رزق العبي : حملة زوجة ثانية.. حملة تستخف بالمرأة وتقديمها كسلعة

 

رزق العبي – مجلة رؤية سورية ع 46/ آب 2017م

باتت ظاهرة الزواج الثاني، أمراً منتشراً بكثرة بين السوريين، سواءً في الداخل أو دول الشتات، لاسيما مع وجود عشرات الأرامل أو البنات، وسط افتقار المجتمع السوري للشباب نظراً للظروف التي تمرّ فيها البلاد.

وقبل البدء بتفاصيل التحقيق، نودّ الإجابة على السؤال: أين اختفى الشباب؟

تشير المعطيات إلى أنّ شباب سوريا، وعلى مدى ست سنوات ونصف، بات في مواجهة (القتل، السوق إلى العسكرية، المعتقلات، الهجرة..)، حيث أن كلّ أطراف النزاع على طول البلاد، أثّرت بشكل أساسي على هذه الفئة، بجعلها الخزان الأساسي، الذي يمدّ القوى المتصارعة، لكون القتال على جبهات، وليس ضمن نطاق عسكري متطوّر (جوّاً، بحراً..)..

وفي أحدث إحصائية شبه رسمية، بلغ عدد القتلى جراء الصراع 470 ألفا حتى فبراير/شباط 2016، وفقا لمنظمة “المركز السوري لبحوث السياسات” البحثية المستقلة.

وأدى توسّع القتال وتصاعده إلى أزمة إنسانية أليمة، مع 6.1 مليون نازح و4.8 مليون طالب لجوء، وفقا لـ “مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية”. وبحلول منتصف العام الفائت، كان هناك ما يقدر بمليون نسمة يعيشون في المناطق المحاصرة ومحرومون من المساعدات الضرورية للحياة والمساعدات الإنسانية.

كما اعتُقل أو اختفى أكثر من 117 ألف شخص منذ عام 2011، غالبيتهم العظمى على يد قوات النظام وفق التقرير ذاته، من بينهم 4557 شخصا بين يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران 2016. وكل هذه الأرقام يعتبر الشباب هم الشريحة الأوسع الذين تشملهم الحالات.

أما النزوح والهجرة، فقالت منظمة دولية إن الحرب في سوريا، المستمرة منذ ما يزيد على 6 سنوات، تسببت بتشريد أكثر من 11 مليون سوري، داخل البلاد وخارجها.

وأوضحت المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في إحصائية لها، نشرتها وكالة فرانس برس، في وقت سابق، أن عدد اللاجئين السوريين في دول الجوار ارتفع إلى أكثر من 4 ملايين لاجئ، الغالبية العظمى منهم في تركيا.

أما في الداخل السوري، فقد بلغ عدد المشردين من قراهم ومدنهم جراء الحرب، 7.2 مليون لاجئ.

ووفقاً لأرقام المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، فقد اقترب عدد اللاجئين السوريين في تركيا من ثلاثة ملايين لاجئاً.

أما في لبنان، فقد بلغ عدد اللاجئين السوريين 1113941 لاجئاً حتى 2014 (آخر إحصائية رسمية)، في حين بلغ عددهم في الأردن 629245 لاجئاً في ذات العام، وفي العراق فقد وصل عدد اللاجئين السوريين إلى 249463 لاجئاً.

وكشفت الأرقام الصادرة عن المفوضية أن عدد السوريين الذين توجهوا إلى مصر بلغ 132375 لاجئاً، في حين توجه 24055 لاجئاً سورياً إلى باقي دول شمال إفريقيا، وألمانيا ومعظم دول أوروبا وحتى العالم. وأيضاً غالبية الذين هاجروا هم من الشباب.

هذه الوقائع وغيرها، دفعت الكثير من الذين بقوا في الداخل أن يلجؤا للزواج الثاني الذي من شأنه أن يأتي بكثير من الأعباء، إلا أن البعض يرة فيه حالة ملحّة.

قبلت سعاد مها، وهي أم لثلاثة أطفال، أن تتزوج، بسبب ظروفها المعيشية الصعبة وأن تصبح الزوجة الثانية لابن عمها بعد سنة من مقتل زوجها، كغيرها من النساء السوريات اللواتي تأثرت حياتهنّ الشخصية بظروف الحرب الدائرة في البلاد منذ سنوات.

وظهرت بشكل جليّ ظاهرة تعدد الزوجات، كنتيجة حتمية للنزاع الدامي في سوريا والمتواصل، وما أسفر عنه من قتل وهجرة المئات من الشباب، كما ارتفعت أيضاً نسبة الطلاق، وفق أرقام رسمية.

وفي إحصائية شبه دقيقة، تشير إلى أن نسبة العنوسة في سوريا وصلت إلى 70 بالمئة لأسباب ارتبطت بالأوضاع الاقتصادية والأوضاع السياسية التي تمر بها البلاد في السنوات الأخيرة.

سعاد، في الثلاثين من عمرها، تقول: توفي زوجي قبل عام ونصف العام، وبقيت وحيدة مع طفليّ الاثنين طيلة ستة أشهر، كان الأمر في غاية الصعوبة، لذلك قرّر ابن عمي أن يتزوّجني لأسكن مع زوجته وأطفاله في المنزل ذاته.

وتتابع: كان الأمر صعبا في البداية خصوصا أن زوجة ابن عمي هي أيضا صديقتي، لكنها تقبلت الفكرة تدريجيا بسبب ظروفي الصعبة.

أما علا، ذات الـ 17 عاماً أجبرتها ديون العائلة على التضحية بنفسها، وتعهد زوجها 47 عاماً أن يسدّ تلك الديون كمهر لها.

وتشهد سوريا منذ عام 2011 نزاعا مسلحاً أسفر عن مقتل أكثر من الآلاف غالبيتهم من الرجال، ما أدّى إلى تفكّك المئات من العائلات وأثر على العلاقات الزوجية في بلد ترزح الشريحة الأكبر من سكانه تحت خط الفقر، ويعاني من البطالة.

وتعدد الزوجات مسموح به في سوريا، ولكنه كان قليلاً بعض الشيء أما اليوم فقد تغير الوضع، وبلغت نسبة تعدد الزوجات عام 2015 وبحسب الزيجات المسجلة في المحاكم الشرعية التابعة لمدينة دمشق النظام، نحو 30 بالمئة مقابل خمسة بالمئة فقط عام 2010.

القاضي الشرعي الأول محمود المعراوي، قال في حديث لوسائل الإعلام في وقت سابق: خلال الأزمة قتل الكثير من الشباب أو فُقدوا وهاجروا وأصبح عدد النساء أكثر من الرجال، فحل القانون والشرع المشكلة بتعدد الزوجات.

وأوضح المعراوي بحسب ما نقلت جريدة العرب اللندنية أن المحكمة الشرعية تجاوزت عددا من الضوابط التي وضعها القانون للسماح بالزواج من امرأة ثانية من أجل مواجهة هذه الأزمة، في إشارة إلى قيود قانونية كانت تفرض مثلا ألّا يكون فارق السن كبيرا بين الرجل والزوجة الثانية، أو أن يكون لكل زوجة منزل مستقل.

وتتوقع الكثير من الفتيات أن تكون الحياة صعبة في ظل الارتباط بشاب معرض للخطر مما يجعل المرأة دائمة التفكير في مصيره وذلك ما تترتب عنه أعباء نفسية وعاطفية، كما أن الكثير من الأهالي يفضلون بقاء بناتهم عازبات على أن ينجبن أطفالا ويترملن في وقت مبكر من حياتهن.

إلهام محمود، تزوّحت من رجل متزوج يكبرها بـ24 عاما من أجل إعالة طفليها. تقول: فقد زوجي عمله ولم يعد يتحمل مسؤوليته تجاهنا وهجرنا، فطلبت الطلاق منه ثم تزوجت من آخر يعمل سائقا ويبلغ 68 عاما وتعاني زوجته الأولى من مرض خبيث.

ويرى البعض من السوريين أن تعدد الزوجات، أو ما يسمى عادة بـ”الزواج الثاني”، ولد حديثا وانتشر بسرعة كبيرة، إلا أنه لم يشمل إلا أصحاب المداخيل المادية الجيدة.

وقانون الأحوال الشخصية للمسلمين في سوريا الذي ينظّم الطلاق والزواج والتفريق والحضانة، مستمد من أحكام الشريعة الإسلامية. أما الطوائف الأخرى فلها محاكمها الخاصة.

وتقول الاختصاصية بعلم النفس الاجتماعي ليلى الشريف “باتت المرأة اليوم تقبل بأي زوج يكفيها ماليا ويشعرها بالحماية وكانت لا تقبل به في الحالة العادية” قبل النزاع.

وبالتوازي مع ارتفاع نسبة تعدد الزوجات، زادت نسبة الطلاق أيضا، وقد سجلت المحكمة الشرعية في دمشق 7028 حالة طلاق عام 2015 مقابل 5318 عام 2010، أي بزيادة قدرها 25 بالمئة، وهي آخر إحصائية رسمية في سوريا.

يعود ارتفاع نسبة الطلاق إلى “أسباب اقتصادية وعدم إمكانية تأمين مسكن مستقل، إذ تضطر العائلة لتقاسم المسكن أو الانتقال للسكن مع الأهل، فضلا عن عدم قدرة الزوج على إعالة زوجته” بعد الحرب التي أفقدت الكثيرين أعمالهم.

ويضاف إلى ما سبق، تأثير الهجرة السلبي على العائلات، وما تسبب بنشوب خلافات بين الزوجين بسبب رغبة أحدهما في السفر ورفض الآخر خوفا من مخاطر السفر أو عدم الرغبة بالابتعاد عن الأهل.

انتظرت وعد أن يرسل لها زوجها الذي هاجر إلى السويد قبل أكثر من ثلاث سنوات أوراق لمّ الشمل لتلحق به، وبعد طول انتظار دون نتيجة قررت الطلاق منه.

تقول وعد، التي تقطن مع أولادها الثلاثة لدى أهلها في دمشق: تمكنت من الطلاق ويمكنني الزواج الآن بآخر يعيلني.

زوّجي زوجك:

قبل أيام انطلقت حملة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بدأت بسخرية ثمّ تحوّلت إلى أمرٍ جدّي، حيث باتت حديث الناس في الشارع، سواءً في مناطق النظام أو مناطق المعارضة، حيث كتبت صفحة يوميات قذيفة هاون الموالية للنظام في دمشق، إن حملة (زوّجي زوجك) يجب أن تكون رسمية، وأمراً عادياً، نظراً لنقص فئة الشباب، وكثيرة النساء الأرامل والبنات العاذبات، إلا أن الأمر لاقى استهجاناً لدى جمهور عريض من النساء والرجال، فالبعض رأى في ذلك جعل المرأة سلعة يتمّ عرضها وترويجها عبر مواقع التواصل.

وهنا قالت “فاديا” وهي مطلّقة: “لا أعتقد أن الحملة نابعة من قلب صاحباتها، والموضوع برأيي ليس إلا نوع من الاستخفاف بالمطلقات والأرامل، ويضعهن بتصنيف خاطئ لا يمكن إلا أن يساء فهمه، المرأة المطلقة، فهن حين أصبحن تحت هذا المسمى لم يكن همهن عرض أنفسهن كسلعة جديدة للزواج، هذه النظرة المجتمعية للمرأة المطلقة، حدت من تحركاتها ولازالت، فقط لأن المجتمع يرى فيها امرأة جاهزة لكل شي، وأقصد هنا العلاقات غير الشرعية، أو الزواج كامرأة ثانية بقصد السترة عليها، وليس بقصد تكريمها، وجعل الزواج منها خيارها الوحيد، الذي لامفر منه فقط لتبعد عنها شبهة النظر الدونية لها، للاسف هذه الحملة تأتي أيضا في سياق إهانتها، والمرأة الأرملة معها، وخاصة أنها تأتي كما يظهر للعلن من نساء، فلا أظن أن امرأة تقبل أن تكون هناك امرأة شريكة معها في زوجها، أنا ابنة هذا المجتمع، المجتمع ذاته الذي أهانني كمطلقة، أعرف تماما خبايا وخفايا نسائه، اللواتي يقمن الدنيا ويقعدنها،فقط إن شممن رائحة امرأة أخرى في تفكير رجالهن، فكيف أن تكون تلك المرأة موجودة في حياته أصلا كشريك أساسي معها. فأنا كما لا أقبل أن تكون لي شريكة في زوجي أيضا لا أقبل أن أكون ثانية مع امرأة أخرى، وهذا ماحدث معي تماما، فوصفي مطلقة لم يمنعني من طلاق ثانٍ حين عرفت أني زوجة ثانية وستؤلم امرأة أخرى غيرها”.

وتتابع بالقول: “نساء الحملة بنظري مرائيات، واذا ما فتشنا في سيرتهن سنرى أنهن لن يقبلن هن بهذا الشيء. مع شكي أن من وراء الحملة هم رجال، أو جهات أخرى تقصد التشويه لنساء المناطق المحررة. وإن صحت الحملة وأعلم أن هناك من سيقول لي الشرع الإسلامي حلل الزواج من أربع نساء، سأرد ومن الشرع أيضا تزويج الشباب العازبين الذين لاييجدون حتى سعر خاتم من حديد ليتزوجوا .ثم من سمح لأصحاب وصاحبات الحملة أن يجعلوا من أنفسهم أوصياء على المطلقات والأرامل، وأرى نفسي معتذرة حين أكرر هذا التصنيف معهم،
سنحتاج ثورات كثيرة لنرى مجتمعنا سليما من عقده المجتمعية البالية، التي ما زالت تجعل من المرأة عورة حتى لو قاتلت وناضلت وأسست وعلمت ودربت، جنبا إلى جنب مع الرجل، وأجد نفسي كامرأة معتذرة لكل الشهداء الذين لم يحسن الناس الذين اشتهدوا لأجل حريتهم وكرامتهم، يهينون ويعاملون نساءهم بإهانة بدل أن يكرموهن بطرق ترضيهن هن قبل رضى المجتمع”.

 

شاهد أيضاً

فتى سوري ينال جائزة السلام الدولية للأطفال

  فاز فتى سوري في الـ16 من العمر أمس الاثنين بجائزة السلام الدولية للأطفال، فدعا …