د. خطار  أبودياب : مؤتمر سوتشي أو ” الحل الروسي ” المفروض 

 

  د. خطار  أبودياب – مجلة رؤية سورية / ع 49 تشرين الثاني 2017م

 انتهت من دون نتيجة في 14 ديسمبر  الماضي الجولة الثامنة من مسار جنيف للمفاوضات  أو بالأحرى ” اللا مفاوضات ” بين وفدي النظام والمعارضة والذي انطلق عام 2014 تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة، ومن المتوقع أن تشهد عاصمة كازاخستان يومي 21 و22 ديسمبر ، انعقاد الجولة الثامنة من مسار أستانة للمحادثات بين النظام والفصائل العسكرية المعارضة تحت إشراف روسي- إيراني- تركي، علما أن هذا الترتيب بدأ بعد منعطف حلب أوائل 2017، وتقرر إبان جولته الأخيرة إطلاق مسار جديد تحت مسمى “مؤتمر الحوار الوطني السوري” الذي أخذت موسكو توجه الدعوات إلى ممثلي “شعوب سوريا” (ربما بمعنى مكونات أو شرائح) لانعقاده في منتجع سوتشي في فبراير 2018، مع أمل وطيد من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أن يحل هذا المسار مكان المسارات الأخرى ويعتمد “الحل السياسي ” للمحرقة السورية وفق الرؤية الروسية. 

يتضح من تضارب مسارات المفاوضات وكثرة عدد المؤتمرات المتنقلة  بالإضافة إلى عدد اللاعبين المحليين والإقليميين والدوليين، أن المسألة السورية تختزن الكثير  من المناورات الدبلوماسية والرهانات المتنـاقضة في موازاة ترجمة ذلك، تدميرا للبشر والحجر والدولة. 

 في أواخر 2017 على مشارف الذكرى السابعة لانطلاق الحراك الثوري السوري، يغالي البعض  عن نهاية حقبة الإرهاب واستتباب الأمر للنظام وقرب إعادة الإعمار. لكن الواقع الفعلي هو على العكس من ذلك والدليل هو  الحلقة المفرغة للفعل الدبلوماسي كما تؤشر جولات جنيف المتكررة ، ومناطق خفض التصعيد وحصادها المتباين واستمرار عجز ما يسمى المجموعة الدولية وذلك في ظل سعي “القيصر الجديد” لتركيب حل تجميلي لبقاء النظام ، أو في ظل استمرار غياب الدور السياسي الفعال لواشنطن والذي لا تستر عوراته فراغه تحرك البنتاغون في الميدان .

وتتعامل الكثير من الأطراف وخاصة الأوروبية مع المسألة السورية على أنها مسألة إرهاب ولاجئين، وتنسى العمق والخلفية وسبب المأساة الحقيقية المتمثل بطبيعة النظام الإلغائية وجعل سوريا جسرا ونقطة ارتكاز للمشروع الإمبراطوري الإيراني، ومنصة لإعادة النفوذ الروسي إلى الشرق الأوسط والعالم. والأدهى في الأمر، التحول التركي وتركيز الرئيس رجب طيب أردوغان على الهاجس الكردي في المسألة السورية، وتعامل روسيا الحاذق في تنظيم التقاطع بين الحلف الاستراتيجي مع إيران في الميدان، والتنسيق المقنن مع تركيا، والعناية بالمطالب الأمنية لإسرائيل، وكل ذلك من دون الصدام مع الولايات المتحدة الأميركية كما تدلل حركة “قوات سوريا الديمقراطية” (نواتها الأساسية قوات الحماية الكردية) المدعومة من واشنطن والتي تسيطر حاليا على حوالي ربع مساحة الأراضي السورية بالإضافة إلى حقول الطاقة الأساسية ومواردها

وأتت زيارة  الرئيس الروسي: فلاديمير بوتين، إلى قاعدة حميميم ،في توقيت مهم بالنسبة إلى روسيا، من أجل أن يقول بوتين للجميع إنه هو المنتصر في سورية، في الحرب على تنظيم (داعش)، وليس التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة أو الجنرال قاسم سليماني. وتؤكد هذه الزيارة التي سبقت زيارتين  للقاهرة وأنقرة- على عودة الدور الروسي إلى الشرق الأوسط، في ظل تراجع الدور الأميركي في المنطقة، كما أنها تؤكد اهتمام روسيا بموقع سورية الجيوسياسي، فضلًا عن أن بوتين أراد أن يبعث رسائل متعددة، أهمها نيته فرض الرؤية الروسية للحل، وأخذ الجميع إلى (سوتشي.

أما عن إعلان روسيا نيتها سحب القوات الروسية فيأتي بالتزامن مع الإعلان عن توسيع قاعدة طرطوس الروسية، وهذه الإعلانات التي تعددت، خلال الفترة الماضية، تثير الجدل والأرجح أن تكون المسألة مجرد إعادة انتشار للقوات؛ فمن الناحية العملياتية، نجد أن هناك حشودًا روسية قرب إدلب وحماة، وهذا  ما يعني أن العمل الروسي مستمر على الأرض”..

مع كل هذه المناورات يتضح أن التوجه الروسي المستديم   هو الإبقاء على النظام، وإظهار أن كل ما حصل من حراك ثوري في سورية هو (مؤامرة) ضد النظام، وأن من غير المسموح المسّ بالشرعية القائمة؛ والهدف واضح: النظام تابع لموسكو، وضمن هذه المعطيات تقوم روسيا بالتعامل مع العملية السياسية. النظام وروسيا سيحاولان خلال عام 2018 أن يطرحان قضية إعادة الإعمار، من أجل تعميم الرشوة على الدول  ومحاولة إعادة تأهيل النظام

عبر  متابعة ممارساتهم ، عطل الروس عملياً  مسار جنيف، ودعموا  مسار (أستانا)، وظهر مصطلح (خفض التصعيد) لتخفيف الجبهات عن النظام، مع الاستمرار في قصف وحصار الغوطة الشرقية، والآن إدلب، كمنطقة رابعة، تعد مهددة و تبين إن “ما جرى في أستانا هو تخفيف أعباء عن النظام، وتقاسم نفوذ بين رعاته، وهذا ما أوصلنا إلى سوتشي، آخر عناوين السيد بوتين تحت شعار مؤتمر الشعوب والطوائف”، ومن المؤسف أن النخب السياسية السورية  والدول الراعية صمتت عن “ما قد يحضّر في أستانا.. والآن لا بد من التساؤل : كيف يقوم بوتين باستدعاء الشعب السوري الى  روسيا التي تقصفه وتجرب اسلحتها على أرض سوريا المستباحة وإلى  مؤتمر ترعاه هذه الدولة؟  إنه همهرجان استعراضي، من أجل إجبار الجميع على التوقيع على إعادة تأهيل النظام من جديد، وهذا لا يمهد لحل سياسي واقعي وعادل .

 يتوجب على الحراك الثوري والمعارضة والنخب السورية التفكير بوسائل عمل  جديدةومبتك ة ، وخصوصًا قضية المعتقلين والنازحين؛ إذ لا يمكن أن يُبنى حل في سورية دون الإفراج عن كافة المعتقلين، وعودة النازحين واللاجئين إلى مناطقهم.

 يمكننا مقارنة ما جرى مع إعلان بوش الانتصار في العراق عام 2003… العراق حتى الآن لم يصل إلى الاستقرار، وهذا ما يتكرر اليوم بإعلان روسيا الانتصار.. الأمر ليس بهذه السهولة وهذا التبسيط.

  على النخب السورية الثورية أن تكون  أولياء دم للمعتقلين والضحايا والمهجرين والمصابين، ولا يجب التنازل أو السكوت، يجب أن نفهم، ويترتب عليها أيضاً أن تعيد التفكير في تركيب وإنتاج مشروع وطني سوري”.،

خاض النظام المعركة  بشراسة ولعب على موضوع تمثيل المعارضة، ووصلت الأمور إلى الإسراف في ظهور المنصات.. كل هذا من أجل انتزاع موضوع التمثيل ًوبالرغم من نواقصه والضغوط خرج مؤتمر الرياض 2 بسقف  معقول من المطالَب ، وبوفد موحد، حتى وصلنا إلى أن بشار الجعفري ممثل النظام  كان هو من رفض الجلوس على طاولة الحوار مع المعارضة؛ لأنه لا يريد منح محاوريه الشرعية ولأنه نظام الكل شيء أو اللا شيء . 

إزاء كل ذلك يمثل الذهاب إلى سوتشي إضفاء شرعية على الحل  المفروض اَي اللاحل وتبرير  التمويه  لبقاء النظام . والأخطر أن توقع المعارضة أو ممثلي الحراك الثوري أو المكونات السورية على وثيقة الاستسلام بعد شلال الدم وتدمير البشر والحجر.

لَيْس في الأمر مقامرة أو مغامرة أو تشدد فماذا عند الشعب السوري ليخسر أكثر مما خسره، ولا بد من شحذ الهمم وتنظيم الصمود وربما كان عام ٢٠١٨ عام بداية الخروج من النفق والاصرار على المسار الاممي في جنيف والاستفادة في اللحظة المناسبة من انكسار التقاطعات التي تنظمها روسيا واستباق ذلك ببلورة خريطة طريق وطنية للانقاذ. 

شاهد أيضاً

منظمة إيرانية :: مقتل 30 من علماء الدين الشيعة في سوريا

  كشف رئيس منظمة تعبئة المستضعفين في إيران، “غلام حسين برور”، اليوم الأربعاء، عن مقتل …