د. خطار أبودياب: 100 عام على سايكس بيكو

                                                                                                                        

                                                                 

د. خطار أبودياب – مجلة رؤية سورية / ع 47 أيلول 2017م

تتسابق مراكز ابحاث ووسائل اعلام ومصادر سياسية وجهات رسمية  في الكلام عن سيناريوهات تقسيم سوريا بعد على اندلاع الحراك الثوري و الحروب التي فتكت بالإنسان والبلاد والدولة والتي أدت إلى قيام عدة مناطق نفوذ بحكم الأمر الواقع . لكن الوقائع المتبدلة يمكن ان تعيد رسم الخرائط ومناطق النفوذ لأن الحالة السورية ترتبط بالمسألة الشرقية الجديدة بكل تعقيداتها .

لا تقتصر لعبة الشطرنج في منطقة شرق المتوسط  على العوامل الجيوسياسية وموارد الطاقة، بل تشمل العوامل القومية والمذهبية وصراعات النفوذ .  في عباب ” البحر الهائج” في الشرق الاوسط،  تتفاقم  الحالة السورية الاكثر دراماتيكية ويصعب توقع الخروج من النفق قريبا.

يستسهل البعض الكلام عن اقتطاع اجزاء لتتبع مشروع ” ولاية الفقيه” أو ” دولة الخلافة” ويكثر الحديث عن دولة أقليات في ” سوريا صغرى ومفيدة”  تمتد من السويداء إلى  دمشق  وحتى كسب مرورا بحمص واللاذقية. وهذا لا يلغي فرضيات ” كردستان” و”علويتان” و ” درزستان”  ، وكل هذه الاحتمالات التقسيمية يطغى عليها طابع المغامرة والتحدي وعدم الالمام بالتاريخ والجغرافيا للمكونات المعنية ولمجمل الاقليم.  

بالطبع ، من الصعب أن تعود سوريا إلى ما كانت عليه قبل آذار – مارس 2011، لكن يستحيل التسرع و الخلط في الاستنتاج بين تكون مناطق نفوذ مؤقتة نتيجة مسارات التفكك والاهتراء ، وبين تركيب دويلات أو دول جديدة بشكل قانوني وقابلة للحياة من حيث الموارد الاقتصادية. سيتطلب الأمر مخاضا يمكن أن يمتد من سوريا إلى ليبيا ويستغرق عدة سنوات ( من خمس سنوات إلى عقد من الزمن) وليس من الضروري أن يسفر عن تقسيم المقسم طبقا لاتفاقية سايكس – بيكو التي مضى عليها قرن من الزمن ، بل ربما يجري التوافق على انظمة فيديرالية مرنة تحفظ الكيانات القائمة ، أو تتبلور دول فيديرالية اوسع تسقط معها حدود الكيانات الحالية وتعتمد المناطقية والجهوية كمعايير للتشكيل بالإضافة إلى  معايير تستند إلى حيز من التجانس الديني والاثني بين المكونات المختلفة. إذا لجأنا إلى مثل ملموس ، اعتبر اكثر من مؤرخ أن فصل حلب عن الموصل كان قطعاً لعمق سكاني-تجاري تاريخي. لكن بعد السنوات العجاف الحالية أصبح الشمال السوري له عمق اقتصادي في تركيا، وأصبحت دمشق ترتبط ببيروت ، والجنوب بالأردن والرقة بالعراق ..وهذا الواقع الاقتصادي الجديد المعطوف على تغيير سكاني قسري، سيلقي بظله على سيناريوهات التفتيت أو إعادة التوحيد.

من أجل الاحاطة بواقع انهيار الدولة السورية وتداعياته، لا بد من الالمام ببعض الوقائع التاريخية المفيدة. قبل عام من قضاء الانتداب الفرنسي على  حلم فيصل الهاشمي في المملكة العربية السورية (أول دولة سورية مستقلة بعد زوال الدولة العثمانية ونهاية الحرب العالمية الأولى)، أرسلت واشنطن لجنة كينغ – كراين إلى منطقة الشرق الأوسط من أجل  معرفة مطالب السكان حول  أسلوب الحكم والحدود  وهي مهمة أتت في إطار سياسات ويلسون الرئيس الامريكي آنذاك وإيمانه بحق الشعوب في تقرير مصيرها. ويتضح من قراءة خلاصات اللجنة التنبه إلى  الإشكاليات التي تواجه الشرق المضطرب  اليوم، لاسيما لجهة صعوبات بناء الدولة القومية وفقا للمعايير الغربية. ورد في الخلاصات حرفيا “أن مسلمي ومسيحيي الشام سيتعودون على العيش بتناغم لأن الوعي الاجتماعي الحديث يحث على ضرورة فهم “النصف الآخر”، وإقامة علاقات وطيدة “. لكن هذا الطرح ” المتفائل” لم يمنع نفس اللجنة من التحذير من أن ” وضع مجموعات إثنية ودينية متنوعة في دول كبيرة قد يؤدي إلى نتائج دموية”.  ويومها تجرأت اللجنة واقترحت  قدرًا كبيرًا من الحكم الذاتي للبنان في إطار سوريا، وقدرا محدوداً من الحكم الذاتي للأكراد. ولامست خلاصتها ما يشبه ” النبوءة” لمعطيات المرحلة الراهنة وقد ورد : ” لا شك أن الحل الآلي للعلاقات المتشابكة والصعبة هو تقسيم المنطقة إلى قطع مستقلة صغيرة، ولكن التقسيم والفصل الشامل في الحقيقة يعززان الفروق ويزيدان من الخصومة” أي ان مسار التفكك الذي يقود الى الطلاق والتقسيم يمكن أن يؤدي إلى حروب طويلة مع نتائج غير مضمونة على ضوء الصعود المدوي للإرهاب والتطرف.

في فترة اتفاقية  سايكس – بيكو ولجنة كينغ – كرين ، لم يكن هناك حركات إسلامية راديكالية ترفض الدولة القومية من حيث المبدأ.  وبعدها نشأت  دول وطنية مستقلة تحولت غالبيتها الى ديكتاتوريات استبدادية أرجعت فشلها الى نظرية المؤامرة والصراع مع اسرائيل .

وما يهمنا حاليا بالنسبة لوضع سوريا اقتباس استنتاج الثنائي كينغ – كرين :  ”  لا تنقسم المجموعات الأثنية والدينية المختلفة في المنطقة إلى وحدات متجانسة منفصلة عن بعضها، بل إن المنتمين لكل مجموعة لا يشتركون بالضرورة في رؤية موحدة لماهية الحكومة التي يريدونها”. وكما ينطبق هذا التوصيف على الاكثرية العربية السنية، ينطبق الامر على المكونات المسماة أقليات. لا يشكل العرب السنة كتلة متماسكة بل هي متنوعة في الانتشار الجغرافي والنهج السياسي، والاهم ليس في ضمانات تعطى من الطرف المنتصر او من المجموعة الدولية ، بل من خلال مسار عدالة انتقالية لا بد لأي مصالحة وطنية أن تمر من خلالها.

أما بخصوص الافتراضات عن المشاريع الانفصالية للاكراد، فقد لفت الانظار أنها أتت بعد التطورات الميدانية في الشمال الشرقي ومكاسب قوات الحماية الكردية في وجه ” داعش ” ، لكن التطورات الاخيرة في أغسطس 2016 تبرهن عن تصميم تركيا على منع قيام دولة كردية في جوارها، وزيادة على ذلك فأن خطاب الكرد السوريين وأدبيات منظماتهم لا تتكلم عن انفصال. من سوريا الى العراق وايران وباقي العالم يعتبر الاكراد اكبر شعب من دون دولة، لكن الواقعية بعد نكسات القرن الماضي،  قادتهم للتخلي عن الحلم الذي راود بعضهم في اقامة دولة  على حساب وحدة اراضي  دول وازنة.  خلال سجنه الانفرادي في جزيرة اميرالي، بلور عبد الله اوجلان ، مؤسس وزعيم حزب العمال الكردستاني، نظرية اسماها ” الحرية لكردستان والديمقراطية لتركيا” وهذا السعي وراء فيديراليات يحمي برأيه الكرد من العزلة والدروب الشائكة.

بالنسبة للعلويين تبدو الصورة أصعب لأن ذلك يتعلق بمستقبل المنظومة الحاكمة الحالية. منذ 2012 بدأ التوجه نحو تطبيق الخطة باء في الحفاظ على ” سوريا المفيدة” أما تبعا لواقع سيطرة النظام الحالية من دمشق الى اللاذقية ، أو حصر ذلك كما كانت حدود الدولة العلوية ايام الانتداب الفرنسي من حمص وصولا الى جبل العلويين. لكن دون هذا الطرح عقبات كأداء لأن تركيبة الساحل السكانية والمذهبية لا يمكن ان تكون بيئة حاضنة لأي مشروع انفصالي. أما الطائفة العلوية التي خسرت نسبة كبيرة من شبابها، فتخشى ربطها بكل خطايا النظام وربما تفضل الحماية الدولية أو الروسية على الوصاية الايرانية. ومن المستبعد ان يسلم باقي السوريين بوضع من هذا النوع بعد شلال الدم والمعاناة.

بالنسبة للموحدين الدروز، لعبت  السويداء عبر التاريخ المعاصر،   دورا كبيرا كمحرك ومدافع عن الوحدة السورية ( في 1925 وفي اولى عقود الاستقلال)  ولذا فإن بلورة مشروع وطني بديل عن كل استبداد واقصاء وتمييز ديني واثني ، هو المخرج من أجل انقاذ الدولة السورية.  في القرن الماضي سقطت مخططات التقسيم من خلال وقفة رموز المكونات الاقلية من سلطان باشا الاطرش الى ابراهيم هنانو وصالح العلي بالتضامن والتكافل مع عبد الرحمن الشهبندر وحسن الخراط في دمشق وباقي رموز الاكثرية. وهذا الدرس التاريخي مهم جدا في اي مشروع لإعادة توحيد البلاد.

إبان مرحلة مفصلية من تاريخ المشرق في اواخر ثلاثينات القرن الماضي، اعتبر غبريال بيو المفوض السامي الفرنسي في سوريا ولبنان آنذاك أن ” المسألة السورية غير قابلة للحل وفق منطق ديكارت العقلاني”.  والآن يبرز   الاستعصاء السوري والحريق العراقي  بعد   قرن على ابرام                    

اتفاقية سايكس – بيكو التي رسمت حدود كيانات جديدة منبثقة من وراثة السلطنة العثمانية.

  ” المسألة الشرقية» الجديدة

استخدمت «المسألة الشرقية» أول الأمر،  بداية القرن التاسع عشر، في إشارة  للدول الواقعة في البلقان و أوروبا الشرقية والقوقاز. وأضاف كارل ماركس إلى المسألة الشرقية صفة «الأبدية»، غامزاً من قناة تعقيدات الفسيفساء العرقية والأثنية والدينية، في هذا الفضاء البشري الملاصق لأوروبا وروسيا، والواقع ما بين آسيا وأفريقيا. لكن مع انهيار  الإمبراطورية العثمانية أصبحت  المسألة الشرقية  تعني محاولة الدول الأوروبية الكبرى  تقسيم السلطنة – الرجل المريض وتصفية أملاكه،  ونسي العالم ما سبقها من قضايا في الشرق الواسع.

تعود المسألة الشرقية من جديد في السنوات الأخيرة عبر النزاع السوري المتعدد الأوجه وعبر حرب ” داعش” في العراق.   إزاء تداعيات هذين النزاعين بالإضافة إلى  انهيار الوضع الفلسطيني وهشاشة اوضاع الاردن ولبنان، تعود نغمة ” سايكس – بيكو” الجديدة أي القيام بتقسيم ما هو مقسم أساساً .  وهذه المرة لا تجد فرنسا وبريطانيا نفسيهما في موقع اللاعبين من الدرجة الاولى كما حال اللاعبين الروسي والأمريكي، بل إنهما تشهدان اندثار الرهانات على التركيبة القديمة ليس فقط بسبب  تداعيات ما فعله خنجر أو مقص المستعمر ولعبة المصالح فحسب، بل بسبب فشل بناء  الدول الوطنية القومية بعد الاستقلال وغياب إطارات الاندماج الاقليمي الملائمة، وتعاظم البعد الديني في السياسة واندلاع الفتنة السنية – الشيعية.

نشهد حالياً ترنح المشرق واسقاط الحدود فيه وضرب دوله المركزية . في هذه الرقصة بين التاريخ والجغرافيا، تبرز كيانات مذهبية ومنظمات جهادية عابرة للحدود وناقضة بشكل حاسم لمفهوم الدولة الوطنية أو الدولة – الأمة. و إذا كان تنظيم “الدولة الإسلامية” قد شكل ما يسميه الخلافة، فقد سبق لحزب الله ان تحول الى ” قوة اقليمية” لأنه أهم دعامة عربية للمشروع الإمبراطوري الايراني، وينطبق الأمر ولو بشكل أخر على جماعة الاخوان المسلمين. إنها مغامرات او تجارب لا تعترف بالحدود وتضع الكيانات كلها قيد الدرس.

في خضم  المسألة الشرقية الجديدة  قام التحالف الدولي ضد داعش منذ صيف 2014،  فتزايد الغموض وتزاحمت المصالح التي من بينها الدور البارز للأكراد في البلدين ( لم نشهد إلا لحظة عابرة ودرامية من الاهتمام الغربي بالضحايا الإيزيديين ، ولم يعد مصير مسيحيي الشرق ورقة جذب أو عبور للأوروبيين كما كان الأمر في الأيام الخوالي). ويصاب المراقب بالذهول حيال عدم قدرة تحالف دولي مؤلف من اربع وعشرين دولة على ضرب تنظيم داعش ولجمه. ومن الواضح ان هناك استخدامات متنوعة لهذه الظاهرة وكأن داعش تشبه شركة دولية – إقليمية وهناك مصالح تقف وراء السماح بتغولها تحت غطاء من الانحراف الديني

أننا أمام حرب إقليمية – عالمية لا نعلم تماما كيف ستنتهي : هل بتغيير الحدود أم بقيام أنظمة حكم وكيانات جديدة. ثم  ما هو مصير المكونات الأقلية الدينية والاثنية ، وأين يتقاطع أو يتناحر الشرق والغرب ، وما هو الانعكاس على صورة الإسلام ووضع المسلمين في أوروبا على ضوء انخراط الآلاف منهم في ما يسمى الجهاد العالمي . أليس كل ذلك من أوجه   المسألة الشرقية الجديدة.

فيما تستند المقاربة الروسية على التخوف من عدوى التشدد الإسلامي وانتشار الأممية الجهادية، يعود الكرملين إلى أطروحة حماية المسيحيين والأقليات في المشرق. أما التحالف العملي  الأمريكي والأوروبي مع إيران ( خلافة ولي الفقيه) ضد تنظيم الدولة وخليفته أبي بكر فيفسره  باحث أمريكي من منطلق تبسيطي يتصل بعدم تحمل قساوة قطع الرؤوس .. لكن من يتذكر أية الله خلخالي واعداماته الجماعية في بدايات مرحلة الخميني ومن يعود الى مراحل سوداء في محاكم التفتيش في أوروبا والجرائم الكبرى المعاصرة من رواندا إلى البوسنة والعراق ونيجيريا وسوريا يفهم جيدا ان العنف على درجاته يستخدمه قساة القلوب من تجار الدين أو المستبدين او الدول المسماة ديمقراطية وهو ليس ماركة حصرية بالشرق والإسلام

يقول البعض أن داعش وأخواتها هم أبناء  الفكر الديني الاقصائي والشمولية ، لكنهم أيضا بنات بيئة الاستبداد والتصحر الفكري وانحراف البعثيين الفاشي . البعض كان يرى بن لادن حليفا في الجهاد الافغاني ثم اصبح رمز القاعدة والعدو الأول للغرب . لكن البغدادي وأمثاله ممن ربطوا الخلافة المزعومة باستحواذ المسلمين واستعبادهم وإلغاء كل الآخرين , يمثلون خطرا داهما على المسلمين في المقام الأول وهم عقدة المسألة الشرقية الجديدة في حربهم المعلنة على الكيانات  القائمة وعلى كل تنوع في الإسلام او خارجه. وهذا المرض يزداد حدة في الصدام مع مشروع ولاية الفقيه في التنافس على زعامة وقيادة الأممية الإسلاموية . وتضطرب الأمور اكثر مع احتدام الصراع الإقليمي وعدم وجود حد ادنى من الوفاق الدولي مما يمد بعمر النزاعات ويترك الحبل على الغارب للتطرف والإرهاب.

كيف يمكن للمشرق الخروج من الجحيم الحالي بعد مئة عام على تسوية بين المنتصرين الأوروبيين بلورت كيانات صمدت حتى بدء لعبة أمم ومسألة شرقية جديدة. الحل بالطبع ليس في انقسام اعتباطي على أساس المذهب والقومية والامعان في التفكك، بل في التفكير بمخرج بعيد عن المسارات الحالية التي تتحكم بها الطموحات الإقليمية والاسطورة الدينية

بالرغم من المخاض العسير للمراحل الانتقالية والفوضى القاتلة، من الصعب للديكتاتوريات ان تكون انموذح المستقبل واذا أخذنا لبنان مثالا فقد مر عليه الكثير من الأهوال وخرج في الإجمال سالما لناحية الفكرة ومبرر الوجود . لا مبالغة في القول اليوم ان الكيانات الحالية وتنوع مكوناتها هي تحت التهديد .لكن لا يمكن  تصور سوريا أو العراق أو لبنان وفلسطين والأردن  من دون التنوع وتفاعل المكونات.  

 – مخاطر التركيز على البعد الديني والتطرف

جرى تحضير المسرح جيدا لنشأة التطرف وتمدده إذ أن المختبر الأفغاني ( منذ نهاية السبعينات )    الذي أفرز تنظيم القاعدة بعد حرب الخليج الثانية، والحرس الثوري الايراني ( ابن ثورة الخميني نهاية السبعينات )  الذي أسس حزب الله في لبنان وتنظيمات عراقية كان ينفذ قرار تمدد الاذرع الايرانية في الاقليم. بعد هذه الصناعة التي لم تكن ترجمة لنظريات فقهية عند السنة أو الشيعة فحسب، بل ايضا  نتاج اسهام امريكي – غربي مباشر او غير مباشر في البدايات الافغانية ، أو خلاصة لترك الاحتقان المذهبي يتصاعد بعد حرب العراق في 2003 وانعكاساته على صعود التطرف عند الجانين .

لم يأت هذا الاقحام للإسلام والعامل الديني من فراغ ، بل على الارجح من قراءة استراتيجية امريكية حول ضرورة صناعة العدو الملائم لكي تستمر واشنطن طويلا في التحكم بالقرار العالمي. وهكذا بعد ” العدو الأحمر” المهزوم لماذا لا يكون ” الخطر الأخضر” هو الهاجس نظرا للموقع الجغرافي لعوالم الاسلام من الشرق الاوسط الى الجمهوريات السوفياتية السابقة وامتلاكها لمصادر الطاقة وطرق البترول والغاز ولزخم ديموغرافي. ولذا ليس من المستبعد ان تكون حربي افغانستان في 2001 والعراق في 2003، ليس فقط للرد على اعتداءات 11 سبتمبر بل لشن ما يسمى الحرب الكبرى ضد الارهاب وصياغة العالم حسب مفاهيم ورغبات واشنطن انطلاقا من الانتصارات التي كان يعول عليها.

خرج التطرف من القمقم لأنه  منذ بدايات القرن الحادي والعشرين ارتسم مشهد اقليمي ملتبس في الشرق الاوسط وتصادمت المشاريع المتناقضة لإعادة تركيب المنطقة ( أمريكي وايراني وتركي واسرائيلي) . أمام زحمة المشاريع لم يكن هناك مشروع عربي ولم تنجح التحولات منذ 2011 في بلورة مشروع جديد ولذا اصبحت بلاد الشام ومصر واليمن وليبيا مسارح النزاعات والارهاب.

ادى تفاقم الوضع في العراق وسوريا لإغراق المنطقة بالمجاهدين من كل حدب وصوب، خرجت الامور عن سيطرة المقررين في اللعبة الدموية ووصل التغول مع المشروع الامبراطوري الايراني وبروز توحش ” تنظيم الدولة” الى حده الاقصى. منذ صيف 2014 ، عادت واشنطن عسكريا الى العراق تحت يافطة التحالف الدولي ضد الارهاب ، واصبحت ” داعش” وأخواتها  هاجسا يؤرق صناع القرار العالمي عبر سعيها للامتداد في ” قوس ارهابي من وزيرستان إلى خليج غينيا” حسب تعبير وزير الدفاع الفرنسي إيف لودريان.

إذا سلمنا أن ” تنظيم الدولة” يعد التتويج  الدرامي لمسار الحركات الجهادية المتطرفة منذ التسعينات إلى اليوم  مع الاخذ بعين الاعتبار دور القوى الخارجية وانظمة الاستبداد في صناعته ، إلا أن الاستخدام هو الاهم لناحية الفعل السياسي. وأي مراقبة دقيقة للمشهدين الميدانيين في سوريا والعراق ، تدل على أن ” داعش” تخدم استراتيجية التمدد الإيراني بشكل مقصود أو غير مقصود ، كما أن الحرب ضدها تسمح لواشنطن في الاستمرار بقيادة شؤون وشجون اللعبة المستمرة فصولا.

جرى كثيرا الحديث عن حروب النفط والغاز والمياه ، ويضاف اليها اليوم الحرب ضد الارهاب وكلها ايضا وسائل مفترضة ضمن عدة شغل اللاعبين الاقليميين والدوليين في سعيهم لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية. لا يمكن اذن ضرب التطرف والارهاب عبر الاساليب الكلاسيكية القديمة أو عبر صراعات النفوذ. بالطبع يتوجب العودة للجذور وخوض مواجهات ثقافية وايديولوجية وعمليات بناء تنموي وايجاد حلول عادلة للمشاكل المزمنة.  وفي موازاة ذلك من دون توافق وشراكات اقليمية ودولية سيستمر استخدام الارهاب لغايات في نفس يعقوب وغير يعقوب.

   –   سيناريوهات وخلاصات                                                                      

بعد القرن العشرين وخيباته ، بدأ العقد الثاني من القرن الحالي ليدشن زمن الحالات الثورية التي ترمز عند  البعض إلى اليقظة ، وعند البعض الآخر إلى حركة انعتاق وتحرر  للخروج من حالة الجمود والانحطاط، وصنع واقع  جديد.

تبدو الدروب شائكة لأن المسارات  متنوعة ومعقدة  تجاذبها  العوامل الداخلية والتأثيرات الخارجية : الجغرافيا السياسية والتنافس الاقتصادي في أكثر من مكان. لا يمكن إغفال أدوار قوى الحفاظ على الأمر الواقع Statu Quo  والثورة المضادة وكذلك  سعي قوى الماضي والغيبية إلى السيطرة على مجريات الحاضر ومنع بناء نموذج حضاري ديمقراطي عربي طال انتظاره.     

تتبدل الوقائع على رقعة الشرق الأوسط وجوارها تبعا لحراك ومناورات اللاعبين الأساسيين.

تحافظ  ” اللعبة الكبرى” الجديدة في القرن الحادي والعشرين على زخمها  انطلاقا من الأراضي السورية ويبقى الموقع العربي هو المهدد في الأساس، اسير ضعف بنيوي وتفكك في وقت ارتسام  تقاسم استراتيجي جديد يمكن ان يمر على حساب اللاعبين العرب .

تؤكد  نظريات الأمن الاستراتيجي المعاصرة على أهمية الطاقة ليس من الناحية الاقتصادية فحسب بل كونها محركاً للصراعات ومؤشرا على عناصر القوة لدول المنشأ او دول الممر أو المصب. وعبر التاريخ كان النزاع على الحدود والثروات من المياه والمحروقات وغيرها من ابرز اسباب النزاعات.    بالنظر إلى ما يعصف بالمنطقة من اضطرابات هناك قراءة تعتبر  أن الحروب المندلعة من المشرق الى المغرب والساحل  تهدف فيما تهدف للسيطرة على الموارد ومنها  أسواق الغاز وحقوله.

يشكل الغاز فعلياً مادة الطاقة الرئيسية في القرن الواحد والعشرين، سواء من حيث بديل الطاقة المناسب للنفط، لا سيما مع تراجع احتياطي النفط عالمياً، أو من حيث الطاقة النظيفة، كونه أقل ضرراً للبيئة، ولهذا، فإن السيطرة أو التحكم السياسي والاقتصادي بالمناطق الغنية بالغاز من حوض شرق المتوسط الى الخليج وشمال افريقيا وايران ، يعتبر من بواعث وتتمات الصراع الدولي والاقليمي. نستنتج من دون تردد ان سلاح الغاز والطاقة يبقى من الأسلحة المؤثرة في رسم ملامح نظام إقليمي شرق اوسطي ، كما في بلورة التوازنات بين الدول الكبرى والدول الصاعدة..

تواجه الحدود الدولية للعالم العربي نمطان  من المشكلات على الأقل:

(1) مشكلات الحدود الخارجية.

2) احتمالات  التقسيم كما حصل مع السودان او احتمالات البلقنة الداخلية من العراق الى سوريا وليبيا واليمن وربما بلدان عربية أخرى . أضف إلى ذلك أن العالم العربي يتعرض لتهديد بحبس المياه عنه؛ إذ تنبع أنهاره الكبرى (كالنيل ودجلة والفرات) من أراضٍ أجنبية، وترتبط الأوضاع الجيوبوليتيكية للحدود العربية بما يسمى “حروب المياه، ولا يمكن التقليل من اثار حرب اسعار النفط  ومن عامل ثروة الطاقة في مقاربة مصادر الخطر.

من خلال قرن الفشل الاستراتيجي العربي أي القرن العشرين, ومع البدايات العنيفة في هذا القرن ،

يبدو  العالم العربي مسرحا او ملعبا للنفوذ وليس فاعلاً في تقرير مصيره .

في حال اعادة تركيب الاقليم بعد قرن على اتفاقية سايكس – بيكو، اذا كان هناك من اعادة نظر في

الكيانات إن في داخلها أو برمتها، لن يتوقف الامر على الحدود وحضور المكونات أي لن تكون الجفرافيا السياسية والبشرية لوحدها في الحسبان، بل سيكون للموارد وخريطتها وتوزعها نصيب في رسم الخرائط العتيدة.   

شاهد أيضاً

الغوطة تستغيث والائتلاف يؤكد أن 350 ألف مدني يواجهون الجوع

أكد الائتلاف الوطني وجود أكثر من 350 ألفاً من المدنيين في الغوطة الشرقية يعيشون صراعاً …