خالد عبد الرحمن  : حصار ريف حماة يحيي تراث الأجداد عند الأبناء

 

 

خالد عبد الرحمن  – مجلة رؤية سورية / ع 49 تشرين الثاني 2017م

اضطر المدنيون المحاصرون في ريف حماة الجنوبي وبعد ازدياد القصف على قراهم وصعوبة تأمين مواد البناء وارتفاع أسعارها إن وجدت إلى العودة إلى البناء الطيني الذي تحول الناس عنه مع بداية دخول الأبنية المدنية التي تعتمد في أساسها على الإسمنت والرمل.

وتوجه المدنيون إلى البناء الطيني بشكل كبير نظراً لدخول فصل الشتاء الذي عادة ما يكون قاسياً في المنطقة، وبالإضافة إلى عدم قدرتهم على تحمل تكاليف البناء الإسمنتي وعدم جدوى إعادة البناء في خضم القصف المتكرر الذي يستهدف المنطقة.

الناشط عزام المحمد المقيم في ريف حماة الجنوبي تحدث لمجلة “رؤية سورية” أنه عادة ما يقوم المدنيون بهذه الخطوة بسبب قلة عدد المنازل الصالحة للسكن نتيجة العدد الكبير للنازحين من القرى الواقعة على خطوط الجبهات ومن المناطق المجاورة وعدم قدرتهم على بناء منازل جديدة.

* حلّ إسعافيّ

وتابع المحمد أن الوضع المعيشي للمدنيين يؤثر بشكل كبير على توجه الناس نحو الأبنية الطينية بسبب ارتفاع إيجارات المنازل “ففي بعض البلدات يدفع النازح ما يعادل تكلفة بناء منزل طيني كأجر سنوي للمنزل، ما يدفعه لبناء منزله الخاص بدلاً من دفع أجور المنزل”.

وأضاف أن كل شخص يتولى بناء بيته الخاص، كون البناء الطيني تتوفر مواده في متناول الجميع ولا يحتاج بناؤه إلى خبرة مسبقة أو دقة فعدم وجود الدقة في التصميم أمر مقبول على اعتبار أن البناء حل اسعافي.

* أقل ارتباطاً بالمكان

ويؤكد القاطنون في المنطقة المحاصرة جنوبي حماة عودتهم لبناء بيوتهم بجدران طينية وأسقف خشبية بكونها أرخص تكلفة وأقل ارتباطاً بالمكان خاصة في ظل النزوح المتكرر وعلى الرغم من أنها أقل اتقاناً وحرفية من تلك التي كانت منتشرة في البلاد حتى ستينات القرن الماضي ومات بنّاؤوها المهرة، إلا أنها تُبنى اليوم لتكون مأوى مؤقتاً يبنى بأقل التكاليف ويخفف كثيراً من استهلاك وقود التدفئة في فصل الشتاء.

عمار اليحيى نازح من بلدة حربنفسه في ريف حماة الجنوبي، قال إنه يعمل في الزراعة بأجر يومي ولا قدرة له على دفع ربع ما يكسبه شهرياً كأجر للمنزل الذي يسكن به، إلى ان اقترح عليه أحد أصدقائه بناء منزل خاص به، وبعد عشرة أيام فقط من العمل أصبح المنزل جاهزاً.

وأضاف اليحيى لـ (رؤية سورية) أنه استبدل الاسمنت بالطين لإنشاء لبنات طينية كبديل عن البلوك الإسمنتي واستبدل الحديد بالخشب الذي يتم استخراجه من الأشجار وبدء بالعمل “وعلى الرغم من ضرورة التجميل الدائم للبناء إلا أنه يبقى أرحم من الإيجار”.

* لا مجال للمقارنة

وأردف أن القيود المفروضة على إدخال مواد البناء وفرض رسوم كبيرة تتسبب بغلائها الكبير وارتفاع ثمنها لأسعار قياسية فوق طاقة شريحة كبيرة جداً من المدنيين لذلك نجد أن منزلاً متواضعاً مؤلفاً من غرفة واحدة ومطبخ يحتاج إلى أكثر من مليون ليرة سورية (حوالي ألفي دولار) لإنشائه بينما ذات المنزل وبنفس المواصفات لا يكلف أكثر من50 ألف ليرة (100دولار) تكلفة بنائه بالطين والخشب.

وأشار اليحيى إلى أن القصف يتسبب بخروج يومي للمنازل والبنى التحتية عن الخدمة ومقدار الدمار لا يتناسب مع عدد الأبنية المنشأة والسليمة لذلك يزداد الضغط على السكن وتزداد معه نسبة المتوجهين للبناء الطيني.

* باحثون عن أمان

وعلى الرغم من انتشار الفكرة بشكل كبير في الآونة الأخيرة في المنطقة إلا أن بعض المدنيين أقدموا عليها منذ سنوات مع بداية الحصار وخروجهم للبناء في مزارعهم القريبة من السكن بحثاً منهم عن الأمان النسبي الذي يترافق عادة في الابتعاد عن المرافق الحيوية والمدن.

الحاج محمد الياسين قال لـ (رؤية سورية) إن” الأبنية الطينية اندثرت وكنت طفلاً حينها وأذكر أن والدي الحاج ياسين كان يحدثنا عن طريقة بناؤهم للمنزل والقباب الطينية وعن فوائد استخدام الطين والقش والخشب وعزله للحرارة والبرودة صيفاً وشتاءً”.

وأضاف الياسين “مع بداية نزوحنا منذ قرابة الأربعة أعوام دارت في ذاكرتي أحاديث والدي وذكريات الطفولة فتوجهت إلى مزرعتنا القريبة من البلدة هرباً من القصف العنيف وبدأت بمساعدة أبنائي بالبناء حتى وصلنا إلى المواصفات التي تحدث عنها الوالد في حكايات الطفولة”.

* بارد صيفاً دافئ شتاءً

أما عن ميزات البناء الطيني فيضيف الحاج محمد “تتكون جدران المنزل من التراب والماء وقليل من قش القمح أو الشعير ولكي تتماسك تلك المواد الهشة لا بد أن تبنى بسماكات كما أن طبيعة التراب تمنح عزلاً جيداً من الداخل ما يجعله أقل برودة في فصل الشتاء حيث يوفر ما يقارب 50% من استهلاك وقود التدفئة وأكثر برودة في فصل الصيف”.

وتفرض قوات النظام وميليشياته الموالية حصاراً على حركة المدنيين من مناطق ريف حماة الجنوبي وحمص الشمالي وقيوداً كبيرة على دخول المواد الغذائية ومواد البناء والمواد الطبية ما يجبر المحاصرين على التكيف مع الواقع واستخدام المواد والتجهيزات الموجودة لكسر حصارهم داخلياً.