جبر الشوفي: الشخصية السورية بين الذات والمجتمع

جبر الشوفي- مجلة رؤية سورية / ع 47 أيلول 2017م

يعتبر ضعف تبلور شخصية المرء وتأخّر نضجها، لا كذات متصلبة أنانية متغطرسة أو نرجسية، بل كذات حرة مستقلة مرضاً، ذا أبعاد ثقافية ونفسية واجتماعية وسياسية مزمنة ومتجذرة، مما يبعد هذه الشخصية عن التعبير الإيجابي عن مدى تكامل وجدلية البعدين، الذاتي والمجتمعي، في كل تعبيراتها الوجدانية والثقافية والسلوكية، فلقد شكلت هذه الشخصية المشوشة بخليط من المفاهيم غير المتجانسة في مجتمعاتنا التقليدية وغير الديمقراطية حجر عثرة في طريق التغيير السياسي الاجتماعي، إذ عبّرت ولم تزل تعبّر عن هذا الارتباك والتجاذب والاختلاط بين المفاهيم، وما قد ينبثق عنها من سلوكيات، تضعف فعاليتها الوطنية  التشاركية وتذهب بها إلى أحد اتجاهين سلبيين حادين متقابلين، يعبر أحدهما عن التقوقع حول الذات ومعاقرة أمراضها والانقطاع عن المشاركة في الشأن الاجتماعي والوطني بدوافع غريزية متحلزنة، وأخرى تعبر عن شخصية مهوّسة متماهية بمجتمعها المحلي إلى الحدّ، الذي يؤهلها لتكون قربانا لجماعتها الطائفية أو الإثنية أو العشيرة وغيرها، وقد يدفع بها هذا إلى سلوك عنفي أو انتحاري من أجلها أيضاً.

كما يعبر الفصل الحاد أو الانقطاع بين هذين الحيّزين الحيويين الشخصي والاجتماعي، عن حالة مرضية فصامية، تنعكس سلباً على الشخصية الفردية ذاتها وعلى مجتمعها في آن واحد، وإذا كانت الحالة الأولى، تتجلى كحالة نكوصية نحو الغرائزية الطفلية، والتحلل من المسؤولية الاجتماعية، تبعاً لتورمها بأمراض ذاتية، تحدّ من إمكانية انسجامها وتفاعلها مع الهمّ العام، فإن الحالة الثانية، تسهّل نمو وانتشار غريزة القطيع وتآزر القبيلة والانمحاق في همومها، وقد تبعث في بعض الشخصيات المنتَجة عبر هذا التشوّه والمنحوتة محلياً أبعاداً يجعلها محط أنظار جماعتها كما في ظاهرة طالبان في مجتمعها المحلي المنعزل عن محيطه، بل قد تغدو مطلوبة للردّ على التحديات الخارجة عن الجماعة في الأزمات والتحولات الكبرى، ويبقى الفرق في هذه التوظيفات خارج الهمّ الوطني العام، الذي تُجمع عليه الشخصية الوطنية الاعتبارية في هذا الظرف الزمني أو ذاك.    

إنّ غياب أو ضعف تواجد هذه الشخصية الوطنية المتوازنة، الجامعة إيجابياً بين الاستقلالية والحرية الشخصية، وبين الشخصية الاجتماعية، واتساع ظاهرة استلاب النمط الثاني في المقابل منها وتماهيه بالنزاعات العمودية، إثنية أو طائفة أو غير ذلك، بفعل تضافر التربية السياسية لكلّ من نظامه السياسي المستبد و كذلك التربية المباشرة أو غير المباشرة لمجتمعه عبر موروثه الاجتماعي التقليدي، يقود إلى وقوف كل من الذات المنفردة المنعزلة والذات الأخرى المقابلة والمستلبة اجتماعياً، إلى تعبيرات سياسية تشكل كل منهما على حدة حالة افتراق مع الهم الوطني وعملية الانتقال والتغيير السياسي الاجتماعي، وهذا ما عايناه في اتساع رقعة الشعبوية السياسية وارتفاع نبرة التخوين والتخاصم المذهبي وضياع البوصلة الوطنية الهادية والجامعة، التي لا يعبر التمسك والثبات عليها، عن همّ وطني سياسي فحسب، بل يكتسب بعداً أخلاقياً عميقاً أيضاً، وذلك لأنّ غياب هذه الشخصية الحرة المستقلة المتزنة، ونمو الشخصية المحاقية المقابلة يعني تغييب الآخر، وترك المجال للقوة العارية أن تحدد عبر الغلبة والقوة مستقبل الأجيال، وتتركهم نهباً للخصومات والنزاعات، وعندما يصل التنازع إلى هذه الدرجة، تغدو الحاجة ملحة إلى اصطناع الخصوم، لأن وجودها الرمزي والكياني أصبح مرتبطاً بمدى اسستمرار هذه الخصومة، لأنها إضافة للنجومية التي يحتاجها وجودها النخبوي المميز كحامية للجماعة، لا يستدعي السلاح والعسكرة فقط، بل يغدو حاجة عضوية نفسية عصابية لكتلته المنغلقة على هويتها المذهبية أو الإثنية، وهو ما نجد له مثالاً حياً، في نمو وتطور سلاح حزب الله في لبنان وفي تغيير وظائفه وجلاء أهدافها تباعاً، وكذلك ما لاحظناه في تطور بعض الفصائل المسلحة، سواء منها التابعة للنظام أو المعارضة له عندنا أيضاً.    

ويجدر بنا أن نلاحظ أنّ تلك الذات المتماهية في قطيعها من دون هويتها الخاصة، هي ذات معنّدة صدامية ضيقة بالآخر، إضافة لكونها متماهية بغرائزيتها وقطيعها، وهي التي تنطوي على مزيد من الاعتداد بالنفس والعنتريات، أمام الضعيف وما يقابله من التهاون والانكسار أمام الأقوى، حيث مرد ذلك إلى انعدام ثقة المرء بنفسه، أو بحريته الشخصية وإرادته الحرة وشعوره العميق بشدة حاجته لحماية جماعته الخاصة، بدلاً من حماية القوانين والأنظمة الوطنية العامة، وإذا عممنا هذه الحالة على النخب واعتبرناها معبرة في الخطاب والسلوك عن المجتمع المتناحر عمودياً، وصلنا إلى حالة تلك الحيزات المتنافسة طبيعياً، حيث كل منهما يضمر إقصاء الآخر أو إلغائه أو محوه كلياً!

هل يتطلب هذا الوضع منا إعادة النظر والتصارح مع وجداناتنا وتفحّص ثقافاتنا ووعينا، لاستعادة حيويتها عبر تنظيفها من عوالقها، وللبناء على قاعدة مبدئية مدنية، تصبّ كلها في أخلاقيات وطنية ، يجمع عليه الديمقراطيون والقوميون والمتدينون على حد سواء، حيث لا مجتمع  ولا دولة ولا حتى اجتماع صحيّ، من دون التوافق على المبادئ السياسية والأخلاقية الجامعة، ولا وصول لهذه المبادئ من دون إرادة العيش المشترك المبني على أسس إنسانية وأخلاقية كبرى، تضمحل دونها الخصوصيات المتعاكسة والمتعارضة مع الحالة الوطنية، والابتداء من إعادة تقييم الذات بموازاة الآخر الفرد والجماعة وبدلالتهما، لكي ننقض هذه الثنائية الثاوية في أس فشلنا، بإقامة علاقات ندّية مضمونها أنا والآخر، أو الآخر وأنا.

من أجل ذلك، يحتاج المتدينون كأفراد، أن يحيوا ما مات من جوهرهم الإنساني الخير، ليجسدوا مقولة ( إنما الدين هو المعاملة ) ويحتاج الدنياويون كذوات أيضاً إلى التمسك والثبات على قيم الاجتماع البشري، التي ترى في الإنسان قيمة عليا في التفكير وفي التدبير، حيث أنّ أخذ هذه الوقائع في ثنايا مجتمعاتنا، يجب ألا يؤدي بنا إلى مزيد من التجاهل، ولا مزيد من الرد الانفعالي الانعكاسي العنيف، بل إلى مزيد من العقلانية والوعي والعمل المنهجي المنظم لتحشيد الطاقات المجتمعية والبشرية وتفعيلها، بما يخدم الوطن بمعناه الإنساني والأخلاقي وأوطان الآخرين، لأن حصر الخير والرفاهية في منطقة وانحساره عن أخرى، يؤديان إلى فقدان التوازن في الطبيعة والمجتمع ويقودان إلى الحروب والكوارث الطبيعية والبشرية.

 

شاهد أيضاً

الغوطة تستغيث والائتلاف يؤكد أن 350 ألف مدني يواجهون الجوع

أكد الائتلاف الوطني وجود أكثر من 350 ألفاً من المدنيين في الغوطة الشرقية يعيشون صراعاً …