بسام سفر: رواية (الذين مسهم السحر”من شظايا الحكايات”) سرد الثورة عبر شخصيات إنسانية

بسام سفر – مجلة رؤية سورية / ع 47 أيلول 2017م

تحفل العديد من الأعمال الروائية السورية  بصور حياتية ذات توتر عالي، مليئة بالدراما الإنسانية، تنقل التناقضات الحياتية، بما فيها من صور سلبية وإيجابية، معقدة وبسيطة، خيرة وشريرة. إذ تصور حياة ومصائر الناس بحيث تصبح هذه المصائر موضع تأمل ومعاناة للقارئ. فالأفكار والمشاعر التي يثيرها العمل الأدبي يمكن أن تكون ذات تركيبة متنوعة من الإنشداد إلى الحزن والمعاناة، والجمال الإنساني، من خلال النماذج الإنسانية التي تقدمها الأعمال الروائية السورية. ومن هذه الأعمال رواية (الذين مسهم السحر “من شظايا الحكايات”). للروائية روزا ياسين حسن، التي تحفل بقضايا الثورة السورية من خلال نماذج إنسانية سورية بين ثنايا المعمار الروائي.

التوثيق الفني:

يصعب كثيراً في العمل الروائي توثيق الأحداث كما هي في الحياة، إلا أن مجرد ذكر الحادثة وتوظيفها ضمن سياق السرد الروائي كجزء من الأعمال والأفعال التي يشارك بها أبطال وشخصيات العمل الروائي يكون هذا التوثيق قد ارتقى إلى فعل التخييل في السرد الروائي. وهذا ما نجده في رواية “روزا ياسين حسن” (الذين مسهم السحر “من شظايا الحكايات”) بالفصل الثالث بعنوان “عن ريما وأمها والحكايات”. إذ نجد توظيف لمظاهرة المرجة التي وقف فيها أهالي المعتقلين والمتظاهرين في ساحة المرجة قريباً من وزارة الداخلية حيث اعتقلت الأجهزة في الحياة الواقعية الدكتور “طيب تيزيني” إذ تصفها كالآتي:

“في اليوم التالي، إلى حيث دعت مجموعات الناشطين إلى الاعتصام من أجل المعتقلين في (ساحة المرجة). وصلت متأخرة على ما يبدو، دخلت من زمن إلى زمن آخر حالما قطعت (شارع النصر) نزولاً إلى (ساحة المرجة)، كانت غاضبة هائجة، صراخ وازدحام وهلع.

رجال بهراوات يتحلقون حول شاب يحمي رأسه ويصرخ. رجل بلباس مدني يسوق صبية، تقاومه بضراوة ليودعها في دكان فارغ وينزل الغلق الحديدي عليها. ولافتات ما تزال مرفوعة تطالب بالمعتقلين. خفت، حاولت الابتعاد عن المنطقة، لكن شيئاً سحرني في المكان، فتح عيني على سعتها كأنه يقول لي ( تذكري .. احفريها في ذاكرتك). وحفرته في ذاكرتي، ذلك الصباح المتأخر ………..فاتحة العصيان. شيء ما جعل غواية تلك اللحظة (ساحة المرجة) تناديني : غواية التمرد. أن أقول 🙁 لا) في وجه شخص يريدني أن أقول (أمرك) كطفلة تستمتع بعدم إطاعة أوامر والديها ” (ص)34.

وفي الفصل السابع بعنوان “دمشق والذاكرة والحب” ترصد الروائية روزا “اعتصام ساحة عرنوس” من خلال شخصية “هبة حداد” التي شاركت في الاعتصام إذ تقول:” فقبل البارحة كان الاعتصام الذي أعدوا له لأيام طويلة في (ساحة عرنوس)، اعتصام تحول إلى ما يشبه حرباً صغيرة خلفتها منهكة متكسرة. فعلى الرغم من أن دعوات التظاهر انتقلت بشكل شخصي، من فم إلى أذن، أو بالرسائل والايميلات المشفرة، إلا أن المتوقع قد حدث: لاقاهم رجال الأمن قبل أن تهم المظاهرة، طلبوا منهم بداية فض المظاهرة البادئة فرفضوا، حينها راحت الهراوات تلاحق.

كهل من أصحاب المحلات القريبة، كان يقف أمام محله ويصيح دالاً رجال النظام على متظاهر هارب: من هنا … ألحقه من هنا…المخربين… الخونة…. اقبضوا عليهم كلهم!.

نصيب (هبة حداد) من تلك الحرب كانت ضربة قوية على رأسها جعلتها تطير وترتطم بواجهة زجاجية لدكان أحذية بمنتصف شارع الصالحية ! أما صديقتها (ريما العيساوي) فقد وقعت أرضاً، وارتمت نظاراتها الطبية بعيداً،(………..)، لكن الذي نجا (هبة حداد) و(ريما العيساوي) من اعتقال محقق أن صاحب دكان الأحذية القريب نادى هبة بإيماءة عابرة مبطنه، فحملت صديقتها المتهالكة وهرولت إلى الداخل “(ص82-83).

إن توظيف الروائي الفني لاعتصام ساحة عرنوس وما جرى فيها، يؤكد أن التوثيق الفني الروائي لأحداث وقعت بعينها هو عملية إعادة كتابة للحظات ثورية في مسار الثورة السورية، هو جزء من فعل ثقافي إنساني ينتمي إلى فعل مدني مجتمعي سوري سعى النظام الديكتاتوري وحلفائه لطمسه من خلال التصدي الأمني العسكري لهذه الأفعال في بدايات الثورة وسعى إلى جرها لمستنقع العسكرة الذي بات فعلاً يومياً سورياً مناقضاً لكل أهداف الثورة في الحرية والكرامة.

سحر الثورة :

بعد ربيع دمشق الموءود في بداية الألفية الجديدة عادت سوريا إلى مملكة الصمت الرهيب، لولا وجود القوى السياسية المعارضة التقليدية، وذهبت نظرية الحركة الاحتجاجية المعارضة المدعومة شعبياَ ذات الرؤوس المتعددة إلى سجن عدرا المركزي، لننتظر الثورة التونسية لتحرك ربيعاً عربياً نحو الحرية والديمقراطية والكرامة. ومن بين البلدان التي اجتاحتها حمى هذا الربيع “سورية”، حيث عاد كسر حاجز الخوف الذي تناولته الروائية روزا ياسين حسن في أكثر من قصة من قصص رواية (الذين مسهم السحر”من شظايا الحكايات”)، وكانت البداية في “عن الكافيتيريا وذاك البناء البعيد على تخوم جرمانا”، من خلال شخصية “ميفان حاجو” الذي يشاهد مظاهرة الملثمين في نهاية مخيم اليرموك وبداية الحجر الأسود، إذ يصفها قائلا :” ذات ليلة من شهر أيار 2011م، صادف “ميفان حاجو” مظاهرة صغيرة وهو يقفل عائداً إلى البيت. كان الشباب ملثمين بكفيات تخفي وجوههم. ما يقرب من 70 شاباً يهتفون”(علّا الطير علّا الطير): نسي ميفان نفسه، وقف يتفرج مستثاراً على المظاهرة المتهادية بثقة بين أزقة الحجر الأسود المتداخلة، يراقب حركات أيديهم، دعساتهم، ونظرات عيونهم من تحت الكفيات، وقت بدأ راح ميفان يهرول كالممسوس لاهثاُ مرتعباً. لأول مرة يشعر بكل هذا الخفقان، كاد قلبه يتوقف خوفاً، أصوات الرصاص وصراخ يلاحقهم وهو يجري يجري!! حينما وصل إلى البيت رأته أمه على هذا الحال” (ص16).

ويتعدى السحر التظاهر إلى محاولات السيطرة على الساحات العامة وتذكر روزا محاولات الوصول إلى ساحة العباسيين، وهذه “هبة” في “عن ريما وأمها والحكايات” تصف تظاهرة ومحاولة السيطرة على الساحة قبالة الجامع الأموي: ” امتلأت الساحة قبالة (الجامع الأموي) بالأيدي المرفوعة والهتافات التي تحتشد في الفراغ، ضاع الأصدقاء عن بعضهم بعضاً وسط الجموع المتراكمة. لكن ريما” لم تشعر بغربة ! كأنها تعرف كل شخص في هذه المظاهرة! وحدة حال غريبة كانت تلف جميع من اجتمع خارج باب الجامع، حتى حين رمقها شيخ ملتحي يرتدي جلباباً حائل اللون، ازور التيشيرت الأحمر بربع كم وبنطال الجينز الضيق اللذين كانت ترتديهما !”الموت ولا المذلة ” تتعالى الأصوات الهاتفة”(ص37).

وسحر آخر مس أعداداً لا بأس بها من السوريين هو التوثيق بكاميرات الموبايل الذي تحول فيما بعد إلى كاميرات احترافية مع “فراس الصفدي” حبيب” هبة حداد” الذي ارتقى شهيداً بحي الخالدية بحمص ودفن بذات الحي الذي استشهد به، وهو ابن مدينة دمشق، ولم يصل إلى هبة منه سوى كاميرته وموبايله، عن ذلك تقول هبة: ” انقضت شهور قبل أن أستطع لمس كاميرته وموبايله. أخفيهما في عتمة خزانة ثيابي، قريبين مني، ولا أراهما، فكلما رأيتهما كنت أختنق وأشعر بأن قلبي سيكف عن الخفقان. وطالما فكرت: هل مرت صورتي أمامه حين كان يحلق إلى السماء؟! . هل نرى حقاً ذاكرتنا وأحبتنا لحظة الموت؟! وكيف تكون لحظة الموت؟!” (ص359).

البناء الروائي:

ربما لا يطيب للكثيرين خرق تابوه السرد الروائي والحكاية التقليدية في الرواية السورية، لكن الواقع الحياتي الذي يعيشه السوريون، ما بين التشرد والهجرة خارج الوطن الأم، ومناطق تحت سيطرة قوى الإرهاب متمثلة بداعش والنصرة، هذه المناطق التي لم تروي سردها الأدبي القصصي والروائي بعد، وما يقع تحت سيطرة النظام التي لها سردها الخاص الكلاسيكي تحت حكم الديكتاتورية، وما بين رواية السوريين الذين خرجوا من هذا الجحيم العالق بين ارهابين، نجد سرداً روائياً خاصاً في أصوات متعددة تحاول تصوير الواقع السوري منذ بداية الثورة حتى مفاصل خاصة بها، كبناء روائي يعتمد على الحدث السوري كأساس روائي، ومن بين هذه الأعمال الروائية رواية (الذين مسهم السحر” من شظايا الحكايات”). التي تعتمد على أصوات في السرد منها” ريما، هبة، فراس، ميفان، شيران، أبو الليث، عائشة….”، لكن من خلال الكتابة التي نقلت حركة هؤلاء في رصد واقعي متخيل، بناء على التفاصيل الخاصة الصغيرة بكل حدث في المعمار الروائي، وهذا ما يجعل الرواية شيقة في السرد، تتابع التفاصيل الحياتية الخاصة لكل شخصية من شخصياتها، وإذا كان السرد الروائي يستحق بحثاً خاصا،ً فإن للمكان الروائي في الحكاية أكثر من حكاية تحكى فيها، حيث ينتقل المكان مع الحدث الروائي من مكان إلى آخر، سواء داخل مدينة دمشق، أو حمص أو اللاذقية أو الجنوب السوري.

أخيراً إن روايات الثورة السورية لم تنته بعد، فهناك آلاف الروايات التي لم تستطع أقلام الكتاب والمبدعين السوريين الوصول إليها لقول ما يجب أن يقال عن بطولات السوريين في الدعوة إلى حياة جديدة خارج رحم الديكتاتورية والإرهاب المتأسلم. فهل تستطيع أقلام المبدعين والكتاب السوريين إلى الحكايات السورية في زمن بات الفيس بوك و التويتر وأدوات الاتصال السريع إلى جانب الصورة التي يلتقطها الجوال في التعبير عن الحدث السوري و غيره من الأحداث السياسية والاجتماعية، والتي يعمل على بثها المباشر بعيداً عن القلم والورقة أو الكيبورد القادر على إعادة صياغتها بشكل فني أدبياً ينتمي إلى عالم الأدب الخالد.

شاهد أيضاً

الغوطة تستغيث والائتلاف يؤكد أن 350 ألف مدني يواجهون الجوع

أكد الائتلاف الوطني وجود أكثر من 350 ألفاً من المدنيين في الغوطة الشرقية يعيشون صراعاً …