلها اللحظة ” الأصلية” المحددة ” في سبيل نظام ديمقراطي”، و تأثراً أيضاً بالشيوعية الأوروبية. وهنا لم يكن إعتبار الديمقراطية هدفاً هو المشكلة، حيث كان من الضروري أن تصبح الديمقراطية هي الهدف نتيجة السلطة الإستبدادية التي فرضت نفسها و أصبحت قوة قهر، بل يمكن أن نحدّد المشكلة في الرؤية التي حكمت تحويل الديمقراطية إلى هدف ” مركزي”. هذه الرؤية التي كانت تعيد الماضي ( أي الدعوة إلى نظام ديمقراطي برجوازي) متجاهلة أن التحولات التي حدثت نتجت أساساً عن عجز الرأسمالية و عدم ميلها إلى تحقيق التطوّر، ومتجاهلة التطوّر الذي تحقق خلال أكثر من عقد و الذي غيّر من طبيعة البنية الإقتصادية الإجتماعية. و بالتالي إبتعادها عن تلمس  مشكلات الطبقات الشعبية لمصلحة التركيز على الديمقراطية، الأمر الذي أسس لنشوء ميل ليبرالي خالص.

     لكن المحاولة التي بدت أكثر يسارية فكانت التي عُرفت تحت عنوان اليسار الجديد، و أساسها رابطة العمل الشيوعي ( ثم حزب العمل الشيوعي) التي توصّلت إلى أن الرأسمالية قد ” إنتصرت” بإستلام البعث السلطة، لهذا فقد غدت الثورة الإشتراكية هي الثورة الراهنة، و إن كان عليها أن تستكمل المهمات الديمقراطية في إطار ” البرنامج الإنتقالي”، الأمر الذي جعلها تطرح ضرورة تحالف الطبقات الشعبية. و إذا كان الحزب قد رفض فكرة الحزب الشيوعي القائلة بتحقيق الثورة الديمقراطية البرجوازية و بقيادة البرجوازية لها، لمصلحة الثورة الإشتراكية  بقيادة البروليتاريا، فقد طرح حكماً مسألة التغيير. و سنلحظ بأن محاكمته لمسألة “طبيعة الثورة” كانت أحادية بعض الشيئ، و تتجاوز ممكنات الواقع، فهي المعاكس للرؤية السالفة ( أي رؤية الحزب الشيوعي)، التي لا يحتمل الواقع ممكناتها. رغم أنه أضاف مسألة مهمة هنا تتعلق بالدور التغييري للحزب الماركسي، كما بالميل الكفاحي إلى حدٍّ ما.

شاهد أيضاً

د. فيصل القاسم: كيف تصنع رأياً عامّاً بلمح البصر؟

  د. فيصل القاسم – القدس العربي من الظلم الشديد أن نصف «الرأي العام» بالبغل، …

اترك تعليقاً